
مُذْ عَرَفتْ نَفسي مَعنى الجَمالِ وَالدَّهشة، وأنا في مُقتبل صِباي، عَلِقت بِنَفسي القصيدة العَرَبِيَّةُ ببنائها المَهيب وتَشاعيبِها المُؤتلِفَة، ولا سيما أَنَّ أَولَ ما طَرِبتُ لَهُ مِنَ الشِّعر حَدَّ الثُّمالَة مُعَلَّقَةُ عمرو بن كُـلثوم، فكانت سبب فِتنَتي بصرح البَيان ومُفتتح الطُّرق لدُلوفي إِلى دُنيا الشِّعر. وكنتُ -عَلى طَرَبي لَها وَلِبَاقي المُعَلَّقاتِ- أجهَلُ كَثيراً مِن مَعانيها وَمَبانيها، وَلا سيما تَعَدُّدُ المَواضيعِ فيها وكثرة التَّنقل بَينَ مَعانٍ لَم يَبدُ لي وجهُ التَّرابُطِ بَينَها: مِن ذِكرِ الصَّبابةِ وَالبُكاءِ عَلى المَرابِعِ، إِلى وَصفِ الرِّحلَةِ وَالعَزيمَةِ النّافِذَةِ في جَزْعِ تِلكَ المَفازَةِ وَإِمضاءِ هَذا السَّفَرِ، إِلى ذكر مكنوناتِ النَّفسِ ولَواعِجِها، إِلى الحِكمَةِ والنَّظرةِ النّافذةِ في الحَياةِ الَّتي مارَسَها الشّاعرُ ومارسته. غيرَ أنَّهُ كانَ في نَفسي ما يَقولُ لي: إِنَّ خَيطاً مِن حِبرٍ ناظِماً يؤلِّف بَينَ هذِه الأشتات. ومكثتُ عَلى هَذا دَهراً أَتلمَّسُ مَواطِنَ الجَمالِ في هذِه القَصائِدِ وأُعالجها بِالنظر والتَّأمُّل، عَـلَّها تَبوحُ لي بِمَكنونِها. وَلَعَلِّي وَقَفتُ عَلى بَعضِ حكمهم في نَظمهم وبُعدِ غَورِ مُرادهم ما يَملأ النَّفسَ مَهابَةً وَإِجلالاً لِعَظيمِ هذِه الصَّنعَة.
ما الَّذي دَعاني لِهذِه التَّوطِئَة؟!
مَن عَلِقَ شَيئاً تَنَسَّمَ شذاهُ في كُلِّ شبية، وَلَعَلِّي في قراءتي لهذا الكتاب تَنسمتُ فيهِ ضَرباً مِن ضُروبِ ذلِكَ التَّعبيرِ «بِخَيطٍ مِن حِبرٍ». وَفي العُنوانِ سِرُّهُ، وَفي طَيّاتِ بنائِهِ نَفَسُ العَرَبِيِّ الأَوَّل.
وقف بِنا الكاتبُ عَلى مَرابِعِ صِبا تَكَوُّنَ الأَديب، وَما يختلج في قَلبِهِ مِن رغبة ورهبة وعُذوبة المشاعر الأُولى في الطَّريقِ لِلفَوزِ بِوُدِّ مجدِ الكتابة، وَما تُعالجُهُ نفسه مِن رَجاءٍ وَاتِّقاءٍ.
“فَأَحلى الهَوى ما شَكَّ في الوَصلِ رَبُّهُ
وفِي الهَجرِ فَهوَ الدَّهرَ يَرجو وَيَتَّقي”
ثُمَّ راحَ يَصِفُ لَنا الرِّحلة وتَطويفَهُ عَلى دَخُوْلِ الأَدبِ وَحَومَلِهِ، وَجلّى لَنا فيها ما يَكونُ لِلشّادي دَليلاً عَلى موارد الصَّنعةِ ومصادِرِها، ووقَفَنا عَلى بَديعِ الطّارِفِ فيها وَعَظيمِ التّالد.
وَلا أَجورُ في الوَصف إِن قُلتُ إِنِّي وَجَدتُهُ في نفعهِ لِشادي هَذا الفَنِّ كجواهِرِ الأَدبِ، عَلى اختلاف مادَّةِ الكِتابَينِ وَاتِّفاقِها. فَأَنتَ واجِدٌ في هَذا الكِتابِ ما تجدُ في «جَواهِرِ الأَدبِ» مِن دليل على أَسماء عظيمة وأعمال بديعة شُهِدَ لَها بِالتَّقَدُّم -عَلى أَنَّ «جَواهَرَ الأَدب» أَغزَرُ مادَّةً في هَذا البابِ- وَتَضافَرَ عَلى تَقريظِها أَصحابُ الذَّوق والسَّبق في هَذا الفَنِّ، ما قَد يَقطَعُ بِكَ السِّنينَ الطِّوالَ بَحثُها وَالوُصولُ إِلَيها في بَحرِ الغَث. وَما وجدتُهُ فيه وَلَم أَجِدهُ في غَيرِهِ ما استعرضهُ الكاتِبُ مِن الآفاتِ القاتِلة وَالمَهاوي السَّحيقَةِ الَّتي يَقَعُ فيها الكَثيرُ مِنَ النَّشءِ الطّالِبِ لهذا الفَنِّ أو قريباً منه، ليتفطَّنَ النّاشِئُ عَلَيها، فَيَكونَ سَيرُهُ عَلى بَصيرة، وَيَصونَ عُمُرَهُ وَوَقتَهُ مِنَ الانجِرارِ إِلى ما لا تُحمَدُ عُقباهُ وَلا يُرتَجى نَفعُهُ.
الكِتابُ -عَلى اختِلافِ مَواضيعِهِ وَتَنَوُّعِها- مِن ذكر ما تَقولُهُ الحِكايةُ في دَويِّ صَمتِها وَقَلَقِ بَدايَتِها، إِلى ما عالجهُ مِن بَعضِ القَضايا الأَدَبِيَّةِ، وما أَسرَجَ مِن مصباحِهِ لِيَدُلَّ عَلى الطَّريقِ إِلى ما نفذ إِلَيهِ حِسُّهُ المُرهَف مِن قِصَصٍ تَوارَت خَلفَ سُطورِ حَكاياها، وَأَشباهِ حِكمَةٍ ضَمَّها إِلى نَظائِرِها، إِلى مَقالَتِهِ البَديعَةِ «ماذا يَعني الانجاز» -وَهُي عِندي واسِطَةُ العِقدِ ودُرَّةُ التاج- نَظَمَ بَين ظاهِرَ أَشتاتِ المَواضيع بِخَيطٍ مِن حِبرٍ يُلْمِحُ لَكَ بِأَن تفتحَ عَينَكَ وَتُرهِفَ أُذنَكَ وَتَشرحَ صَدرك، فَفي الدُّنيا وَطَيّاتِها لَمَحاتٌ بَديعة ووقفَاتٌ يُسَبِّحُ الجَمالُ لَها، وَلَكِنَّها حِكرٌ عَلى مَن هَذَّبَ الأَدبُ طَبعَهُ وَرَقَّقَ قَلبه، فَصارَ رائِداً لِلحُسنِ، كَلِفاً بِالجَمالِ يَتبعه أَينَما حَلَّ، حَقيقاً بالحِكمَةِ أَينَما وَجَدَها.
فللهِ في هَذِيْ البَسيطةِ حِكْمَةٌ
تُضمّنُ أقوالاً من الشِّعرِ والنَّثرِ
يـتـيـمـةُ دُرٍّ عــز أو كــادَ مـثـلُها
تألفــها سِـفـرٌ بـخـيـطٍ من الحبرِ
