المدونة

لمَن الأرضُ؟

بدايةً لا يخضع هذا المقال للصوابية الأكاديمية، ولا يُنتظر من القارئ إبداء الإعجاب أو السخط، أو حتى النقد العاطفي، إلا مَن جاء بقول فصل، يردُّ القولَ بالقول لا بالرأي والهوى.

لم تكن الأرض -كل الأرض- يومًا ملكًا لشعب من الشعوب، {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [ص: 43]. فليس لأحد من العالمين صَكٌّ ليثبت حقَّه في شبرٍ واحدٍ منها، وإنما استحق الإنسان أولًا الأرض ليعيش عليها وهو مستخلَّف فيها، والإنسان هنا كل الناس برّهم وفاجرهم.

إذن فمن يمتلك الأرض؟

ربما هذا السؤال لم يعرفه الناس منذ مائتي سنة في تقديري، كان الغزو والاستيطان عادة الناس في كل زمان ومكان، فمنذ بداية نزول الإنسان على الأرض أينما أنبتَت الأرض ونزل المطر يعيش الناس، وإنْ فُقد ذلك ارتحلوا لغير ذلك من الأرض، فإنَّ حاجة الإنسان لسدِّ حاجته من مأكل ومشرب ومأمن، هو محركه للنزول والترحال.

ثم هدأ واستقرَّ الإنسان قليلًا على ضفاف الأنهار والبحار ومواطن العشب والكلأ، وأصبح يشيِّد البُنيان والمصانع، ومن ثَمَّ قامت الحضارات، ومن ثَمَّ جاء الغزو؛ للدفاع عمّا بناه واسترعاه من الأرض وفرض السيطرة، ثم اجتياح الأراضي التالية له وما جاوره وضم المزيد من الأراضي له، في توسع لم يتوقف برهة من الزمن.

فكان الغزو والحروب، وكانت حدود كل دولة تنتهي عند آخر جندي يحمل سلاحه، وكانت الحدود تتصف بالديناميكية المرنة للغاية، تزداد وتنكمش، تزداد رقعة الدولة بالغزو، وتتقلص إذا ما ضعفت وغزاها آخرون، فلا شيء غير منطق القوة والنفوذ؛ ومن ثَمَّ عاش الإنسان آلاف السنين إما غازيًّا أو مَغزوًّا، لا وسط بين ذلك!

أما الإنسان المعاصر (ذو ربطة العنق، والياقات البيضاء) فلم يتخلَّ عن ذلك التاريخ الذي ورثه من أجداده، لكنّه طوَّر ذلك بما ابتكره من أسلحة تُبيد غيرَه في ثوانٍ معدودات وبدقة عالية دون أن يلوث يده البيضاء.

ولا عجبَ أن تاريخ أقوى دولة في العالم اليوم، والتي تعد مصدر القوانين والتشريعات والأخلاقيات وصاحبة الصوت الأعلى في النظام الدولي القائم وغيره من تلك الترهات… قد قامت على إبادة شعوب كاملة من الهنود الحُمر، بعد أن هَجَرَ أولئك البيضُ القارة العجوز باحثين عن الذهب والفضة والسَّمن والعسل وموطن جديد.

لكن السيد الأبيض الذي أباد الشعوب الأصلية لتلك البلاد، كان بحاجة شديدة للعبيد لحراثة الأرض والبناء، فهو لن يلوث يده بالأعمال الحرفية، فقام بجلب العبيد السود من أدغال أفريقيا وجنوبها لتلك المهام الشاقَّة ولم يعطهم حقوقهم -فأي حق يستحقه العبد؟- إلا مؤخرًّا بعد قرون من القهر والظلم والاستعباد، ومن العجب أنه الآن يرفع قبعته متغنيًّا بحقوق الإنسان!

الآن أخبرني إن جاءك لصٌّ يحمل السلاح مُصوِّبه نحو رأسك، ويقول لك: اخرج من البيت، فقمت برفع عقد البيت في وجهه وقلت له: هذا بيتي وحقِّي؟ .. أظن أن ذلك اللص سيعتذر لك بكل عبارات الأسف والحزن الشديد وسيطلب منك مسامحته، لكن ذلك سيكون قبل أن تخترق رصاصته ذلك العقد متجاوزةً إياه إلى رأسك وتُرديك أرضًا!

ومن هنا تدرك التصرف الصحيح .. فلا قوميّات ولا أعراق أو حتى الأديان، لها الحق في أن تثبت أحقيتها في أرضٍ من الأراضي، إنما كما يعبِّر البعض (الأرض تُنتزع بحق السيف)، فمن امتلك القوة امتلك الأرض، ومن فقد أسباب القوة انتُزعت منه الأرض ولا كرامة!

هذا منطق الأرض منذ خلقها الله

وانظر إلى مَن حولك لماذا تترست الدول الكبرى قبل الصغرى بالأسلحة الفتّاكة؟ فهي إما تعدُّ العدَّة ليوم الغزو، أو حتى لحماية نفسها من أن تقع فريسة أو لقمة سائغة لغيرها.

وانطلاقًا من عقيدتي (الإسلام) فالأرض كلها لله يُورثها مَن يشاء من عباده، وإيمانًا بأن نبِيَّنا ورسولَنا محمدًا ﷺ هو خاتمُ الأنبياء والمرسلين، ورسالَته هي الخاتمة للناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها، والأرض كلها موطن للدعوة إمّا غزوًا أو سلمًا. فليست فلسطين وحدها، ولا الأندلس، ولا الهند من قبلهما، ولا غيرهما من ممالك الإسلام التي بُدِّلت وأُبيد فيها المسلمون، التي يجب على المسلمين اليوم التباكي عليها، أو حتى استردادها، إنما الأرض كلها.

إنما هذا منطق دعوة الإسلام، خرجت من شبه الجزيرة العربية في عهد النبي ﷺ، تخطت القفار والبحار والسهول والجبال حتى وقفت على أسوار الصين شرقًا وعلى أبواب الأندلس غربًا، في أقل من مائة عام. ثم تجددت مرة أخرى في قلب أوروبا حتى أسقط العثمانيون عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. هذه سُنّة الله في أرضه ولم تتوقف يومًا إلا وتبدلت الآية، حتى يصبح الغازي الفاتح مغزوًّا ومستعمَرًا. هذان أمران لا توسُّط بينهما، وإن ظننت الأمر بعيدًا عنك، فهذا من الغفلة والخسران.

فمن يمتلك القوة يملك الحق كل الحق ليفرض سيطرته ويمليها على نفسه وغيره، ومن ثم أمرنا بالإعداد قال ربُّنا ومالكُنا -عزَّ شأنه-: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].

إن امتلاك الأرض له دور فعّال؛ لماذا بشَّر النبي ﷺ بفتح الشام واليمن ومصر والقسطنطينية خاصة؟ لأنها مراكز قوة جغرافيًا، مَن يملكها يستطيع التحكم في المحيط الجغرافي بها شرقًا وغربًا. وقيل إن موسى بن نصير اتجه بالفتح ناحية الأندلس بغرض فتح القسطنطينية من جهة الغرب بعد أن صعُب على المسلمين من جهة الشرق وبلاد الشام!

فلم يعتمد الصحابة -رضوان الله عليهم- على تلك البشارات، باعتبارها حقًّا إلهيًّا فأنشدوا الأشعار والأراجيز مطالبين بها، بل قادتهم تلك البشارات إلى السعي والإعداد، ولما سقطت بلاد المسلمين في قبضة التتار والصليبيين؛ أعدَّ جُند الله العدة فانتزعوا بلادهم من قبضتهم وردُّوهم خاسئين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى