
بعد إعلان استشهاد أبي عبيدة ورفاقه الأخيار الأبرار توقفت قلوبنا ، وغاص كل منا في همّ وحزن ، وسقطت دمعات من أعيننا خلسة ، وانتابنا بعض اليأس ،وهمسنا “إلى متى سيستمر هذا الحال ، نفقد رجالنا واحد تلو الآخر” ، وربما هببنا سريعاً نضع الحالات ونكتب المنشورات في نعيه والدعاء له بالرحمة والمغفرة ، وهكذا صنعنا مع أسلافه السابقين ، أبي العبد إسماعيل هنية ، وأبي إبراهيم يحيى السنوار ، ومحمد الضيف وصالح العاروري وكل السائرين على هذا الدرب .
ولكن من منا حدّث نفسه بسلوك طريقهم ،وبدأ في إعداد نفسه لذلك ؟ من منا قرر أن يبني نفسه ليكون مشروع شهيد يسد ثغراً من ثغور الأمة ؟ من بدأ في غرس مفهوم الجهاد في أطفاله ليقوم أحدهم يوما مقام أبي عبيده ، ويجلس الثاني مجلس السنوار ، ويخطط الثالث كما خطط الضيف ، فهولاء ليسوا إلا صنائع أسرهم ومجتمعاتهم .
هولاء الشهداء لا يريدون منا أن ننعاهم ونحن نحتسي القهوة في الصباح ، أو نقلب الفيديوهات التافهة في مواقع التواصل ، أو نعمل الحالة ثم نقضي الساعة والساعتين في “التيك توك” و “نت فلكس” وفاؤنا لهم بأن نسلك دربهم ونكمل طريقهم ونبدأ من حيث استشهدوا ..
وفاؤنا لهم بأن يسمع الطالب خبر استشهاد أحدهم فيهب لكتبه الدراسية يحرثها حرثاً ، ويقلب المواقع التقنية والمنصات التعليمية كي يتقن علومها ويصنع لنا يوماً ذلك الجهاز الذي أُغتيل به أبي عبيدة ، ويصنع الطائرة التي أُستهدف بها أحمد ياسين ، ويخترع المضاد الذي يمحو سلاحهم ويدمره ..
وفاؤنا لهم بأن يتقن الصيدلي مهنته ، والطبيب عمله ، فلا نحتاج لإبرة تأتي من الصين أو دواء من فرنسا وبرلين . وفاؤنا لهم بأن يقدم لنا الإقتصاديون الحلول التي تحررنا من سطوة الدولار ، وفاؤنا أن يتجرد الدكاترة والمتخصصون في كل العلوم لترجمة مصادرها للعربية كي نتخلص من شبح تعلم الانجليزية الذي صار عائقاً أمام إبداع الطلاب ، ليجعل كل دكتور ومترجم لنفسه مشروع ترجمة مصدر واحد في العلم الذي يجيده ولو أخذ منه عشر سنين ..
وفاؤنا لهم أن يقول الاب لابنه أن الأمة لا تحيا إلا بالجهاد ، ولا تذل وتخنع إلا بتركه ، وفاؤنا أن يربي المعلم طلابه على حمل هم الأمة بدل القطر والتقوقع حول النفس وأن الإسلام قبل كل شي .
وإن مما لاحظته في خطابات المجاهدين الفلسطينيين أن تمسكهم بفكرة وجوب مقاومة الكيان بدأت من البيوت ، بدأت من صالة الطعام ، بدأت من أم تقص لطفلها ما فعله الإحتلال بقراهم التي هُجروا منها ، وما فعله بأقاربهم من الشهداء والشهيدات .. أبٌ يأخذ ابنه ويخرج من أحد المخيمات ، يصعد على سطح مرتفع ، ينظر إلى البعيد ، يحدثه عن حيفا والقدس ، يحدثه عن شجر الزيتون وحقول القمح ، عن القرية والريف ، ثم يقول له “أخرجونا منها اليهود ولكننا سنعود “
صبرا وشاتيلا ، الهاقانا وبن غوريون ، النكبة والنسكة ، أطفال الحجارة ومحمد الدرة ، كل هذه المفاهيم تكبر مع الطفل حتى يصير شابا لا يرى في الجندي الصهيوني إلا غاصبٌ لأرضه قاتلٌ لشعبه ، فيعيش ليجاهـد ليثخن في العدو ، ليلقى ربه شهـيد ..فلا تتعجبوا إن شاهدتم طفلٌ في غزة يقوم من وسط الركام ، جثة والده أمامه ، وأشلاء إخوانه ملقاه وسط الشارع وهو رافع صوته بالتكبير وأصبعيه بإشاره النصر ..
وكان هذا المعنى حاضراً في عقيدة الشيخ أحمد ياسين حين قال “إننا في معركة من المحتل على هذا الجيل ، فإما أن يأخذه منا أو نأخذه منه “
لاباس أن نُظهر حزننا على وسائل التواصل وفي الحياة العامة على رحيل هولاء الأبطال ، ولكن المصيبة العظمى والكارثة الهالكة أن نتخذ هذه المواقف إبر مخدرة وعقاقير منومة نهدئ بها ضمائرنا ، ونخدع بها أنفسنا ونحدثها أننا قد فعلنا الواجب، وأننا لا نجيد سواه . والتزهيد في طاقات الشباب المسلم وما يمكن أن يقدموه للأمة فكرة لا تخدم إلا المشروع الإستعماري الذين يظهرنا بصورة الضفعاء الذين لا تساوي دماءهم ولا قدراتهم دم وقدرة بعوضة ، وقد هدفت السينما الغربية على بث هذا المعنى في كل أعمالها الدرامية ، الفيلم الذي يظهر الجندي الأمريكي الجريح وهو يقاتل مئة من الشباب الأفغان ويقتلهم كلهم ويعود للمعسكر بإصابته ليس لقطة عابرة بل فكرة دفعت لأجلها ملايين الدولارات .
هذه الأمة لا تنتصر بحالة واتساب ولا بمنشور فيسبوك ، الأمة لا تنتصر بشاب يقضي نصف يومه على الألعاب الإلكترونية ، ومقاطع التيك توك ، وحياة التافهين .
الظان أن هولاء القادة في يوم وليلة أصبحوا على هذه الحال ، وبهذه الصلابة والصمود ، فهو واهم ، نحن عرفناهم مجاهدين مرابطين ، ونجهل لحظات إعدادهم ، نجهل كم احنوا ركبهم في حلق العلم يستزيدون إيماناً ، ويردون من أحواضه ، نجهل كم سهروا من ليالٍ يحفرون نفقاً ، ويصهرون رصاصة ويصنعون بندقية ويحشون قذيفة ، نجهل كم خنقتهم الروائح الكيمائية في معامل صنع الصواريخ ، وكم قطعت من أيدي وبُترت من أنامل خلال هذا الجهد العظيم .
فلابد من تضحية وصبر قبل الإستعمال للثبات والإثخان عنده ، وفي هذا يقول الشيخ إبراهيم السكران -فك الله أسره- “إذا كان المرء ينام حتى تُجهره أشعة الحمرة في عينيه، ويبسط خوان الطعام كلما اشتهى، ويخصص الأوقات الطويلة للقهوة والشاي والعصائر والفطائر، ولا يسمح لنفسه بأن تتنازل عن أي فرصة فسحة أو مسامرات مع أصحابه، ولا يستطيع كبح جماح تصفح الإنترنت أن يسرق ساعاته، وإذا كان المرء كذلك… وما زال يرجو أن تتحقق يومًا ما خططه العلمية والدعوية والإصلاحية، فمثل هذا الشخص قد استأصل عقله، وزرع بدلًا منه مصباح علاء الدين ” الأمة تناهشتها قوى الشرق والغرب ، وتداعت عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، وأستبيحت المقدسات ، وأنتهكت الحرمات ، وأغتصبت المسلمات ، فإن لم نستيقظ اليوم فمتى سيكون الإستيقاظ ؟!
