فكر

“آل البيت” في القرآن الكريم والسنة النبوية

نظرة استقرائية تحليلية (ج2)

سبق وأن تطرَّقنا للفظ “أهل البيت” في القرآن والسنَّة، واستقرأنا ورودهما في الآيات والأحاديث، وبيَّنّا معانيهما اللغوية، على سبيل الإفراد وعلى سبيل التركيب؛ وخلصنا إلى أنَّ هذين المصطلحين وردا في القرآن والسنَّة في سياق الدلالة اللغوية ولم يتجاوزها لأيِّ دلالة عرفيَّة أو شرعية. وهذا يتَّفق مع دلالة بقيَّة الألفاظ الاجتماعية: أب وأمٌّ، أخ وأخت، ابن وابنة، جدٌّ وجدَّة، خال وخالة، عمٌّ وعمَّة، زوج وزوجة، قوم وعشيرة، قبيلة وشعب، وغيرها، إذ جاء البيان القرآني مخاطبًا العرب بدلالاتها اللغوية، وإن جاءت على سبيل المجاز في بعضها كوصف نساء النبيِّ بأنَّهم أمَّهات المؤمنين، إذ هو وصف مجازي، وإن لحقته أحكام شرعية، فلحاق أحكام شرعية بالألفاظ الاجتماعية لم ينقلها مِن دلالاتها اللغوية إلى كونها حقيقة شرعية.
وفي هذا المبحث نتناول لفظ “آل البيت” في القرآن والسنَّة، مستقرئين وروده ودلالاته في النصِّ.

أوَّلًا: “آل البيت” في القرآن الكريم:

بالرجوع لكافَّة آيات القرآن الكريم نجد أنَّ مصطلح “آل البيت” لم يرد في أيِّ سياق، وأنَّ ما ورد في القرآن الكريم تحديدًا هو لفظ “آل” مضافًا إلى اسم علم لعاقل ذكر ذي شأن فقط، كما هو المتعارف عليه في لغة العرب، ولم يُضف إلى غير العاقل. وقد جاء لفظ “آل” في القرآن مضافًا إلى كافر ونبيٍّ ومؤمن، فأمَّا الكافر ففرعون وقد كان ملك مصر، وأمَّا المؤمن فعِمران (والد مريم -عليها السلام)، وأمَّا النبيُّ فهم: إبراهيم، ولوط، ويعقوب، وموسى، وهارون، وداوود.
فأمَّا “آل فرعون”، فوردت في (13) موطنًا مِن المصحف، وذلك في قوله تعالى: ((وإِذ نَجَّینَـٰكُم مِّن آلِ فِرعَونَ يَسُومُونَكُم سُوءَ العَذَابِ))، البقرة: ٤٩؛ و((فَأَنجَینَـٰكُم وَأَغرَقنَا آلَ فِرعَونَ وأَنتُم تَنظُرُونَ))، البقرة: ٥٠؛ و((كَدَأبِ آلِ فِرعَونَ والَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَذَّبُوا بِـَٔایَـٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِم))، آل عمران: ١١؛ و((ولَقَد أَخَذنَا آلَ فِرعَونَ بِالسِّنِینَ وَنَقصࣲ مِّن الثَّمَرَٰ⁠تِ لَعَلَّهُم یَذَّكَّرُونَ))، الأعراف: ١٣٠؛ و((وَإِذ أَنجَینَـٰكُم مِّن آلِ فِرعَونَ يَسُومُونَكُم سُوۤءَ العَذَابِ))، الأعراف: ١٤١؛ و((كَدَأبِ آلِ فِرعَونَ والَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَفَرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِ اللَّهِ))، الأنفال: ٥٢؛ و((كَدَأبِ آلِ فِرعَونَ والَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِم))، الأنفال: ٥٤؛ و((اذكُرُوا نِعمَةَ اللَّهِ عَلَیكُم إِذ أَنجَىٰكُم مِّن آلِ فِرعَونَ یَسُومُونَكُم سُوۤءَ العَذَابِ))، إبراهيم: ٦؛ و((فَالتَقَطَهُ آلُ فِرعَونَ لِيَكُونَ لَهُم عَدُوًّا وحَزَنًا))، القصص: ٨؛ و((وَقَالَ رَجُلࣱ مُّؤمِنࣱ مِّن آلِ فِرعَونَ يَكتُمُ إيمانه))، غافر: ٢٨؛ ((فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرعَونَ سُوءُ العَذَابِ))، غافر: 45؛ و((ويَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ))، غافر: ٤٦؛ و((وَلَقَد جَاءَ آلَ فِرعَونَ النُّذُرُ))، القمر: ٤١. ويلاحظ في هذه الآيات جميعًا هو اشتراك “آل فرعون” في الإجرام ضدَّ بني إسرائيل، وفي التعنُّت والكفر برسالة موسى، وفي العقوبات الدنيوية، والمصير الختامي في الدنيا والآخرة. وتبقى هناك آيتان بحاجة لبيان، هما القصص (8) وغافر (28)، فالأولى تشير إلى أنَّ التقاط موسى -عليه السلام- كان مِن قبل “آل فرعون”، في حين جرت الإشارة إلى امرأته في آيات أخرى، غير أنَّ هذه الآية ذكرت أنَّ مؤدَّى الالتقاط أن يكون عدوًّا وحزنًا، ومعلوم أنَّ امرأة فرعون آمنت بموسى، فهي استثناء مِن “آل فرعون” وإن كانت مِن أهله. كما أنَّ استثناء الرجل المؤمن مِن “آل فرعون” جاء ليؤكِّد أنَّه في ظاهره أبدى الموافقة وفي الباطن أبدى المخالفة، لهذا وصف بأنَّه مِن “آل فرعون” ونبِّه على محلِّ الافتراق “يكتم إيمانه”، ولولا هذا التنبيه لعدَّ فيهم لتشاركه إيَّاهم ظاهرًا.
وعدا عن ذلك ورد لفظ “آل” في الآيات التالية مضافًا لأنبياء ومؤمن، قال تعالى: ((إِنَّ ءَایَةَ مُلكِهِ أَن یَأتِیَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُم وبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وآلُ هَـٰرُونَ))، البقرة: ٢٤٨؛ و((إِنَّ اللَّهَ اصطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وآلَ إِبرَاهِيمَ وآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ))، آل عمران: 33؛ و((فَقَد ءَاتَینَا آلَ إِبرَٰ⁠هِیم الكِتَـٰبَ وَالحِكمَةَ وءَاتَینَـٰهُم مُّلكًا عَظِيمًا))، النساء: ٥٤؛ و((ویُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وعَلَى آلِ يَعقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيكَ مِن قَبلُ إِبرَٰ⁠هِیمَ وإِسحَـٰقَ))، يوسف: ٦؛ و((إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُم أَجمَعِينَ))، الحجر: ٥٩؛ و((فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الـمُرسَلُونَ))، الحجر: ٦١؛ و((يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعقُوبَ واجعَلهُ رَبِّ رَضِيًّا))، مريم: ٦؛ و((أَخرِجُوا آلَ لُوطࣲ مِّن قَريَتِكُم إِنَّهُم أُنَاسࣱ يَتَطَهَّرُونَ))، النمل: ٥٦؛ و((اعمَلُوا آلَ دَاوُۥدَ شُكرًا وقَلِيلٌ مِّن عِبَادِيَ الشَّكُورُ))، سبأ: ١٣؛ و((إِنَّا أَرسَلنَا عَلَيهِم حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطࣲ نَّجَّینَـٰهُم بِسَحَرࣲ))، القمر: ٣٤.(1)
وفي الآيات السابقة ما يشير إلى دخول النساء في لفظ الـ”آل”، إذ أنَّ مريم تدخل في “آل عمران” أصالة وابتداءً، كما أنَّ آل لوط -عليه السلام- تشير إلى بناته، إذ لم يذكر له المفسِّرون والمؤرِّخون له أبناء ذكورًا.
وتظهر سياقات الآيات جميعًا أنَّ معنى “آل فلان” هو معنى واحد، مطَّرد منضبط، ألا وهو “أتباع الرجل الموافقون له على دينه مِن أهله”، فهم ليسوا “أهله” كيفما اتَّفقت ديانتهم، وليسوا “أتباعه” دون أهله، لأنَّ جميع الآيات أتت في سياق تناول الأهل الموافقين للديانة التابعين للشخص، فمتى فسِّر لفظ “آل” في الآيات جميعها بهذا المعنى كان منضبطًا مطَّردًا لا يدخله خلل أو إشكال. يقول الشيخ محمَّد بن صالح العثيمين: “المراد بالآل قرابته المؤمنين، أمَّا غير المؤمنين به فليسوا مِن آله، لأنَّ الله قال لنوح في ولده: ((إِنَّهُ لَيسَ مِن أَهلِكَ))، هود: 46، وهو ابنه مِن صُلبه، ومع ذلك نفى الله أن يكون مِن أهله، فكذلك الذين لم يؤمنوا بمحمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن قرابته ليسوا مِن آله، وإن كانوا مِن أهله نسبًا، لكنَّهم لا يدخلون في الدعاء لهم”(3).
فـ”آل فرعون” هم أتباعه مِن أهله، ومعلوم أنَّ المـُلْكَ لا يكُون إلَّا لذي عصبة وعشيرة، يوالونه ويناصرونه، لهذا أشركهم الله تعالى معه في الذمِّ والإدانة والعذاب والمصير بهذا اللفظ “آل فرعون”، فلم يرد في القرآن الكريم، ولا في موطن واحد، “أهل فرعون”. و”آل فرعون” كانوا معه في زمنه وعصره، وانقرضوا بزواله وزوالهم.
و”آل إبراهيم” و”آل لوط” و”آل يعقوب” و”آل موسى” و”آل هارون” و”آل داود” كلُّهم ذكروا بمعنى أهلهم الموافقين لهم ديانة التابعين لهم مسلكًا، فما كان للوط أتباع غير بناته. وقد أفاد طلب زكريا -عليه السلام- مِن ربِّه أن يرزقه غلامًا مِن صُلبِه يرثُ العلم والديانة عنه وعن آبائه المتَّصلين بيعقوب: ((يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعقُوبَ)) أنَّ وحدة الدين والقربى معتبرة في الآل. كما أنَّ الفصل بين موسى وهارون في الإضافة لآل قوله تعالى: ((وبقيَّة ممَّا ترك آل موسى وآل هارون)) يُشير إلى أنَّ الاعتبار لخصوصية إرث كلٍّ مِنهما في أهله، فلو كان المقصود أتباعهما لنسبا معًا لآل “آل موسى وهارون”، إذ وحدة المصدر تقتضي وحدة التابع، وهذا ما يجعل وصف “آل عمران” منطبق على مريم وعيسى -عليهما السلام، فإنَّهما مِن ذرِّية عمران وتابعين لما كان عليه مِن الدين، فهو لم يكن رسولًا متَّبعًا.
وكما جاء الذمُّ والإدانة لـ”آل فرعون” جاء الثناء والإشادة والنجاة لآل الأنبياء المذكورين، وما أوجب هذا هو اتِّفاق العقيدة والديانة هنا وهناك، فالمرءُ لا يذمُّ على نسبه مِن حيث هو، إلَّا إن تعصَّب لما فيه مِن كفر أو فجور أو ظلم أو فسق، ولا يمدحُ على نسبه مِن حيث هو، إلَّا إن تمسَّك بما فيه مِن إيمان وبرٍّ وعدل وصلاح.
إذن، فاستخدام لفظ “آل” جاء بدلالة لغويَّة، إذ لم يحمل أيَّ دلالة شرعية أو اختصاص شرعي لمـَن أضيف إليهم، مِن لدن إبراهيم وحتَّى داود -عليهم السلام؛ وإنَّما جاء معبِّرًا عن فئة في سياق أحوال مختلفة. وما ثبت لآل إبراهيم وآل لوط وآل يعقوب وآل موسى وآل هارون وآل داود مِن فضل وهبوه أو خير اكتسبوه ذهب بانقراض آجالهم وانتهاء أجيالهم.

تاريخ أعلام اليمن بين الوفرة والضَّياع "آل البيت" في القرآن الكريم والسنة النبوية

“آل البيت” في السنَّة النبوية:

بالرجوع إلى الكتب الستَّة، وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، سنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجة، نجد أنَّ ما ورد فيها هو متَّسق مع الاستخدام والمعهود القرآني، وهو إضافة لفظ “آل” إلى عاقل ذكر ذو شأن، ولم يأت مضافًا إلى غير عاقل، جمادًا أو حيوانًا أو معنى. وما يعنينا هنا إضافة لفظ “آل” إلى مسمَّى النبيِّ محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم، أو وصف (النبي) و(الرسول).
ففي الحديث المتَّفق عليه: (اللَّهُمَّ ارزُق آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا)(3)، وفي الحديث الآخر، جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنَّه أمر أمَّته أن تصلِّي عليه في صلواتها بهذه الصيغة: (قُولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ، وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيتَ علَى آلِ إبرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِك علَى مُحَمَّدٍ، وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكتَ علَى آلِ إبرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)(4). وعنه -عليه الصلاة والسلام، أنَّه قال للحسن والحسين عندما أراد أحدهما تناول تمرة مِن تمرات الزكاة: (أَما عَلِمتَ أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لا يَأكُلُونَ الصَّدَقَةَ)(5).
وفيما عدا هذه الأحاديث المروية عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- فإنَّ ما جاء مِن مرويَّات تتضمَّن عبارة “آل محمد” أتت على لسان زوجاته وأصحابه، لا على لسانه. ومِن ذلك قول عائشة -رضي الله عنها: “ما أكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أكلَتَينِ في يَومٍ إلَّا إحدَاهُما تَمرٌ”(6)، وفي مسلم: “ما شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- يَومَينِ مِن خُبزِ بُرٍّ إلَّا وَأَحَدُهُما تَمرٌ”(7)، وقولها -رضي الله عنها: “وكان آلُ مُحَمَّدٍ إذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثبَتُوهُ”(8)، وقول أبي بَكر -رضي الله عنه: “سَمِعتُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقولُ: (لا نُورَثُ، ما تَرَكنَا صَدَقَةٌ)، إنَّما يَأكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ في هذا الـمَالِ، واللَّهِ لَقَرَابَةُ رَسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أحَبُّ إلَيَّ أن أصِلَ مِن قَرَابَتِي”(9)، وقول أبي هريرة -رضي الله عنه: “ما شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ حتَّى قُبِضَ”(10)؛ وقول عائشة -رضي الله عنها: “نحرَ عن آلِ محمَّدٍ في حجَّةِ الوداعِ بقرة واحدة”(11). وقد وردت لفظ “الآل” في هذه الأحاديث جميعًا مشيرة إلى أهل بيته وقرابته الذين اتَّبعوه، فآمنوا وهاجروا معه، وفي مقدِّمتهم زوجاته وأولاده. وكلُّ هذه النصوص تشير إلى أهله الذين وافقوه على دينه واتَّبعوا مسلكه في زمنه.
وقد أضاف رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- لفظ “آل” إلى بعض أصحابه، دون أي لوازم خارجة عن العرف، فقال: (إنَّ آلَ جَعفرٍ قد شُغِلوا بشأنِ ميِّتِهم فاصنَعوا لَهم طعامًا)(12)؛ وقال: (اللَّهُمَّ صَلِّ علَى آلِ أبِي أوفَى)(13)؛ بل أضافه إلى غير مسلم: (لَتَفتَحَنَّ عِصابَةٌ مِنَ الـمُسلِمِينَ، أو مِنَ المـُؤمِنِينَ، كَنزَ آلِ كِسرَى الذي في الأبيَضِ)(14).
كما جاء إضافة “آل” في كلام الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- إلى أفراد مِنهم، فقد جاء في كلام للزبير بن العوَّام -رضي الله عنه: “فلَمَّا قُتِلَ عُثمَانُ وقَعَت عِندَ آلِ عَلِيٍّ”(15)؛ وعن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه، أنَّ رسول اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أمهل آل جعفرٍ ثلاثة أن يأتيَهم، ثمَّ أتاهم فقال: (لا تبكوا على أخي بعد اليوم)(16)؛ ولَمَّا استُخلِفَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيق -رضي الله عنه- قال: “لقَد عَلِمَ قَومِي أنَّ حِرفَتي لَمْ تَكُن تَعجِزُ عن مَؤُونَةِ أهلِي، وشُغِلتُ بأَمرِ الـمُسلِمِينَ، فَسَيَأكُلُ آلُ أبِي بَكرٍ مِن هذا الـمَالِ، ويَحتَرِفُ لِلمُسلِمِينَ فِيهِ”(17)؛ وقال أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ -رضي الله عنه، لـمَّا نزلت آية التيمُّم: “لقَد بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُم يا آلَ أبِي بَكرٍ، ما أنتُم إلَّا بَرَكَةٌ لهم”(18)؛ وفي حديث الذي تَزَوَّجَ ابنَة لأبِي إهَابِ بنِ عَزِيزٍ، فأتَتهُ امرَأَةٌ فَقالَت: قد أرضَعتُ عُقبَةَ والَّتي تَزَوَّجَ؛ فَقال لها عُقبَةُ: ما أعلَمُ أنَّكِ أرضَعتِنِي، ولَا أخبَرتِنِي، فأرسَلَ إلى آلِ أبِي إهَابٍ يَسأَلُهُم، فَقالوا: ما عَلِمنَا أرضَعَت صَاحِبَتَنَا(19).
ونفى عليه الصلاة والسلام عن بعض قرابته الولاء فقال: (إنَّ آلَ أبِي فلان(20) لَيسُوا بأَولِيَائِي، إنَّما ولِيِّيَ اللَّهُ وصَالِحُ المـُؤمِنِينَ، ولَكِن لهم رَحِمٌ أبُلُّهَا ببَلَالِهَا)(21)، يَعنِي: أصِلُهَا بصِلَتِهَا. ورغم أنَّ المقصود بها هنا “آل أبي طالب”، وهو مِنهم، نسبهم إلى “أبي طالب” كونه ربط الأمر بالصلاح والإيمان، فدلَّ على أنَّه قصد فريقًا لم يؤمنوا به ولم يتَّبعوه رغم القرابة؛ فأيُّ اختلاف في الدين والمسلك والنهج يخرج الداخل في الأهل مِن الآل.

الخلاصة:
نخلص ممَّا سبق إلى ما يلي:
1- أنَّ لفظ “أهل” و”آل” وردتا في القرآن الكريم والسنَّة النبوية، وأنَّ كلًّا مِنهما استخدم وفق معهود ووضع اللغة، ولم ينقلا إلى معنى شرعيٍّ خاصٍّ بأمور اعتقادية أو تعبُّدية أو تشريعية، وهذه هي مدارات الدين.
2- أنَّ إضافة “أهل” و”آل” تعدَّدت وتنوَّعت، وشملت المؤمن والكافر، والنبيَّ وغير النبيِّ، وفي حين أضيفت لفظة “أهل” للعاقل وغير العاقل، والذكر والأنثى، ومَن له شأن ومَن لا شأن له، أضيفت لفظة “آل” إلى الذكر العاقل ذو الشأن. 3- أنَّ عبارة “أهل البيت” هي العبارة الثابتة في كتاب الله وسنَّة نبيه -صلَّى الله عليه وسلَّم، ولها دلالة لغويَّة واضحة مطَّردة، إذ تشير للزوجة والأبناء عموما، وكلُّ ساكن في البيت مِن أب وأمٍّ إخوة وخدم وغيرهم، وقد تشمل جميع أفرادها وقد تقتصر على بعض أفرادها حسب السياق.
4- أنَّ عبارة “آل إبراهيم” و”آل محمَّد” وغيرها ممَّا أضيف إلى الأنبياء، هي العبارة الثابتة في كتاب الله وسنَّة نبيه -صلَّى الله عليه وسلَّم، ولها دلالة لغويَّة واضحة مطَّردة، هم أتباعه مِن أهله، الذين وافقوه على دينه وسلكوا مسلكه، وقد تشمل جميع أفرادها وقد تقتصر على بعض أفرادها حسب السياق.
5- أنَّ عبارة “آل البيت” لم ترد في القرآن الكريم، ولا في صحيحي البخاري ومسلم، وهما أصحُّ كتب السنَّة، بل لم يرد فيهما عبارة “آل بيتي” أو “آل بيت النبي” أو “آل بيت الرسول”، كما لم ترد في كتب السنن (سنن النسائي، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجة).
6- أنَّ الأصل اتِّباع هدي القرآن الكريم والسنَّة النبوية فيما أشكل مِن ألفاظ وعبارات، إذ هما الحكم الفيصل والمرجع الأعلى، فمَن التزم ألفاظهما المستخدمة دون تعدٍّ أو تحريف كان على هدي الكتاب والسنَّة حقًّا.
7- وعليه، فإنَّه ينبغي البحث فيما يلي: مَن أوَّل مَن نحت هذا المصطلح؟ ولماذا؟ وكيف جرى نشره وإشاعته؟ وما هي الدلالات التي لحقت به؟ وما هي الحمولة العقدية والفقهية والتشريعية التي لحقت بهذا المصطلح؟ وكيف جرى توظيفه دينيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا؟ ولماذا جرى استبداله بعبارة “أهل البيت” و”آل محمَّد” الثابتتين في القرآن الكريم والسنَّة النبوية؟ والتعويض به في كثير مِن الدروس والخطب والمؤلَّفات؟ وما هي الآثار التي ترتَّبت على ابتداع هذا المصطلح على صعيد الفرق المختلفة؟ هذا والله أعلم وأحكم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
هذا والله أعلم وأحكم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الهوامش:

  1. أعرضنا صفحا عن قوله تعالى: ((سَلَـٰمٌ عَلَى إِل يَاسِينَ))، الصافات: ١٣٠، نظرًا للخلاف الذي وقع في هذا المقام. 
  2. شرح أصول التفسير: ص15. 
  3. أبو هريرة، البخاري، رقم: 6460؛ ومسلم، رقم: 1055. 
  4. كعب بن عجرة، البخاري، رقم: 4797؛ ومسلم، رقم: 406. 
  5. أبو هريرة، البخاري، رقم: 1485. 
  6. البخاري، رقم: 6455. 
  7. مسلم، رقم: 2971. 
  8. مسلم، رقم: 782. 
  9. البخاري، رقم: 4035؛ ومسلم، رقم: 1759. قاله لـمَّا أتت فاطمة -رضي الله عنها، والعَبَّاس -رضي الله عنه، يَلتَمِسَانِ مِنه مِيرَاثَهما مِن النبي. 
  10. البخاري، رقم: 5374؛ ومسلم، رقم: 2970، وفيه: “مِن خُبزِ بُرٍّ فَوقَ ثَلَاثٍ”، وفي رواية عائشة: “مُنذُ قَدِمَ المَدِينَةَ”. 
  11. صحيح ابن ماجه للألباني، رقم: 2557؛ وصحيح أبي داود للألباني، رقم: 1750؛ وتخريج شرح السنة لشعيب الأرناؤوط، رقم: 7/198. 
  12.  أسماء بنت عميس، صحيح ابن ماجه للألباني، رقم: 1317. 
  13.  عبدالله بن أبي أوفى، البخاري، رقم: 6359؛ ومسلم، رقم: 1078. 
  14. جابر بن سمرة، مسلم، رقم: 2919، وفي رواية (بيت آل كسرى)، رقم: 1822. 
  15. البخاري، رقم: 3998. 
  16. صحيح النسائي للألباني، رقم: 5242؛ والصحيح المسند للوادعي، رقم: 1/478؛ وتخريج سنن أبي داود لشعيب الأرناؤوطـ، رقم: 4192. 
  17. عائشة أم المؤمنين، البخاري: رقم: 2070. 
  18. عائشة أم المؤمنين، البخاري، رقم: 4608؛ ومسلم، رقم: 367. 
  19. عقبة بن الحارث، البخاري، رقم: 2640.
  20. قيل المراد: بني أُميَّة، وقيل: آل أبي العاص بن أُميَّة، وضعَّفهما ابن حجر -رحمه الله، ورجَّح أنَّ المقصود “آل أبي طالب”. انظر: فتح الباري: ج10/420. والمقصود بقوله (ليسُوا لِي بِأَولِيَاء) مَن لم يُسلم مِنهم، فهو مِن إطلاق الكلِّ وإرادة البعض. 
  21. عمرو بن العاص، البخاري، رقم: 5990؛ ومسلم، رقم: 215.

أنور الخضري

كاتب وباحث يمني مهتم بالقضايا السياسية والشأن اليمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى