
أولا، تقديم:
قطعا، لم يكن طوفان الأقصى حدثا عسكريًّا صرفًا، وإنما كان لحظة كاشفة في التاريخ المعاصر، لحظة لم تنكشف فيها فقط موازين القوة المادية اللاأخلافية، بل موازين الفاعلية المعرفية والحضارية أيضا للشعوب والدول. لقد أظهر هذا الطوفان العالمي الكبير، على نحو حاسم، أنَّ القوة لا تُقاس باتساع الجغرافيا ولا بحجم الموارد، وإنما بقدرة الإنسان على تحويل الفكرة إلى فعل، والزَّمن إلى إمكان، والضغط إلى معنى. هذا الاستنتاج يسائل بشكل دقيق وخاص جدا شعوب ودول الحوض الحضاري الإسلامي، باستثناء البقعة صانعة الحدث: غزة.
في مثل هذا السياق، يطرح السؤال: هل هناك حاجة لاستدعاء فكر مالك بن نبي من الهامش إلى المركز، ومن النسيان إلى التفكر…؟ مبرر السؤال ليس لأنه مفكر تاريخي وحضاري فحسب، وإنما باعتبار فكره مفتاحًا تفسيريًّا للحظة الطوفان ومآلاته.
الفكرة حين تصبح قدرًا تاريخيًّا
يرى مالك بن نبي (ت: 1973) أنَّ الحضارة لا تبدأ من الأشياء، بل من الأفكار. لذلك تراه يقرر عند فحص مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، “أن الأفكار هي التي تصنع التاريخ، لا الأحداث”.
في غزة، ومن وحي هذا الفكر، لم تكن المقاومة ردّة فعل آنية، لقد كانت فكرة كلية منظمة، أعادت تشكيل الوعي الفردي والجماعي، وحدَّدت موقع العدو، ومعنى الحياة، ولا محدودية التضحية. الفكرة في غزة لم تكن شعارًا، بل تحولت إلى “قوة نفسية دافعة”، أي إلى طاقة داخلية قادرة على تنظيم السُّلوك وتوحيد الجهود.
في المقابل، كشفت لحظة انفجار الطوفان فراغا فكريا واسعا في كثير من المجتمعات الإسلامية، حيث غابت الفكرة الجامعة، وحلّ محلها غضب أخلاقي مشتت وبلا أثر كبير، أو لنقل حصل تضامن لغوي ومشاعري واسع بلا كلفة تناسب حجم المسؤولية التاريخية. وهو ما حذّر منه بن نبي وهو يقرر أن الفكرة حين تفقد فاعليتها، يتحول المجتمع إلى كيان يملك الأشياء، لكنه لا يملك نفسه.
الإنسان الفاعل في مواجهة إنسان ما بعد الحضارة
يضع مالك بن نبي الإنسان في قلب المعادلة الحضارية. فالإنسان عند مالك ليس رقما ديمغرافيا، وإنما هو وظيفة تاريخية أولًا وأخيرًا. فمن شروط النهضة عنده أنَّ مشكلة كل شعب في جوهرها هي مشكلة حضارته، ومشكلة حضارته هي مشكلة الإنسان فيه. لذلك، وعلى الرغم من أن إنسان غزة، يعيش تحت الحصار والقصف الإبادي، إلا أنه قدَّمَ نموذجًا لهذا الإنسان الحضاري صانع التاريخ: إنسان يعرف موقعه من الصراع، ويدرك معنى الفعل، ولا يعيش خارج الزمن. لم يكن إنسانًا مثاليًّا، لكنه كان إنسانًا منخرطا في التاريخ. في المقابل، أظهر الواقع في الحوض الحضاري الإسلامي وجود نسبة مرتفعة من إنسان آخر، وصفه بن نبي بدقة حين تحدث عن “الإنسان ما بعد الحضارة”، أي الإنسان الذي يعيش على هامش التاريخ، يستهلك ولا ينتج، يبرر ولا يفعل. هذا الإنسان، مهما امتلك من وسائل، يظل عاجزا عن تحويلها إلى قوة، لأنه فقد الشرط الأول للنهضة: الفكرة المحركة، والشعور بالمسؤولية التاريخية.
الزمن من وعاء ضائع إلى أداة صراع
يحتل الزمن مكانة مركزية في فكر مالك بن نبي. فهو ينظر إليه كرصيد حضاري. وعنده لا تكمن المشكلة في قلةِ الوقت، وإنما في ضياعه. في غزة، بدا الزَّمن عنصرًا محسوبا بدقة. الانتظار، الصبر، التخطيط، التوقيت… كلها تحوّلت إلى أدوات في الصِّراع. الزمن هناك ليس فراغا، بل إمكانًا للفعلِ الحضاري.
أما بعيدا عن غزة، وفي كثير من المجتمعات الإسلامية، فقد انكشف الزمن بوصفه، في الغالب، زمنًا مهدورًا: زمن بيانات، وزمن شاشات، وزمن انفعال مؤقت، دون تراكم فعلي. وهو ما ينسجم مع تشخيص بن نبي الذي يربط التخلف بـالعجز عن تنظيم الوقت ضمن مشروع ذي معنى.
معادلة الحضارة: حين تشتغل في غزة وتتعطّل في غيرها
يختصر مالك بن نبي مشروعه الفكري الحضاري في معادلته الشهيرة: الإنسان + التراب + الزمن. على أن تُربط هذه العناصر بفكرة. فغزة التي لا تملك ترابا واسعا، ولا زمنا مريحا، لكنها نجحت في تفعيل الإنسان وربط العناصر الثلاثة بفكرة المقاومة. في المقابل، تمتلك كثير من الدول وشعوب الحوض الحضاري الإسلامي التراب والزمن، لكنها فقدت الكتلة الحرجة من الإنسان الفاعل، فتعطّلت معادلة الفعل الحضاري. يعبر بن نبي عن هذا الوضع بتأكيده أنَّ الفقر لا يكون في قلةِ الموارد، بل في قلة الأفكار التي تحسن استثمارها.
إنَّ طوفان الأقصى وما تلاه من ملاحم صمود أسطوري في مواجهة التوحش النازي الجديد، شكل لحظة اختبار حضاري لا حدثًا عابرًا، لقد حوَّلَ الطوفان النَّظَر من سؤال: من الأقوى؟ إلى سؤال أعمق: من الأقدر على الفعل التَّاريخي؟
وقد جاءت الإجابة السُننية قاسية: إنَّ كيانًا صغيرا محاصرا استطاع أن يفرض إيقاعه على العالم، فيما أمة مترامية الأطراف، ظلت خارج التاريخ.
من هنا تتجلى الحاجة المعرفية الملحة لاستدعاء مالك بن نبي وإعادة قراءته من جديد، فقد نبَّه مبكرًا إلى أنَّ الاستعمار نتيجة وليس سببًا، وأنَّ القابلية للاستعمار تبدأ من الداخل، أي من الذات الفاقدة للفكرة المحركة للإنسان، ليجعل من تفاعل التراب والزمن فواعل تصنع الحضارة.
ختامًا: غزة ليست إذن استثناء خارقا، إنها مرآة تعكس ما يمكن أن يحدث حين تستعيد الفكرة مركزيتها، ويعود الإنسان إلى موقعه، ويُستثمر الزمن ضمن مشروع واضح. إن إعادة قراءة مالك بن نبي اليوم ضرورة معرفية وحضارية؛ لأنَّ طوفان الأقصى لم يكشف فقط عجز العدو ومأزق الحل الصهيوني للمسألة اليهودية في قلب الحوض الحضاري الإسلامي، بل كشف — وهذا الأخطر — حجم الفجوة الحضارية داخل هذا العالم الإسلامي الذي يجب أن يرى وجهه الشَّاحب في مرآة غزة، لكي يحسم خياره بالانتقال من العجز إلى الفعل، ومن الانتظار إلى الدخول في معترك صناعة التاريخ، بتأمين المستقبل الذي يليق به، والاضطلاع برسالته التحررية في الأرض.
