فكر

جذور الوعي المنقوص لدى الأشاعرة المعاصرين تُجاه الشيعة الإمامية..

كتاب مستقبل العلاقة مع الشيعة أنموذجًا (ج1)

مدخل:

حظيت مسألة العلاقة بين الشيعة الإمامية وجمهور المسلمين (أهل السنة) باهتمام متزايد في العقود الأخيرة، ومرد ذلك الاهتمام إلى صعود نجم الشيعة الإمامية في عهد الولي الفقيه في إيران؛ وخروجهم من دوائر الانكفاء والانتظار للمهدي الى دوائر الفاعلية والمبادرة والتأثير، ومن الناحية العملية يمكن القول: إن الخميني أخرج المهدي من سردابه بنظرية الولي الفقيه، وشكل ذلك التحول اختبارًا حقيقيًا للسلوك الشيعي حين يخرج من دائرة الانتظار والتَّقية إلى دائرة التمكين وامتلاك بعض أسباب القوة.. فما الذي حدث؟

 لقد تنفست الأحقاد الشيعية الصعداء، وتجسدت ثقافة الكراهية والثأر الشيعية إجرامًا في عدد من الأقطار العربية لا سيما في العراق وسورية، وخرج علي رضا زاكاني الرجل المقرب من المرشد الأعلى علي خامنئي ورئيس مركز الأبحاث في البرلمان الإيراني متباهيًا بسقوط أربع عواصم عربية في يد إيران: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

وفي ظل هذا الواقع وتداعياته برز السؤال عن:  مدى إمكانية  التعايش مع الشيعة؟ وعن مستقبل العلاقة معهم؟

وفي هذا السياق جاء كتاب: (مستقبل العلاقة مع الشيعة) الذي حاول فيه مؤلفه تقديم مقاربات في الإجابة عن هذين السؤالين.

التعريف بالكتاب والمؤلف:

عنوان الكتاب: (مستقبل العلاقة مع الشيعة).

مؤلف الكتاب: الشيخ الدكتور سعيد عبداللطيف فودة، فلسطيني الأصل، معاصر، يقيم في الأردن، له عدد من المؤلفات والتحقيقات في مجال علم الكلام والعقيدة، يولي عناية خاصة للتراث الأشعري والدفاع عن العقيدة الأشعرية.

معلومات النشر: الناشر: دار النور المبين، الأردن، الطبعة: الأولى ١٤٣٣هـ، عدد صفحات الكتاب: ٨٠ صفحة.

الرؤية العامة  للكتاب:

عنوّن المؤلف كتابه ب (مستقبل العلاقة مع الشيعة)،  ولا يقصد عموم الشيعة، ولكن الشيعة الإمامية الإثني عشرية، المعروفون ب (الرافضة).

وتضمن الكتاب رؤيتين: تاريخية وعقدية، ومن خلال هاتين الرؤيتين حاول المؤلف استشراف مستقبل العلاقة مع الشيعة الإمامية.

 والرؤية التاريخية التي قدمها المؤلف لا بأس بها من حيث الإجمال، وإن كانت لم تخلو من آثار التشيع السياسي وترديد بعض الأكاذيب والتصورات الشيعية في بعض التفاصيل كما في مسألة مقتل الحسين.

 وكذا الرؤية العقدية اعتراها القصور والضعف؛ لأن المؤلف صدر فيها عن المنهج الأشعري بما يتضمنه من نقاط ضعف، وهو ما أنتج في المحصلة النهائية وعيًا منقوصًا، وتساهلاً وتفريطًا، اعتدنا عليه من رموز المدرسة الأشعرية المعاصرة، وإن كان المؤلف في هذا أفضل حالاً من غيره.

فصول ومباحث الكتاب:

جاء الكتاب في ثلاثة فصول:

الفصل الأول: حول تاريخ العلاقة بين السنة والشيعة.

الفصل الثاني: العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر في العلاقة بين أهل السنة والشيعة.

الفصل الثالث: نظرات تحليلية في عوامل الوحدة والفرقة ومحاور مستقبل العلاقة.

تناولت مباحث هذه الفصول البعدين: التاريخي والعقدي، وأفكارًا حول مستقبل العلاقة والتعايش بين الشيعة الإمامية وأهل السنة، وعلى ما بذل المؤلف من جهد في تلك المباحث، فقد بقي يعوم في السطح ولم ينزل إلى الأعماق، وبالتالي لم تقدم تلك المباحث رؤية عميقة للحالة الشيعية، وتلك نقطة ضعف لا تختص بها المدرسة الأشعرية التي ينتمي إليها المؤلف ويصدر عنها، ولكنها قاسم مشترك بين أهل السنة بمختلف مدارسهم؛ والسبب في ذلك يرجع إلى عدم الإلمام بالجذور الغنوصية للعقائد الشيعية، ولذلك صار كثير من أهل السنة يناقشون أعراض المرض ويغيب عنهم منبت الداء وأصل العلة، وقد يحصل من كثيرين من أهل السنة إحالة منشأ الخلاف وأساسه إلى الخلاف السياسي حول من هو الأحق بالخلافة بعد النبي عليه الصلاة والسلام! كما وقع من مؤلف الكتاب، وذلك تصوير انخدع به كثير من أهل السنة، وأثمر غفلة وسطحية عجيبة، وتساهلاً وتفريطًا أعجب! 

إيجابيات الكتاب:

وحتى لا نبخس المؤلف حقه، يجب أن نقول إن الكتاب على ما فيه من ثغرات ونقاط ضعف قد حوى عددًا من الإيجابيات وأهمها:

أولاً: تحذير المؤلف من اتخاذ الدعوة إلى التقريب بين جمهور المسلمين  (أهل السنة والجماعة) والشيعة الإمامية ستارًا للتعمية على  حقيقة العقائد الشيعية.

ثانيًا: رجع المؤلف إلى مصادر الشيعة الإمامية، ووثق النقولات من مصادرها، وكان حريصًا أن لا يجزم بنسبة معتقدٍ إلى عموم الشيعة الإمامية إلا بعد التحري والاستيثاق.

ثالثًا: في بحثه حول صفات الإمام عند الشيعة الإمامية، وصل المؤلف إلى أنه  لا فرق حقيقي عندهم بين (النبي) و(الإمام)، وأما قول الشيعة الإمامية أن الإمام له كل صفات النبي عدا النبوة، فقال عنه المؤلف: ((والحقيقة أن هذا الفرق بين النبي والإمام  – على مذهبهم –  مجرد فرق لفظي)) (ص: ٥٥). وهذا صحيح، فقول الشيعة: إن الإمام له كل صفات النبي عدا النبوة، هو كلام لا معنى له ولا طائل تحته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله: ((ودعوى العصمة تضاهي المشاركة في النبوة، فإن المعصوم يجب اتباعه في كل ما يقول، لا يجوز أن يخالف في شيء وهذه خاصة الأنبياء… فمن جعل بعد الرسول معصومًا يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها))[1].

وبناء على ذلك المزج بين الإمامة والنبوة، قرر الشيعة الإمامية قاعدة تقول: منكر الإمامة كمنكر النبوة، وبالتالي كفروا كل المسلمين الذين لا يوافقونهم على معتقدهم في الإمامة.

ومن ومضات الوعي الجيدة التي سطرها المؤلف قوله بعد بحثه في مفهوم الإمامة لدى الشيعة الإثني عشرية: ((وبذلك يتبين لنا مدى أهمية الإمامة، ومدى أثر عقيدتهم فيها تجاه المخالفين لهم، بحيث أن هؤلاء المخالفين يعتبرون عندهم كفارًا في حقيقة الأمر؛ أي خالدين في النار لا يخرجون منها، وإن كانوا – أي الشيعة – يسمونهم مسلمين، وينفون في الوقت نفسه الإيمان عنهم، وبعض أهل السنة يغفلون عن هذه الإشكالية، فيظنون أن إطلاق اسم المسلم عليهم من قبل الشيعة، يعني بالضرورة الحكم عليهم بالإيمان، ولكن غفلوا عن تفريق الشيعة بين الإيمان والإسلام، فقد يكون الواحد مسلمًا غير مؤمن، فيكون مصيره إلى النار والخلود فيها، كما في حالة من أنكر الإمامة، ولا ريب أن عدّهم منكري كون الإمامة من الأصول – كما يقول الشيعة – غير مؤمن ولا ناجيًا من الخلود في النار، يترتب عليه في الدنيا تصحيح أحكام عملية معينة، ولو في بعض الظروف، كما حصل في تعاونهم مع التتار في تدمير بغداد قديمًا وحديثًا)) (ص٦٦- 67).

رابعًا: كشف المؤلف عن الحقد الرافضي على المسلمين، وضرب أمثلة قديمة ومعاصرة على التنفيس عن ذلك الحقد المكتوم، والغيظ المشحونة به نفوس القوم على أهل الإسلام.

خامسًا: أماط المؤلف النقاب عن عقيدة راسخة لدى أكابر الشيعة الإمامية، وهي التقرب إلى الله بالنكاية في المسلمين وتدمير بلادهم، وتجويز الاستعانة بالكفار والملحدين في سبيل تحقيق تلك الغاية.

لماذا يزيف بعض مشايخ أهل السنة وعي الأمة نحو الرافضة؟ جذور الوعي المنقوص لدى الأشاعرة المعاصرين تُجاه الشيعة الإمامية..

 الوعي المنقوص:

ومع الإيجابيات سالفة الذكر، والتي تنم عن وعي نقدره للمؤلف، فقد جاء الكتاب ليعبر عن الوعي المنقوص تجاه المسألة الشيعية في عدد من القضايا  الكلية الكبرى، وهذا مع قول المؤلف ((ولن نخوض في ذكر هذه المسائل [يعني الفقهية] لأننا نهتم هنا بذكر الأصول الكلية التي يترتب عليها الخلاف)) (ص:٤٦).

 والأمر هنا لا يتعلق بشخص المؤلف، فهو أفضل حالاً من غيره في هذا الباب كما أسلفت، وإنما أساس وجذر المشكلة يكمن في المنهج الذي تُستقى منه المفاهيم والتصورات، أعني منهج المدرسة الأشعرية؛ ولأن هذا المنهج تعتنقه شريحة واسعة من المشايخ والفقهاء، وتقوم عليه وترعاه مؤسسات إسلامية عريقة كالأزهر  الشريف، فإن   الواجب يحتم علينا لفت الأنظار إلى مواطن الخلل المنهجية، نصحًا وإشفاقًا، لا رغبة في  التشهير أو الانتقاص من المنهج الأشعري؛ ذلك أنّا نراه كغيره من المناهج يحوي نقاط قوة وضعف، وأيضًا نقدر دور أعلام الأشاعرة وعطاءاتهم التي رفدت العلوم الإسلامية والفكر الإسلامي في مجالات كثيرة، ولكن ذلك التقدير لا يحول بيننا وبين واجب النصيحة والكشف عن مواطن الخلل المنهجية التي أثمرت وعيًا منقوصًا، ورؤية ضبابية تجاه الشيعة الإمامية لدى طائفة واسعة من المشايخ والفقهاء والمفكرين المعاصرين المعتنقين للفكر الأشعري والمتأثرين بمقولاته وتقعيداته.

وما نتغياهُ من الكشف عن مواطن الخلل الكامنة  في المنهج الأشعري ذات الصلة بالموقف من الشيعة الإمامية هو الوصول إلى تفسير  موضوعي لمواقف كثير من مشايخ الأشعرية المتراخية حد التفريط مع الشيعة الإمامية، والمنطوية – مع الأسف – على مقادير كبيرة من الغفلة والمجافاة للحقائق الواقعية والشرعية، وبالتالي الخروج من ضيق الشخصنة في تفسير تلك المواقف إلى رحابة المنهج؛ إذ الأمر أعمق من أن يختزل في شخص فلان أو علان من الناس؛ ولكنه يتعلق بقضايا وقواعد المنهج الذي يسيرون عليه.

حديثنا في الحلقة القادمة – بمشيئة الله –  عن مكامن الخلل الفكري في المنهج الأشعري ذات العلاقة بالرؤية الضبابية والوعي المنقوص تجاه الشيعة الإمامية، وكيف انعكست على كتاب (مستقبل العلاقة مع الشيعة) لمؤلفه المتكلم الأشعري فضيلة الشيخ الدكتور سعيد فودة.


[1] شيح الإسلام ابن تيمية: منهاج السنة النبوية (6/114 – 115).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى