
كانت الجوامعُ ودواوينُ الشيوخ هي المدارسَ التي تخرّج أنجبَ التلاميذ؛ ليصبحوا شيوخًا. وكلما تطوّرت العلومُ واستُجدّت كتبٌ، أُضيفت إلى المقروءات المقرَّرة في الجوامع والدواوين، وذلك بعد أن كانت المساجدُ، من منتصف السنة الأولى للهجرة، أمكنةَ عبادةٍ ومنايرَ وعظٍ وحلقاتِ تعليمٍ دينيٍّ خالص. وكانت حلقاتُ التعليم تُعنى بالقصص التاريخي عن مصارع الملوك وتداول الدول.
وكان هذا الضربُ من القصص التاريخي يتغيا التذكيرَ بالموت ومصائرِ الأوّلين التي ستؤول إلى مصائر الآخرين، حتى تفنّن الكثيرُ في هذا الفن القصصي، فطرأت عليه لمحاتٌ من التخييل، والمزيدُ من الترغيب في الثواب والترهيب من العقاب. وكان يهتدي هذا القصصُ بالقصص القرآني؛ كإغراق قوم نوح، وإهلاك قوم عاد، والخسف بقوم فرعون. فكان القصصُ القرآني قدوةَ قصّاصي المساجد؛ كقصة العبد الصالح في سورة الكهف، ورواية يوسف وامرأة العزيز في سورة يوسف، وولادة مريم تحت جذع النخلة صبيًّا تكلّم في المهد، وجاء بدون زواجٍ ولا بغاء، كما قصّت سورة مريم.
وكانت آياتُ القرآن تعبّر عن القصة بحرفها الدالّ على اسمها وغاياتها: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾، و﴿إن هذا لهو القصص الحق المبين﴾.
وعبارةُ «أحسن القصص» تنطوي على إشارةٍ إلى أسوأ القصص، و«القصص الحق المبين» تستثني القصصَ الباطل وغير المبين؛ لأن قاعدة الفقه الإسلامي أن الثناء على أمرٍ قدحٌ لضدّه. فإذا ذُكر الحقُّ بالدعوة إليه، فإن الدعوةَ إليه تتضمّن الدعوةَ إلى اجتناب عكسه، وهو الباطل.
فالقصصُ القرآني يؤكّد أنه الحقُّ والاعتبار، وعلى أن سواه هو الباطلُ والضلال. وهذا يبرهن على فنونٍ قصصيةٍ كانت تستهدف الإغواء أو مجانبةَ الرشاد؛ كأسمار ملوك الروم، وكمجلة لقمان، التي نهى النبيُّ ثم الخليفةُ عمرُ عن التجمع حول قرّائها، كما في قول الرسول ﷺ: «لقد أبدلكم الله خيرًا منها، وهو القرآن».
إذن فقد كان أوّلُ تعليمٍ في المساجد هو هذا القصصُ المهتدي بالقصص القرآني، وإخبارُ الآيات عن القرون الأولى؛ لقصد اعتبار الأحياء بمصارع القرون الأولى.
وكان أشهرُ رجال هذا الفن: سعيد بن جبير، ومالك بن أنس، والحسن البصري، ووهب بن منبّه، والثعالبي. ثم اتّسع تعليمُ المساجد، فاستزاد تفسيرَ الآيات، وسيرةَ النبي وصحابته، ثم قواعدَ اللغة. وتطوّر هذا التعليم حتى شمل روايةَ الأشعار؛ لتأكيد صحة اللغة، ومعرفة اختلاف سَنَنِ القبائل. ولمّا اتّسعت الفتوح واختلط العرب بسائر الأمم، اهتمّ اللغويون ورواةُ الشعر بما عند الأعراب من شوارد الشعر وقواعد الفصاحة، فأصبحت الكتابةُ عن البداوة ومضارب البدو مرتادَ اللغويين وأساتذة مدوّني الشعر ومقعّدي اللغة.
فكان التعليمُ الشفوي، والكتابةُ عن البداوة، أهمَّ روافد شيوخ الحلقات في المساجد، وفي دواوين الشيوخ، إلى جانب القصص الذي تفردت به حلقات، حتى طوّرته إلى فنٍّ تخييلي وسيرٍ شعبية، واكبت التدوينَ والمدارسَ المساجدية والنظامية. حتى أصبحت الكوفةُ والبصرةُ مدارسَ لغويةً ودينيةً متعدّدةَ المذاهب، متشعّبةَ فنّ القصص، برغم اتهام القصّاصين بإشاعة الإسرائيليات والفلسفات الشعوبية.
ومن القرن التاسع الميلادي تراءت مدينةُ صعدةَ اليمنيةُ رابعةَ الكوفة والبصرة وبغداد، في قراءة التاريخ والدين، وعلم الكلام، وسائر مذاهب الجدل، والقصص الذي تمحور مصارعَ أهل البيت، وبالأخص استشهادَ الحسين. فأصبح الجامعُ الهادي هناك عامرًا بحلقات الشيوخ، وبالتلاميذ من المدينة ومن قاصديها من سائر المدن والقرى.
وتسبّب هذا الجامع، وما أخرج من التلاميذ، في تعدّد الجوامع. ولمّا ظهرت فائدةُ هذه الجوامع، وتكاثر عددُ شيوخها وتلاميذها، تكاثرت الأوقافُ عليها؛ فكان يوقف الرجلُ الغني بعضَ مزارعه للجامع الفلاني أو الجامع الفلاني لتأثيثه وإنارته. ثم نشأت فكرةُ بناء المنازل حول كل جامع تُقام فيه حلقات، وكانت تلك المنازل عبارةً عن غرفٍ صغيرة تُؤوي الذين وفدوا من المناطق النائية للدراسة في جوامع: «صعدة»، و«شهارة»، و«حوث»، و«صنعاء».
وأصبحت الآيةُ الباهرةُ لكل إمامٍ وملكٍ هي: زيادةُ انتشارِ الجوامع، وكثرةُ شيوخها وتلاميذها، ووفرةُ السكنِ للوافدين من طلابها. وكان يُسمَّى هؤلاء الوافدون بالمهاجرين، تشبيهًا لهم بالصحابة الذين هاجروا مع النبي ﷺ وعلى إثره من مكة إلى المدينة. وكانت الكتبُ قد توفَّرت، فحلَّت محلَّ القصص الوعظي والإملاء الشفوي القواعدُ اللغوية، وذلك بفضل تتابع التدوين وتزايد المؤلفين في كل فرعٍ من فروع المعرفة، مثل: كتب النحو، ومؤلفات البلاغة، وعلم الحديث، والمجموعات الشعرية، وأصول الدين، وأسفار الفلسفة والطب والفلك.
وكان بعضُ الشيوخ موسوعيين يدرسون مختلف الفنون، وكان بعضهم يُحقِّق بعضَ الفروع ويُلمُّ بغيرها، إلى أن تبدَّى شبهُ تخصُّصٍ لكلٍّ منهم؛ فهذا أقدرُ على تدريس اللغة، وهذا مُحقِّقٌ في الفقه، وهذا أميلُ إلى تعلُّم المنطق وتعليمه.
إلّا أن تعليمَ الجوامع كان خاضعًا لما تتعرّض له السياساتُ من استقرارٍ وقلاقل؛ فكانت تنجم فتراتُ خوفٍ تقطع السُّبُل بين الطلاب ومواضع العلم، بل كانت تتعرّض مدائنُ التعليم للاجتياح القبلي أحيانًا، وبالأخص [صنعاء]، فيضطرب التعليم ويتراوح بين الاتصال والانقطاع؛ سواءٌ جوامعُ الشمال في صعدة و«شهارة» و«حوث» و«كوكبان»، أو جوامعُ تهامة، أو جامعُ جبلة وإب. وفي ظلّ الحملتين التركيتين كانت هذه الجوامع — بانقطاع التعليم واتصاله — أحصنَ الملاجئ لتعليم العلوم العربية عامة، والمؤلفات اليمنية خاصة؛ فتعدَّدت عواصمُ التعليم في شمال الشمال لبعدها عن القبضة التركية.
ولمّا وجد الأتراكُ هذا التعليمَ اليمني يعزِّز الوطنية، أراد ولاةُ الحملة الثانية بناءَ مدارسَ بصنعاء يغلب عليها النظام التركي؛ فافتتح حسنُ تحسين حلمي بصنعاء المدرسةَ الرشدية لتخريج الموظفين، ولإعداد الراغبين في الترقي إلى دار المعلمين. وكانت تقع المدرسةُ الرشدية في حارة خُضير، كما كانت دارُ المعلمين قائمةً في شمال البكيلية، وكانت المدرسةُ الرشدية مُخصَّصةً لأبناء الذوات من الأتراك واليمنيين. أمّا «دارُ المعلمين» فقد أراد الوالي أن يتخذها بديلًا عن حلقات الجوامع؛ فكانت تُدرَّس فيها مقاديرُ من الفقه السني إلى جانب النظام التركي. وقد خرَّجت المدرسةُ الرشدية عددًا من الكتبة والمحاسبين، كما خرَّجت دارُ المعلمين عددًا من أساتذة الابتدائية ومن الشيوخ، واتّصف بعضُهم بحسن التعليم الابتدائي، مثل: (سيدنا) محمد زيدان، و(سيدنا) محمد دلال، و(سيدنا) محمد تقي. كما أخرجت من الشيوخ المؤرّخَ عبدَ الواسع، الذي كان من أوائل شيوخ دار العلوم، المدرسةِ العلمية، بعد جلاء الاحتلال التركي.

دارُ العلوم
عندما دخل الإمامُ يحيى صنعاء من مدينة شهارة عام 1919م، متوَّجًا بالظفر على الأتراك وبالإمامة على شمال اليمن، كان من أوّل أعماله هدمُ دار المعلمين التركية؛ إيذانًا بمحو ذلك العهد وتشييد عهد الاستقلال. وفي جملة الحملة على دور الأتراك ومراكزهم، وتحويلها إلى أملاك يمنية ودور حكومية، حوَّل الإمامُ دارَ استراحة الوالي بميدان شرارة إلى المدرسة العلمية، وافتتحها في حفلٍ حافل سنة 1344 هجرية. فأصبحت المدرسةُ العلمية أولَ دارِ علومٍ تنفق عليها الدولة وتُمنهج دراستها، فتبدَّت أولَ معلمٍ في مرحلة الاستقلال. وتحمَّس أغنى المزارعين لها، فوقفوا عليها أعدادًا من المزارع في كل منطقة.
وتشكَّلت لهذه الأوقاف إدارةٌ تسمَّت بنظارة [التُّرَب والخوالي]، وأُضيفت إلى هذه الوقفيات مواريثُ الذين يموتون ولا وارثَ لهم[1].
بهذا تكوَّنت لدار العلوم مواردُ مالية تساعد على استتباب التعليم وتطويره.
فهل كانت دارُ العلوم شبيهةً لمثيلاتها في القاهرة أو سوريا أو تونس؟
لقد كانت دورُ العلوم نقطةَ وسطٍ بين الجوامع والجامعات، ولكن مع الاختلاف بين كل شعبٍ وآخر في التطور الاجتماعي والثقافي. فدارُ العلوم بمصر مثلًا كانت بين الأزهر وجامعة فؤاد يومذاك، كذلك دارُ العلوم بصنعاء كانت نقطةَ وسطٍ بين الجامع الكبير بصنعاء وجامعة صنعاء اليوم، رغم المسافة الزمنية بين دار العلوم في الأربعينيات وبين جامعة صنعاء التي فُتحت في مطلع السبعينيات. ويمكن للمسافة الزمنية أن تصنع فروقًا بطبيعتها، ولكن في شكل المناهج لا في نفسية التلاميذ؛ فقد يكون منهاجُ جامعة صنعاء أحسنَ تقسيمًا، لكن منهاجَ دار العلوم كان أجدى حصيلةً؛ لأن الرغبةَ في التحصيل كانت أقوى من الطموح إلى الشهادة الجامعية.
منهج [دار العلوم]
تشكَّلت دارُ العلوم من ثلاثة صفوف، كلُّ صفٍّ أربعُ شُعَب، إلى جانب شعبةٍ سُمّيت بـ«الشعبة التحضيرية»، أي: التي تُعدّ الطلاب لدخول الشعبة الأولى. وكان طلابُ التحضيرية من خريجي ابتدائيات المدائن أو كتاتيب الأرياف، فكانت التحضيريةُ بمثابة المتوسطة. أمّا الذين يتخرّجون من المتوسطة أو الثانوية فيلتحقون بإحدى الشُّعب على حسب تقدير هيئة الامتحان، التي تُحدِّد الشعبةَ والصفَّ الذي يلتحق به الطالب. وكان الترقي على حسب امتحانٍ سنويٍّ شفويٍّ، تحضره مجموعةٌ من العلماء المحقِّقين في الفقه واللغة وأصول الدين وعلم البلاغة، إلى جانب أساتذة الدار.
وقد كانت دارُ العلوم تتكوَّن من ثلاثة طوابق تضم اثنتي عشرة شعبة، تُسمّى الشعبةُ الأخيرة [الغاية]. وكان أغلبُ الخريجين يُعيَّنون قضاةً شرعيين أو مدراءَ مناطق أو كُتّابَ محاكم، وقلَّ منهم من يتقلَّد وظيفةً حسابيةً أو جمركية. وكان البعض يعود مدرّسًا في نفس الدار إذا سبقت له ممارسة الإعادة بعد الشيوخ، أو التدريس في الشُّعب الأولى أيّام طلبه. وكان التخرّج من هذه الدار مضمونَ الوظيفة غالبًا؛ لأن الدولة هي التي أنفقت على الطلاب، وضمنت لهم الكسوةَ والسكنَ إلى جانب الطعام مدةَ اثني عشر عامًا هي مدة الدراسة.
أمّا الوافدون من الجوامع؛ كجامع صعدة، وحوث، وثَلا، والمدرسة الشمسية بلمار، فكانوا يلتحقون بالصف الثاني أو الأول على مقدار تحصيلهم في تلك الجوامع، التي كانت تشبه منهج دار العلوم، وبالأخص الفقه واللغة والبيان. وهذا يقودنا إلى تفصيل المنهج الدراسي.
في دار العلوم كان ترتيبُ دراسة النحو على الوجه التالي:
السنة الأولى: الأجرومية دحلان، وهي موجزُ القواعد النحوية.
السنة الثانية: نصف «قطر الندى وبلّ الصدى».
السنة الثالثة: إتمام «القطر»، مصحوبًا بكتاب «قواعد الإعراب»، وهو أكثر تركيزًا على إعراب الجمل، وتبيين اسميتها وفعليتها، ومعربها ومبنيها، ومحليتها من الإعراب أو عدم محليتها. وهي أربع عشرة جملة: سبعٌ لها محلٌّ من الإعراب، وسبعٌ لا محلَّ لها، وذلك بعد أن فصَّلت الأجرومية والقطر إعرابَ الأسماء المفردات، وبيَّنت مبنيَّها والمعربَ بالحركة، والمعربَ بالحركات المقدَّرة؛ كالأسماء والأفعال المقصورة والمنقوصة، ثم الإعراب بالحروف لبعض الجموع وبالحركة لبعضها الآخر.
يلي «قطر ابن هشام» و«قواعد الإعراب» شرحُ ابن عقيل على ألفية ابن مالك، وتستغرق دراستُه أربعَ سنوات، وهو توسيعٌ لقواعد النحو ومذاهب النحاة وبداية الصرف. يليه كتاب «المناهل» في الصرف الخالص، ويلي كتاب «المناهل» كتابُ «مغني اللبيب»، وهو توسُّعٌ في إعراب الجمل وتخصيص الحروف أو تناوبها، وصحة التناوب أو عدمه. وكان كتاب «المغني» مسبوقًا بشرح الأشموني، ثم استُغني عنه تخفيفًا للمنهج النحوي. هذه درجاتُ كتب النحو على الترتيب.
ومثلها الفقه:
في الشعبة الأولى يُدرَس «الأزهار» متنًا بلا شرح، وإنّما يشرحه المدرس من فحوى نصّ كل مسألة، ويُسمّى هذا الدرس: «مفهوم منطوق». وتستغرق دراسته عامين: العام الأول من كتاب الطهارة إلى كتاب الحج، والعام الثاني من كتاب النكاح إلى سيرة الإمام.
من الشعبة الثالثة يبدأ شرح هذا الكتاب، المسمّى «شرح الأزهار»، وتمتد دراسته أربعَ سنوات. يليه أصولُ الفقه، ويواكبه من قبلُ سنةُ «كافل لقمان»، ثم «كافل الطبري» في أصول الفقه؛ لأن هذين الكتابين علمُ استنباط الأحكام الشرعية والمنطق الصوري للفقه. ويُختتم أصولُ الفقه بكتاب «الغاية»، ومدته ثلاثُ سنوات من الشعبة العاشرة إلى الثانية عشرة.
وكان كتاب «المنهاج» يسبق دراسة «الغاية»، بل كان مقرّرًا قبل «الغاية» بعد افتتاح الدار، ثم حلّت «الغاية» محلَّ «المنهاج». وهمس في هذا التغيير بعضُ الشيوخ، وردّوه إلى سببٍ سياسي؛ لأن «الغاية» من تأليف الحسين بن القاسم، ولم يروها في مستوى [المنهاج] أو [العضد]، وإنّما قرّروا كتاب «الغاية» تعصّبًا عائليًّا.
ومثل ترتيب كتب النحو والفقه وأصوله كان ترتيبُ كتب أصول الدين.
أو علم الكلام، إذ كان الترتيب كما يلي:
أولًا: العقد الثمين في معرفة ربّ العالمين، تليه الثلاثون مسألة، يتبعها الينابيع، وأخيرًا الأساس.
أمّا في المنطق، فكان الكتاب الوحيد الذي يُدرَّس هو كتاب [الإيساغوجي]، ولمّا أُلغي من المنهج كان يدرّسه يحيى العنسي في مسجد الرحمة. أمّا دراسة كتب أصول الدين (علم الكلام) فكانت تبدأ بباب معرفة الله، ثم النظرات الكونية، وما هو فيها إلهي وما هو كوني. وكانت تتكوّن من عشر مسائل:
أولها: معرفة الله، وآخرها: مسألة الإمامة (وهي المسألة العاشرة في كل كتاب من كتب أصول الدين المقرّرة في دار العلوم).
أمّا ترتيب كتب البلاغة فكما يلي:
أولًا: الجوهر المكنون، ثم الشرح الصغير، ثم المطوّل. يتخلّل هذه الكتب كتابُ الفرائض من الشعبة الرابعة إلى السادسة، ولم يتبعه كتابٌ أكثر تفصيلًا في علم القسمة.
أمّا الأحاديث، فتبنّى المنهاج ثلاثةَ كتبٍ مرتّبة على النحو التالي: الشفاء للأمير الحسين، وأمالي أبي طالب، وشرح مجموع زيد بن علي الموسوم بـالروض النضير، وكان يواكب دراسةَ الغاية في الثلاث السنوات الأخيرة.
وكانت دراسة البلاغة في مراحلها الثلاث تترتّب على النحو التالي:
أولًا: علم المعاني — لصلته بالنحو (كالمسند والمسند إليه)، وهو يهتم بالفصاحة في المفردات وفي التركيب.
ثانيًا: علم البيان — مبتدئًا بالتشبيهات ومنتهيًا بالمجازات الثلاثة، وهو يهتم ببلاغة المعاني.
ثالثًا: علم البديع، الذي يعتبره البيانيون أعلى جماليات الأدب؛ لأنه، في رأيهم، زينةٌ لتركيبه المتجانس، ولاستخدام التورية والكناية بدلًا من المباشرة.
رابعًا: كتاب آيات الأحكام، وهي [500] آية، والكشّاف للزمخشري. وكان هذا التدرّج يراعي ترقّي ذهن الطالب على مقتضى زيادة محصوله؛ إذ كان كل كتاب يمهّد لخلفه، كما كانت تُرشَّح كل شعبة للتي تليها. أمّا تجويد القرآن فكان يمتد ثلاثَ سنوات: التحضيري، الشعبة الأولى، الثانية.

مكتبة دار العلوم
كانت الدولةُ ملتزمةً بتوفير كل كتب المنهج، الذي كان يحتوي على ستّ دروسٍ في اليوم. وكانت هذه الكتب كلّها من مقتنيات مكتبة دار العلوم، تُوزَّع في أوّل العام الدراسي شهر شوال، وتُعاد في آخر العام شهر رجب.
وإلى جانب الكتب الدراسية، كانت تضمّ المكتبة مقاديرَ قليلةً من الكتب الثقافية، أغلبها تراثية، من أمثال: نهج البلاغة، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، وتاريخ الطبري، ومروج الذهب للمسعودي، والأغاني للأصفهاني، وديوان الحماسة لأبي تمام، والاتفاقيات التي عقدها الإمام يحيى مع الدول. ومن مطلع الخمسينات إلى ثورة سبتمبر 62 تكاثرت كتب المكتبة؛ إذ أمر الإمام أحمد بمصادرة ما كانت تضمّه مكتبات الدستوريين وضمّها إلى مكتبة دار العلوم، فأُضيف إلى المكتبة: ديوان شوقي، وديوان البحتري، ونظرات للمنفلوطي، وحاضر العالم الإسلامي، وحياة محمد، وسيرة ابن هشام، وأمثال هذه الكتب.
موقع دار العلوم
تقع دارُ العلوم في قلب ميدان التحرير، الذي كان يُسمّى «شرارة»، وكانت في ضاحية صنعاء قبل عمارة بئر العزب، ثم أصبحت تتوسّط صنعاء.
بعد افتتاح دار العلوم بستّ عشرة سنة، دخلت عليها تحسيناتٌ وإضافات؛ إذ بُنيت رِدْهَتُها ومدخلُها الواسع عام 1360هـ، في أيّام وزارة سيف الإسلام عبد الله علي للمعارف. وقد أرّخ سيفُ الإسلام علي بناءَ هذا المدخل الجديد بالطريقة الأبجدية، وهذا نصّ الأبيات التي ما نزال نراها مكتوبةً على المدخل:
إنَّ هذا محلَّ دارِ العلوم
ورياضَ المنطوقِ
والمفهوم
المفاخر
حوى عبدُ اللهِ سيفُ الإسلامِ زاكي الخيم
شادَه من
تمَّ تنفيذُه فأرِّخْ لمن يسأل
مجاز
هذا
دارُ العلوم 1360هـ
شيوخ دار العلوم
كان شيوخُ دار العلوم صنفين: أحدهما موظّفٌ يتقاضى مرتبًا، وثانيهما كان مكلّفًا بالتدريس إلى جانب عمله الوظيفي. وهذا التطوّع أو التكليف برهانٌ على قلّة الشيوخ في أيّام افتتاح الدار، وعلى تحمّس القادرين على التدريس.
فمن الذين درّسوا تطوّعًا: زيد بن علي الديلمي، يحيى بن محمد الإرياني، قاسم بن إبراهيم، عبد الله السرحي، حسين أبو طالب.
أمّا المنقطعون للتدريس فهم: أحمد الكحلاتي، علي فضّة، عبد الواسع الواسعي، عبد الوهاب الشياحي، لطف الفسيل، محمد علي الشرفي، علي الدبب، عبد الله الرضي، حسين الكبسي، عبد العزيز إبراهيم، أحمد عبد الله الكبسي.
ومن فترةٍ إلى فترة تزايد الشيوخ، وكان أغلبهم من خريجي الدار؛ كمحمد العمراني، غالب الدرّة، محمد فضّة، محمد البهلولي، حسين الظفري، أحمد البهلولي، ثابت بهران، حسين القرماني، إسماعيل الزبيدي.

مديرو دار العلوم
من افتتاحها إلى عام 1962م تعاقب عليها المديرون، وهذه أسماؤهم بالترتيب: عبد الواسع الواسعي، لطف العمري، عبد الخالق الأمير، محبّ العمري، عبد الرحمن السياغي، محمد الزهيري، عبد الله العمري، حسين فايع، أحمد الواسعي، يحيى النهاري، محسن الأمير.
وكان بعضُ المديرين يجمع بين التدريس والإدارة، وكان بعضهم يعاني من شغب الطلاب وينتهي بالطرد من قبل الطلاب، حتى تضطرّ السلطة إلى إبداله.
وبعد ثورة 1962م تحوّلت دارُ العلوم إلى مدرسة الوحدة، ثم حملت المدرسة المجاورة لها هذا الاسم، فأصبحت دارُ العلوم الآن سكنًا للطلاب الذين لا سكن لهم في المدينة، وما تزال.
مرتّبات المسؤولين والشيوخ
كانت تتراوح مرتّبات الشيوخ من 16 ريالًا إلى 30 ريالًا، كما كان يتراوح نصيبهم من الحبوب من قدحين إلى أربعة أقداح. أمّا مرتب الطلاب فكان أسبوعيًّا، يبدأ من خمس بقش وينتهي إلى ريالٍ إلّا ربعًا، حتى يتوظّف الخريج أو يُقرَّر له مرتبٌ ريثما يجد له عملًا. ويتراوح هذا المرتب من عشرة ريالات إلى خمسة عشر ريالًا، إلى جانب الصرف اليومي من المدرسة والسكن فيها.
وكان مرتبُ المدير كاملَ مرتب الشيوخ. أمّا المراقبون فكانوا يتقاضون من 8 إلى 10 ريالات، إلى جانب الخبز كالطلاب وقدحين من الحبوب. أمّا الفراشون فكانوا كالجنود في المرتب: 6 ريالات، إلى جانب الخبز المخصّص للجنود إلى عام 1948م، ثم 10 ريالات من 1948م إلى 1962م.
هذه هي دارُ العلوم، كما يسميها البعض، أو المدرسةُ العلمية، كما يسميها البعض الآخر. وقد كانت البؤرةَ الضوئية في الثلاثينيات والأربعينيات؛ إذ أنجبت علماءَ وأدباءَ مرموقين، من أمثال: حسين الكبسي، عبد الله العزب، عبد الكريم الأمير، زيد الموشكي، محمد حسن اليريمي، أحمد المضواحي، أحمد الخزّان، عبد الرحمن عبد الصمد، حسن بن إبراهيم، عبد الله الشياحي، علي الشياحي، عبد الله المداني، محمد حمود الصرحي، علي الخربي، عبد الله الحربي.
هذه لمحةٌ سريعة بتاريخ دار العلوم ومكانتها في العهد النهضوي الاستقلالي، وأهميتها في مدّ عهد الثقافة اليمنية، ووصلها بثقافة عصر الثورات.
مقابسة من مجلة الإكليل:
رقم العدد: 2-3
تاريخ الإصدار:01 أبريل 1983
