أشتات

ضحايا الصورة

يَقولونَ: إنَّ الصورة لا تكذِبُ أبدًا، ويزعمونَ أنَّ توثيقَ الخبرِ بالصُّورةِ مِنْ أقوى الأدلَّةِ على صدقِهِ، وأعظمِ البراهينِ على صِحَّتِه، فَمَنِ استدلَّ بها في دَعواهُ فقد أوى إلى ركنٍ شديدٍ، ومَنِ استشهَدَ بها في قَضِيَّتِهِ فقدْ استندَ إلى دليلٍ سديدٍ، فمنذُ اختراعِ آلاتِ التَّصويرِ الفوتوغرافيِّ، ثمَّ آلاتِ تسجيلِ الفيديو، حتَّى الوصولِ إلى تقنيَّات البثِّ الحيِّ، تحوَّلَ الإعلامُ إلى إمبراطوريَّةٍ جبَّارةٍ مُسَيْطِرةٍ، تُهَيْمِنُ على صناعةِ الرأيِ، وتتحكَّمُ في السِّياساتِ، بل تَخترقُ العقولَ، وتُعيدُ تشكيلَ المجتمعِ في سياقِ ما باتَ يُعرَفُ بِالهندسَةِ الاجتماعيَّةِ، ولا غَرْوَ، فقدِ اقتحمتْ وسائلُ الإعلامِ جميعَ البيوتَ تقريبًا، وباتتِ الهواتفُ ألزمَ جليسٍ حتَّى في المساجدِ والمضاجعِ، وألصقَ مُرافقٍ حتَّى في المَسرَّاتِ والمواجعِ، فَلَوْ عاشَ أبو الطِّيِّبِ (ت354هـ) إلى زَمانِنا ما قالَ:

‌أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجُ سَابِحٍ

وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي ‌الزَّمَانِ ‌كِتَابُ

وَلَقَالَ:

أَمَضُّ الوُجُوهِ وَجْهُ شَاشَةِ حَاسِبٍ

وَشَرُّ جَلِيسٍ فِي البَرِيَّةِ مَحْمُولُ

لكنَّ دَعْوَى صِدْقِ الصُّورةِ قد سقطتْ هذه الأيامَ من حالقٍ، واسْتُنْزِلَتْ من شَامخٍ؛ إذْ باتتِ الصُّورةُ اليومَ من أعظمِ أدواتِ الخِداعِ والتَّدْلِيسِ، وأخطرِ شُرُكِ الغِشِّ والتَّزييفِ، ليس بسببِ ما باتَ مُتاحًا في يدِ الصَّغيرِ والكبيرِ من إمكاناتِ التَّلاعُبِ بها، أو على الأقلِّ الاستعانةِ بالفلاترِ لِتحسينِها، وإنَّما لأنَّ هناكَ قُوًى جبَّارَةً تُوظِّفها مُستعينةً بتقنيَّاتٍ هائلةٍ في سبيلِ خداعِ العُقولِ، وتَزْييفِ الوَعْيِ، وتَضليلِ المُتلقِّي، أو بِلُغَةِ أبي مَنصورٍ الثَّعالبيِّ (ت429هـ) قديمًا: تَحسينُ القبيحِ وتقبيحُ الحَسَنِ.

وممَّا زادَ الطِّينَ بِلَّةً، والمريضَ عِلَّةً، أنَّ كثيرًا من المواقعِ اتَّخَذَتْ مِنَ المُحْتوى المرئيِّ تجارةً يَخْشَوْنَ كَسَادَها، مثلَ “يوتيوب” وغيرِه، وباتتْ تُقدِّمُ مُكافآتٍ سَخِيَّةً لِمُقَدِّمِي ذلك المحتوَى، حتَّى باتتْ مِهْنَةً لِقطاعٍ عريضٍ من الشَّبابِ، وصارَ الواحِدُ منهم يُعَرِّفُ نفسَهُ بأنَّهُ “يوتيوبر” (Youtuber)، أو “بلوجر” (Blogger) ونحوهما، وهو ما سبَّبَ سُعَارًا مَرَضِيًّا للشبابِ، وتنافُسًا مَحْمومًا في تقديمِ ذلك المُحتوى أيًّا كان، فَقلَّ فيما نرى الرَّصينُ النافعُ، وكَثُرَ فيهِ التَّافِهُ الخادعُ، والنتيجةُ اتساعُ دائرةِ اجتذابِ المزيدِ من الشَّبابِ، الذين كانُوا يَقفونَ على الأعرافِ، فَتركُوها إلى الأنفالِ، وغَضُّوا النَّظَرَ عنِ التَّوبَةِ؛ طَمَعًا في مَغانِمَ كثيرةٍ يأخذونَها! وهو ما أفسدَ على النَّاسِ كثيرًا من جوانبِ مَعاشِهم في شتَّى المَجالاتِ:

= ففي مجال السِّياسَةِ؛ وُظِّفَتِ الصُّورةُ أسوأَ توظيفٍ في تهييجِ الرأيِ العامِّ، وتزييفِ الحَقائقِ، وتَضليلِ الشُّعوبِ؛ لِغاياتٍ شيطانيَّةٍ يَقفُ وراءَها أباطرةُ الهَيْمنةِ على العالمِ، وهو ما رَأيْناهُ رَأْيَ العَيْنِ في الغَزوِ الأمريكيِّ للعراقِ تحتَ قِناعِ نَزعِ أسلحةِ الدَّمارِ الشَّاملِ، وفي الاحتلالِ الأمريكيِّ لأفغانستانَ، بذريعةِ الحربِ على الإرهابِ، وفي بعضِ الثَّوراتِ المَزعومَةِ لِلتَّعبئةِ ضدَّ الخُصُومِ، وأخيرًا في الحربِ الجاريةِ بين رُوسيا وأوكرانيا بدعوى مُحاربةِ النَّازيِّينَ الجُددِ، وما أرى الصُّوَرَ في الأيَّامِ القادمةِ إلَّا حُبْلَى بالمزيدِ من الفُجورِ، مُثقَلَةً بالمُسْتَطِيرِ مِنَ الشُّرورِ!

الصورة 1 ضحايا الصورة

= وفي مجالِ التِّجارةِ، نَشِطتْ حركةُ التِّجارةِ الإلكترونيَّةِ نَشاطًا هائلًا، حتَّى باتتْ شركةُ “أمازون” (Amazon) متربِّعَةً على عرشِ شَركاتِ التَّسويقِ قِيمةً ومَكانةً ونُفُوذًا، وسارتْ في رِكابِها شركاتٌ كُبرى كثيرةٌ، وعلى الهامشِ نَمَتْ مُؤسَّساتٌ طُفيليَّةٌ عديدةٌ، ليسَ لها رَصيدٌ من الصدقِ ظَاهرًا أو باطنًا، فوقعَ كثيرٌ من النَّاسِ ضَحايا لإعلاناتِها البرَّاقةِ، وصُوَرِ مُنتجاتِها الرَّقْرَاقَةِ، التي سلبتْهم القدرةَ على التفكيرِ المُتَّزِنِ، فسارعوا إلى طلبِها، فَسِيقتْ إليهم مُنْتجاتٌ رَديئةٌ دونَ ما رسمتْهُ الصورةُ بكثيرٍ، فَخُيِّروا بينَ كُسَيْرٍ وعُوَيْرٍ، فإمَّا أنْ يَرْضَوا بتلكَ البِضاعةِ المُزْجاةِ، وإمَّا أنْ يتحمَّلوا مَصاريفَ الشَّحْنِ، وقد جاءني غيرُ مَندوبٍ ممَّنْ يعملونَ لدى تلك الشَّركاتِ مُسْتفتيًا حولَ مشروعيَّةِ كَسْبِهِ، شارحًا ما ينطوي عليه عملُهُ من تدليسٍ وخِداعٍ وفُرصٍ للتَّحايُلِ، في ظلِّ غيابِ الضَّميرِ المَانعِ، والقَانونِ الرَّادعِ!

= وفي مجالِ العَلاقاتِ الشَّخصيَّةِ من زواجٍ ونحوِه، تنصُبُ الصُّوَرُ المُفَلْتَرَةُ، وما يكتَنِفُها من مساحيقَ وأصباغٍ شُرُكَها الخادعةَ، فترسمُ أمامَ الشَّابِّ الغَريرِ صورةً خلَّابةً لِغادةٍ، خَدُّها أَسيل، وطَرْفُها كَحِيل، وقدُّها نَحِيل، وشَعْرُها الذَّهَبِيُّ يُضِلُّ المَدَارِي في مُثنًّى ومُرْسَل، ولكنَّ حظَّ هذهِ الصُّورةِ من الصِّدقِ والسَّدَادِ، كَحَظِّ أبي جهلٍ من التُّقَى والرَّشادِ، وهي في الواقعِ لا ينطبقُ عليْها إلَّا قولُ بعضِ الظُّرفاءِ:

وَبِالمِكْيَاجِ مِثْلَ البَدْرِ تَبْدُو 

فَإِنْ نَزَعَتْهُ صَارَتْ عَمّ عَبْدُو!

وقد ذكرَ بعضُ الظِّرافَ أنَّ أحدَ الأزواجَ أرسلَ إلى المرأةِ المُزَيِّنةِ (الكُوافير) بهديَّةٍ طارتْ بها فَرحًا، حيثُ رأتْ عُلبةً لهاتفِ (آيفون) فلمَّا فتحتْها، وَجَدَتْ بداخِلِها هَاتفًا رَخيصًا رَدِيئًا، فَسُقِطَ في يَدِها، وأرسلتْ تُعاتِبُه، فقالَ لها: إنَّما فعلتُ لِتتذوَّقِي المَرارةَ التي تذوَّقْتُها بسببِ ما فعلتِ في امرأتِي!

= أمَّا مجالُ السَّفَرِ والرِّحلاتِ فهو أوسعُ أبوابِ التَّضليلِ والتَّدليسِ، حيثُ يُقدِّمُ العديدُ من الشبابِ مَرْئِيَّاتٍ (فيديوهات) باهرةً عن بعضِ البلادِ، يُصوِّرونَها كأنَّها جنَّةُ اللهِ في أرضِه، ويُوهمون الأغرارَ من المشاهدينَ بحلمِ الثَّراءِ السَّريعِ، سواءً عن طريقِ العملِ الذي تَجري فُرَصُهُ كما تجري الأنهارُ في مَوْسِمِ الفَيَضَانِ، أو التزوُّجِ من أهلِ تلكَ البلادِ بامرأةٍ ثريَّةٍ، فتكونَ قنطرةً للحصولِ على الجنسيَّةِ، أو افتتاحِ مشروعٍ مُرْبحٍ بإجراءاتٍ أسرعَ من نِكاحِ أمِّ خَارِجَةَ، فيكونُ سُلَّمًا لِلصُعُودِ إلى مراقِي السُّعودِ، إلى غيرها من المعلوماتِ  الزَّائفةِ، التي لا تبرحُ دائرةَ التَّضليلِ الإعلاميّ، والتي ليس لصاحبِها من غرضٍ سوى الحُصولِ على أكبرِ عددٍ من المُشاهداتِ والمُتابعاتِ، وجَنْيِ المزيدِ من الأرباحِ والمُكافآتِ.

وفي غَمْرةٍ من غَمَراتِ سَمَادِيرِ السُّكْرِ تحتَ تأثيرِ الصُّورةِ الخَادعةِ، قد يذهلُ المرءُ عمَّا استودَعَهُ الله من عقلٍ رشيدٍ، فيبيعُ الغاليَ والنَّفيسَ من متاعِ بَيْتِهِ، وربَّما يُضحِّي بِوَظِيفَتِه، من أجلِ الحُصُولِ على التأشيرةِ وشراءِ تذكرةٍ للسَّفرِ، لِيصطدمَ بالواقعِ المُرِّ، ولاتَ ساعةَ النَّدَمِ!

فهذا ضابطٌ مُتقاعِدٌ، أنفقَ مُكافأةَ نهايةِ الخدمةِ، وهي جَزيلةٌ، في سبيلِ السَّفرِ، وعندما وصلَ إلى الفردوسِ الموهومِ، أقامَ في أحدِ الفَنادِقِ، وكلَّما همَّ بالخروجِ وجدَ المطرَ ثَجَّاجًا على غيرِ ما اعتادَ في بلدِه، وقد يستمرُّ المطرُ دون انقطاعٍ ساعاتٍ بل أيَّامًا، وليستْ لَديْهِ سيَّارةٌ؛ لِيتسكَّعَ بِها هُنا وهُناك، ولا يُجيدُ لغةً أجنبيَّةً؛ لِيتحدَّثَ بها مع الآخرينَ، فألْفَى نفسَه في سِجْنِ مُطْبِقٍ، وإنْ بَدَا حُرًّا طَليقًا، فاستغاثَ قائلًا: أعيدونِي، أعيدونِي!

وهذا كاتِبٌ في العقدِ السَّابِعِ مِنْ عُمُرِهِ، يتركُ دولةً خليجيَّةً مُختارًا أو مُكْرهًا؛ ويولِّي وَجْهَهُ شَطْرَ دولةٍ أُخْرى، لا يعرفُ عنها شيئًا سوى ما شاهدَهُ في اليوتيوبِ، فَقَضى نحوَ أسبوعَيْنِ يبحثُ عن المَجهولِ، وما عَسَى أحدٌ أنْ يَسْتوظِفَ شَيْخًا يقفُ على أعتابِ السَّبعينِ؟!

وذاكَ إمامٌ وخطيبٌ حافظٌ للقرآنِ، مُعَيَّنٌ في بلدِهِ رَسْمِيًّا، يلهثُ وراءَ ذلك الوهمِ الذي رَسَمَتْهُ له الصُّورةُ الخَادِعَةُ، فيجدُ نفسَه أمامَ العملِ في إحدى مَزارعِ السَّمَكِ، ويقيمُ في غُرفةٍ خشبيَّةٍ بِرُفْقةِ الحشراتِ والقوارضِ، فقارنَ بينَ تلك العِيشةِ غيرِ الآدميَّةِ، وما كانَ يَنْعَمُ به من مِحْرابٍ للصلاةِ وفراشٍ للزوجيَّةِ، فولَّى مُدْبِرًا ولم يُعَقِّبْ!

وذاكَ صَحَفِيٌّ سبعينيٌّ، يحمل الجنسيَّةَ الإنجليزيَّة، كان يعملُ مُراسِلًا صَحفيًّا في بريطانيا، ثمَّ سافرَ إلى دولةٍ أخرى رأى عَنْها ما أفْقَدَهُ صَوَابَه، وظنَّ أنَّ أبوابَ الإذاعةِ والتليفزيون فيها تنتظِرُهُ مُفَتَّحةً على مِصْرَاعَيْها، ولا أدرِي أعادَ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ، أمْ لَمْ يُدْرِكْ أيًّا منهما؟!

وذلك طبيبٌ بيطرِيٌّ في العقدِ السَّابِعِ من عُمُرِه، حاصلٌ على إِجازَةٍ في العلومِ الشرعيَّةِ، سافرَ إلى بلدٍ بحثًا عن فرصةِ عملٍ في تحفيظِ القرآنِ أو تدريسِ التَّجويدِ، فسألْتُهُ: ألمْ تسألْ ثِقَةً أمينًا قبلَ أنْ تُغَامِرَ؟ فقالَ: طَمَعُ النَّفْسِ! فقلْتُ: صَدَقَ رسولُ اللهِ، صلَّى الله عليه وسلَّم، إذْ قالَ: «‌يَهْرَمُ ‌ابْنُ ‌آدَمَ، وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الحِرْصُ على المالِ، والحِرْصُ على العُمُرِ».

الصورة 2 ضحايا الصورة

وقِسْ على هؤلاءِ مُهَنْدِسًا زِراعيًّا مُتَقاعِدًا، ومُحاضِرَةً في مجالِ الوَثائقِ والمَكتباتِ، ومُتخصِّصًا في علومِ الحَاسُوبِ، ومَنْ لَا يُحْصَوْنَ كَثرةً منْ أضرابِهم، الذينَ نُقدِّرُ أحوالَهم المعيشيَّةِ، والأسبابَ التي ألجأتْ نفرًا منهم إلى البحثِ عن ملاذٍ آمنٍ، والتطلُّعِ إلى رَاتبٍ مُجْزٍ، ولكنَّنا نَهمِسُ في آذانِهم بهذهِ النَّصائحِ:

(1) أنَّ المُخاطرةَ بالسفرِ بِدَعْوى التَّوكُّلِ على الله، وأنَّ “ربّ هنا ربّ هناك”، كما يقولُ العامَّةُ، إنَّما هيَ ضَرْبٌ من السَّفَهِ والعَجْزِ، وتركٌ للأخذِ بالأسبابِ، وقد قرَّرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ (ت728هـ) رحمه الله، أنَّ “‌الالتفاتَ ‌إلى الأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَمَحْوَ الأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا قَدْحٌ فِي العَقْلِ، والإِعْرَاضَ عَنِ الأَسْبَابِ بالكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرعِ”.

(2) لَسْنَا في زمنِ ابن بطُّوطَةَ (ت779هـ/ 1377م) أو ماركو بولو (ت1324م)، حيثُ كانَ أحدُهمْ يشدُّ رَحْلَهُ على راحِلَتِهِ، أو يُجهِّزُ سَفينَتَهُ، مُتسلِّحًا بالعزيمةِ والصَّبرِ، ثمَّ يولِّي وَجْهَه حيثُما حملتْهُ دابَّتُهُ، أمَّا اليومَ فثمَّةَ إجراءاتٌ مُعقدَّةٌ، وقوانينُ صارمةٌ، ومَصروفاتٌ باهظةٌ، وضروبٌ من القلقِ والآلامِ النَّفسيَّةِ، يتضاءَلُ أمامَها ما كانَ يَلْقَاهُ الرَّحَّالَةُ القُدَامَى من المُعاناةِ الجسديَّةِ! 

(3) العاقلُ مَنْ يتثبَّتُ مِنْ مَواطِئِ قَدَمِهِ قبلَ أنْ يَخُطُو، ويستطْلِعُ طَريقَهُ قبل أنْ يَسيرَ، وأَضعَفُ الإيمانِ أنْ تستشيرَ ثقةً أمينًا مُقِيمًا في الدَّولةِ التي تَقْصِدُها، لِيُحدِّثكَ عن الإجراءاتِ والقوانينِ وطبيعةِ الحياةِ، وربَّما ينقلُ إليْكَ من تجاربِ الآخرينَ ما فيه عبرةٌ وموعظةٌ، وإيَّاكَ أنْ تعتمِدَ على الصُّوَرِ التي يروِّجُها مُحْتَرِفو وَسائلِ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ، أو أنْ تُصدِّقَ ما يَرْوونَهُ من قصصٍ خياليَّةٍ لا سندَ لها إلَّا من رِوايةِ أبي لَمْعَةَ الكذَّابِ، وثِقْ أنَّ مَصْلَحَتَكَ ليستْ على خريطةِ أهدافِهم، فما أنتَ إلَّا مُشاهِدٌ مُسْتهْدَفٌ، يُكَثَّرُ بهِ سَوادُ المُشَاهداتِ، ويَسْتدِرُّ ما وراءَها من مُكافآتٍ، وإيَّاكَ أنْ تَغْترَّ بموقفٍ فرديٍّ نادرٍ لشابٍّ عربيٍّ تزوَّجَ بنتَ السُّلطانِ مثلًا، فالشاذُّ لا يُقاسُ عليه، والنَّادرُ لا يُعوَّلُ عليه، إلَّا إذا كنْتَ ممَّنْ يَحلُمونَ بانفتاحِ “طاقةِ القَدْر” في المستقبلِ القريبِ، أو يتمنَّوْنَ الفوزَ بعشراتِ المَلايينِ في أوراقِ اليَّانَصيبِ! 

(4) العالمُ اليومَ أصبحَ قريةً صغيرةً جِدًّا، فلا تَظنَّنَّ أنَّ أحدًا في الدُّنيا يعيشُ في جزيرةٍ معزولةٍ، كَمَنْ كانَ يلقاهُم “السِّندبادُ البحريُّ” في رِحلاتِه السَّبْعِ، ولا تَظنَّنَّ أنَّ الوفودَ ستكونُ في استقبالِكَ يومَ قدومِكَ السَّعيدِ استقبالَ الفاتِحينَ العِظامَ! ولا تظنَّنَّ أنَّ الشَّعائِرَ في المساجدِ مُعطَّلةٌ، في انتظارِ تشريفِكَ؛ لِتَعْمُرَها بصوتِكَ الرَّخيمِ، وخُطَبِكَ العَصْمَاءَ! ولا تظنَّنَّ أنَّ الوظائفَ مُتاحَةٌ تنتظرُ خِبرتَكَ العبقريَّة، وعلومَكَ اللَّدُنِّيَّةَ، ممَّا سيجعلُ أربابَ العملِ يَتجاذبُونَك يَمْنَةً ويَسْرَةً، حتَّى إذا كَلَّتْ سواعِدُهم اسْتَهَمُوا عَلَيْكَ! ولا تظنَّنَّ أنَّ العَذَارَى ينتظرْنَ هُبوطَكَ من السَّماءِ مَهْبِطَ فَتَى الأحلامِ على جوادٍ أبيضَ، فإذا ما اختارتْكَ إحداهُنَّ، وَعَيَّرتْها لِدَاتُها: أتتزوَّجِينَ غَريبًا فقيرًا؟ ردَّتْ عَلَيْهِنَّ، حَاذِفَةً الجوابَ والشَّرْطَ معًا؛ نِكايةً فيهنَّ:

قَالَتْ بَنَاتُ العَمِّ: يَا سَلْمَى، ‌وَإِنْ

كَانَ ‌فَقِيرًا ‌مُعْدِمًا، قَالَتْ: وَإِنْ

د. مصطفى السواحلي

د. مصطفى السواحلي أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية، سلطنة بروناي دار السلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى