زرت القرية ومدينة اللواء الأخضر إب في إجازة عيد الفطر، ولم أشبع منهما أو يرتوِ منهما ظمئي. عدت إلى مقر إقامتي الدائمة في أمانة العاصمة صنعاء على عجالة من أمري، غير أن روحي ظلّت هناك، تُحلِّق في تلك الرُّبى.
هناك تركت وجداني وأنفاسي العطشى تغترف من معين وظلال الخضراء، الذي لم ينضب رغم عاديات السنين.
ورغم قِصَر المدة التي قضيتها في ربى الخضراء وقريتي الجميلة، فقد عشت فيها معنى الحياة.
عشت الحياة بكل تفاصيلها، وتذوقت طعمها، وتلذذت بها، وشعرت بمعانيها تسري في أعماقي وشراييني وأوردتي.
ولأني غادرت في إجازة عيد الفطر مكلومًا ومكرهًا، فقد أقمت – على غير العادة – هذه المرة في إجازة عيد الأضحى طويلاً.
ها أنا أرفل في القرية…
في رحاب الخضراء أهيم كالعاشق الظامئ المفارق، الذي يسكب القبلات والعبرات دفعة واحدة.
كل اعتذاراتي، وكل هيامي وشجوني، وكل الحُبّ والود لكِ أيتها الحبيبة ومدينتي الجميلة.
أول الغيث في نقيل سمارة نسمة عاطرة…
وأجواء ومناظر مزدانة ساحرة.
في ربوع الخضراء، في مدينتها التاريخية العتيقة، وريفها، وكافة مديرياتها، والعُزل والقرى…
في سحول بن ناجي، وفي ربى بعدان، ويريم والقفر…
في السدة، المخادر، حبيش، العدين، جبلة، ميتم، السياني، النادرة، الشعر والعود…
هناك، تنبض الأرض بالحياة؛ تنتشر الرياض النضرة، وتجري السواقي، وتنساب الأنهار جارية كأنها عزف سرمدي للطبيعة، يلامس القلوب قبل الأعين، ويغني في كل زاوية وركن، فتشعر أن الحياة هنا ليست مجرد منظر، بل نبضٌ ينساب مع الهواء والمطر، ومع خرير المياه وزقزقة الطيور، ومع ضحكات الناس وأصواتهم في الحقول والمزارع.
هناك، حيث حنين الرعود يسجع في رحاب الخضراء كل آن، والمزن يغمر سفوحها والوديان. برودة الأجواء ورذاذ المطر يرويان ظمأ الصيام، ويُجريان اللعاب على كل فم ولسان.
هنالك يستقبلك مزن السماء، وتظللّك الغمام. تسمع الطير يشدو ويغني، وتُموسِق الحمام طربًا.
تستنشق في رباها النسيم العليل، وتشرب من سواقيها وعيونها الماء العذب الزلال.
في القرية، مع شروق الشمس في كل صباح، تعزف العصافير سيمفونية وإيقاع الحياة الجميل. يخرج الناس لاستصلاح الأرض، ويغدو كل واحد منهم إلى حقله ومزرعته.
تخرج أسراب الماشية – من الأغنام والماعز والأبقار – في مسيرات عفوية حاشدة إلى المرعى، تلتهم الحشيش، وترسل أصواتها في الأرجاء، فيرتد الصدى عن إيقاع موسيقى جميلة تطرب لها كل الدنا.
في القرية، تعزف كل الكائنات لحن الحياة، معبرةً عن ابتهاجها بالجمال الرباني المتناثر في بطون الأودية، وسفوح الجبال، وشلالات المياه بعد المطر، وهي الشلالات التي تسمى “مدارب السيل”.
القرية لوحة جميلة، تزينها البساطة والمشاقر والسبول والحشائش، كما تزينها مدارب السيول، وأصوات المواشي والرعيان.
الحياة في ربى اللواء الأخضر ضاجّة ومكتملة، ولا يعدلها شيء.
إب… مدينة اللواء الأخضر… ليست مجرد مدينة على خارطة اليمن، بل كائن حيٌّ يتنفس الجمال، وتخفق روحه بين الجبال والوديان، وتتماوج أنفاسه مع السحب والمطر. كل من يزورها يدرك أن الحياة هنا ليست مجرد أيام تمضي، بل إيقاع متجدّد يعزفه المكان والإنسان في تناغم فريد.
هنا، في ربى الخضراء، يتجسد الاتصال العميق بالطبيعة؛ حيث الجمال الآخاذ والدهشة والانسجام والافتتان.. هنا، يتداخل الإيقاع الطبيعي والزمني والبصري والصوتي والوجداني والروحي والاجتماعي في لوحة متكاملة.
المُدرجات الخضراء تصطف على السفوح كأن الأرض تغني.
تنوع الأخضر في الحقول والمزارع، وتبدل الألوان مع الفصول.
الغيوم تلامس القمم، والضباب يلف القرى مع الصباح.
المطر يتكرر شبه يومي في مواسمه، والأنهار والشلالات تضفي على المشهد حياة متدفقة.
زقزقة العصافير عند الفجر.
خرير الجداول والسواقي، وكأن الطبيعة تعزف لحنًا سرمديًا.
أصوات الماشية والرعيان في المراعي.
دقات المطر على أسقف البيوت الطينية والحجرية.
دورة الفصول: حرث، وزرع، وحصاد.
تعاقب الظل والشمس بين الوديان والمدرجات.
صباحات الضباب، وظهيرات الشمس الدافئة، وأمسيات النسيم البارد.
الأسواق الشعبية الأسبوعية التي تجمع أهل القرى.
الأعراس والأعياد التي تملأ الأجواء فرحًا.
المجالس والمناسبات التي تعزز الروابط بين الناس.
إيقاع الحياة في إب ليس مجرد تتابع لنبض وتسبيح الكائنات وحركة الكون، أو نشاط يومي عدمي، بل هو إحساس بالامتلاء والسكينة، ووهج من الانتماء العميق. مبناه في الطبيعة وأهلها، معناه ينبع من إحساس القلب، ومغناه يتجلّى في القيمة الروحية التي تبقى معك، حاملة عبق المكان وذكرياته، حتى بعد الرحيل.
لكن… في هذا الوطن الممتد من اللواء الأخضر إلى كل الأرجاء، جاءت أدران السياسة ولعنة الصراعات والحروب والاقتتال، فقضت على الكثير من الجمال، وأهلكت الحرث والنسل، غير أن خضرة الروح ما زالت هنا، تتشبث بما تبقى من المطر والحلم.