فكر

اصطفاء إلهي أم اضطراب نفسي؟

توظيف مصطلح (آل البيت) في دعوى الاصطفاء العرقي.. قراءة سيكولوجية

مدخل:

تحت شعار التشيع لما يسمى (آل البيت) التقت ثلاثة مواريث ثقافية:  الموروث اليهودي والموروث المجوسي والموروث الجاهلي للقبيلة العربية، وأسفر ذلك اللقاء عن تخليق دعوى الاصطفاء العرقي للسلالة الهاشمية، ولسلالة علي بن أبي طالب رضي الله عنه على وجه الخصوص، ومن ثَمّ بذلت جهود كبيرة  لتوطين هذه الفكرة – البعيدة كل البعد عن روح الإسلام وتعاليمه – في المجال التداولي للفكر الإسلامي، وتم الترويج لها من خلال سيل لا ينقطع من الأكاذيب المحبوكة، والروايات الموضوعة، والتأويلات المردودة، والتحريفات المتعمدة المقصودة.

وهكذا تبلورت فكرة وظاهرة الاصطفاء العرقي في المجتمع الإسلامي، وأصبحت مقبولة لدى جمهور المسلمين بعد أن تم تغليفها بغلاف الدين، والزعم بأنها من لوازم محبة الرسول عليه الصلاة والسلام!

ومع أهمية تناول ونقد الظاهرة من المنظور الديني، لكن ذلك لوحده لا يكفي، بل لا بد من تناولها ونقدها وتفكيكها من جوانب متعددة،  ومن ذلك الجانب النفسي، لا سيما  والظاهرة في بعدها الحقيقي هي ظاهرة  نفسية واجتماعية، وإن موهت نفسها بغطاء ديني.

وفي هذا المقال نسلط الضوء على البعد النفسي (السيكولوجي)  للظاهرة،  ولا ندعي هنا أننا قد استقصينا هذا البعد، وإنما حسبنا أن نفتح نافذ للضوء، وأن نلفت العقول والأنظار إلى التأمل في هذا البعد شبه المنسي في تناول وتحليل الظاهرة.

إلهي أم اضطراب نفسي؟ اصطفاء إلهي أم اضطراب نفسي؟

الميثومانيا ..هوس الكذب في سبيل اكتساب التقدير

من الاضطرابات النفسية التي تصيب الشخصية الإنسانية لا سيما الشخصيات  النرجسية (صاحبة الإعجاب المفرط بالنفس)  والحدية (صاحبة التقلبات المزاجية والسلوك الاندفاعي) والضد اجتماعية (المعادية للمجتمع) ذلك الاضطراب المعروف في علم النفس بالميثومانيا (Mythomania)،  والمصاب بهذا الاضطراب يكون مهووسًا بالكذب، لا سيما الكذب الذي يحاول من خلاله أن  يثبت تفوقه وتميزه على الآخرين، وفي سبيل اثبات دعوى التميز هذه يصبح الكذب عادة مستحكمة، بل طريقة حياة متبعة.

والميثومانيا (Mythomania) مصطلح مشتق من الكلمة الإغريقية “Mythos” وتعني “أسطورة”، و”mania” وتعني “هوس”، وتُعرف بأنها: اضطراب يجعل الفرد يميل إلى الكذب المستمر، حتى لو لم تكن هناك ضرورة.

وإذن فالميثومانيا (Mythomania) ليست كذبة تُقال للتخلص من موقف، أو للنجاة من ورطة، أو للهروب من عقوبة، ولكنها حياة كاملة تبنى على وهم، وفي سبيل إثبات ذلك الوهم يلجأ الميثوماني إلى الكذب، فيبدأ بالكذب على نفسه، حتى تتولد لديه القناعة أنه عبقري، أو بطل، أو ضحية، أو صاحب موهبة أو حقوق استثنائية يجب على الآخرين أن يعترفوا بها،  وكلما صدق كذبته أمكنه أن يقنع بها الآخرين..

إن الشعور بالأهمية والرغبة في لفت الانتباه، هو ما يجعل الميثوماني يستمرئ الكذب، ويكذب ثم يكذب ثم يكذب حتى يصدق نفسه وحتى يصدقه الآخرون!

ومهما كانت عواقب الكذب وخيمة فالميثوماني لا يستطيع التوقف، فالكذب بالنسبة له رئة حياة؛ وضرورة وجود!

وخلف التضخم المرضي للذات عند الميثوماني، يتخفى إحساس عميق بالنقص، ومن هذا وذاك  يتولد الوقود المستمر للكذب، سعيًا وراء الحصول  على التقدير.

ولأن الحقائق الموضوعية – أياً كانت –  تصادم أوهام ودعاوى الميثوماني النرجسية فهو يعمد إلى تزييفها وتحويرها على النحو الذي يجعله يشعر بالقيمة..

يتمحور الميثوماني حوله ذاته،  ولا يمل من ترديد واختلاق الأكاذيب حول مجده الشخصي، وغالبًا ما يمتلك قدرات خطابية يسخرها في هذا السبيل… وهكذا يكذب الميثوماني ليبدو عظيمًا أمام نفسه وأمام الآخرين.

والميثوماني شخص مهووس بالأساطير، ويصعب عليه التمييز بين الحقيقة والأسطورة، وفي سبيل تحقيق أوهام العظمة واستحقاقات التميز المدعاة لا مشكلة لديه في أن يدمر نفسه ويدمر ما حوله، وهنا تكمن خطورته.

ومن خلال ما سبق يتضح أن  هنالك قواسم مشتركة بين الميثوماني والعنصري أهمها: الشعور بعقدة النقص ومحاولة تجاوزها من خلال ادعاء الاصطفاء العرقي، واختلاق الأكاذيب والأساطير،  وبناء واقع وهمي قائم على الخيال المريض.

زيدية الديلم 4 أهل البيت، والأمة في فكر زيدية الديلم 01 01 اصطفاء إلهي أم اضطراب نفسي؟

يكذبون كما يتنفسون

يعلم الدارسون للأديان أن فكرة الاصطفاء العرقي هي فكرة أصيلة في الديانتين اليهودية والمجوسية، وأن العناصر اليهودية والمجوسية المدعية للإسلام قد لعبت دورًا كبيرًا في نقل هذه الفكرة إلى المسلمين تحت شعار التشيع لما يسمى (آل البيت)، غير أن هذا هو نصف الحقيقة فقط، والنصف الآخر هو أن الفكرة قد وافقت هوىً في نفوس بعض أبناء القبيلة  الهاشمية فأخذوها إلى أبعد مدى، ووظفوها في خدمة تطلعاتهم الاجتماعية والسياسية، ومن ثَمّ  راج سوق الانتساب إلى بني هاشم، وكثر أدعياء النسب الهاشمي،  فانتسب أقوام من العرب والفرس والهند والزنج ومن قوميات أخرى الى الهاشميين طمعًا في الحصول على امتيازات الاصطفاء العرقي.

وبمرور الوقت وتعاقب الأجيال تكونت في عالمنا الإسلامي أكبر ظاهرة بشرية للميثومانيا تدعي انتسابًا للسلالة الهاشمية، وإلى سلالة علي بن أبي طالب رضي الله عنه على وجه الخصوص، وأصبح أفراد هذه الظاهرة يكذبون كما يتنفسون في سبيل اثبات تفوقهم العرقي وامتيازهم السلالي.

وهكذا أصبح  الميثومان يشكلون ظاهرة مستفحلة في عالمنا الإسلامي، يجمعهم الهوس بإثبات اصطفاءهم السلالي، والتمحور حول ما يسمى (النسب الشريف)،  يستوي في ذلك من يكور على رأسه عمامة، ومن يربط في عنقه كرفته، ومن يتلو القران في المحراب، ومن يقيم حفلات الغناء، والإسلامي والعلماني، والسني والشيعي، وإن كان ثمة خلاف فهو في الدرجة أو في بعض التفاصيل لا في أصل المبدأ؛  إذ الكل  مهووس بخرافة الاصطفاء العرقي، والكل لا يتورع عن ترديد الأكاذيب وتحريف حقائق الدين وحقائق التاريخ وحقائق الواقع في سبيل اثبات التفوق الموهوم، والاصطفاء المزعوم.

إن عقدة الاصطفاء العرقي التي تلقن للنشء منذ الصغر، ويتم تدعيمها بالنصوص الدينية  المكذوبة أو تلك التي يتم تحريف معناها، وبالقراءة المشوهة للتاريخ والمتجاهلة للواقع، تتحول بمرور الوقت إلى عقيدة دينية مختلطة بكبرياء النفس وحظوظها، ويصبح الدفاع عنها باجترار واختلاق الأكاذيب مسلكًا راسخًا ومسار حياة، وذلك هو الاضطراب النفسي الذي يقع الميثومان السلاليون تحت تأثيره، ومن ثَمّ ينشرون وباءه في المجتمعات الإسلامية.

كان محمد بن علي بن عبدالله بن عباس من أخطر الشخصيات التي اعتنقت فكرة الاصطفاء العرقي للسلالة الهاشمية ووظفتها سياسيًا، وفي هذا السبيل  نسج التحالفات مع التنظيمات الباطنية السرية لإسقاط الدولة الأموية، وأثمرت جهوده بعد حين عن إسقاط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، وقد حفظت لنا كتب التاريخ واقعة مهمة وذات مغزى، تكشف عن شخصيته الميثومانية…  الواقعة ذكرها المؤرخ العباسي البلاذري في كتابه أنساب الأشراف (1/480)، وهذا نصها: ((وفد محمد بن علي الامام على هشام بن عبد الملك فلما دخل عليه قال: ما جاء بك؟

قال: حاجة يا أمير المؤمنين. 

قال: انتظر بها دولتكم التي تتوقعونها وتروون فيها الأحاديث وترشحون لها أحداثكم. 

فقال : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين.

ثم نظر إلى حاجبه نظرة مُغضَب لإذنه له، فدنا الحاجب منه فقال: أصدقك والله يا أمير المؤمنين، إني رجل عقيم فسمعني أشكو ذلك فقال: إن عندي دعوات رويتها عن أبي عن أبيه عن رسول الله يدعو بها مثلك فيرزق الولد، فإن علمتك إياها تأذن لي؟  فضمنت له فعلمنيها ووفيت له!

فقال: قبحك الله فما أعجز رأيك، لهممتُ أن أضرب عنقك، إن هؤلاء قوم جعلوا رسول الله لهم سوقاً)).

ويمكن للقارئ أن يلحظ تحيز  المؤرخ العباسي حين يذكر اسم الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك رحمه الله مجردًا من لقب الخلافة وإمرة المؤمنين،  ويذكر  محمد بن علي واصفًا إياه بالإمام، وهو الوصف الذي أطلقته عليه الشيعة، وبغض النظر عن هذا التحيز فالحادثة تفصح عن أمور في غاية الأهمية، أولها أن التنظيم السري للهاشمية السياسية الذي أسسه محمد بن علي بن عبدالله بن عباس بالتحالف مع موالي الفرس المظهرين للتشيع كان يشتغل على وضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله عليه الصلاة والسلام المبشرة بدولة بني هاشم (دولة المهدي المنتظر)، ولم تكن هذه اللعبة خافية على أمير المؤمنين هشام رحمه الله، ولذلك قال لمحمد بن علي: ((انتظر بها دولتكم التي تتوقعونها، وتروون فيها الأحاديث، وترشحون لها أحداثكم))!

وقد كان الخليفة هشام رحمه الله يكره رؤية  محمد بن علي، ولذلك نظر نظرة غضب إلى حاجبه الذي أذن له بالدخول عليه، ولكن الحاجب اعتذر بأن محمد بن علي استغل نقطة ضعفه وهي كونه عقيمًا، وأوهمه أن لديه دعاء يرويه عن آبائه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا دعا به رزقه الله الولد! فقال أمير المؤمنين هشام رحمه الله كلمته  الكاشفة عن حقيقة القوم: ((إن هؤلاء قوم جعلوا رسول الله لهم سوقاً)).

وتلك هي حقيقتهم فعلا.. لا يتورعون عن الكذب على الله ورسوله في سبيل الوصول إلى أغراضهم، ورسول الله عليه الصلاة والسلام هو بالنسبة لهم اسم يجب استثماره وجني عوائده الحصرية لهم دون غيرهم!

النقص اصطفاء إلهي أم اضطراب نفسي؟

عقدة الاضطهاد:

تعتقد الشخصية النرجسية الميثومانية أنها صاحبة استحقاق متميز، وتجتر وتختلق الأكاذيب لإثباته، وحين لا تحصل على المزايا التفضيلية التي تدعيها يتولد لديها  شعور بالاضطهاد والظلم، والمظلومية هنا تعني عدم اعتراف الآخرين بما لها من تمييز وحقوق استثنائية.

وحين تتمكن هذه الشخصية من ظلم الآخرين فهي لا تتورع عن ذلك، ويبرز الجانب السيكوباتي فيها بوضوح،  ثم هي تبرر  لنفسها أنها مارست انتقامًا مشروعًا من أولئك الذين حرموها حقوقها وسلبوها مزاياها!

وهذا ما فعله ويفعله مدعو الاصطفاء العرقي والحق الإلهي في  الإمامة (السلطة السياسية) تحت شعار  (آل البيت) منذ القرن الأول الهجري وإلى أيامنا هذه، ومن يتصفح سيرتهم وأدبياتهم في القديم والحديث يجدها طافحة بعقدة الاضطهاد وادعاء المظلومية مع ممارستهم  للظلم بحق الآخرين كلما سنحت لهم الفرصة.

العداء للمجتمع:

هنالك ارتباط وثيق بين الميثومانيا والشخصيات النرجسية والحدية والاضطهادية والضد اجتماعية (المعادية للمجتمع)، وبسبب هذا الارتباط نجد كثيرًا من علماء النفس  لا يصنفون الميثومانيا اضطرابًا مستقلاً، ولكن يجعلونه ضمن سمات هذه الشخصيات.

وعلم النفس هنا يعطينا المفتاح لفهم سبب عداء السلاليين أدعياء الاصطفاء الإلهي للأمة،  وفهم الدوافع التي تقف خلف مجازرهم وجرائمهم بحق المسلمين منذ أن تمكنوا من إسقاط الدولة الأموية وإلى أيامنا هذه.

إن عداء  الميثوماني السلالي للمجتمع يمكن فهمه في ضوء تمحوره حول ذاته، وحيث أن المجتمع لا يعترف له بالتميز العرقي،  أو يرفض اعطاءه الحقوق التفضيلية التي يدعيها وفي المقدمة منها الحق المزعوم في الإمامة الكهنوتية والتسلط السياسي، فإنه يتحول إلى شخص ناقم وحاقد على المجتمع، وأشد ما يكون حقده على أولئك الذين يعارضون هوسه السلالي من منطلق مبدئي، وفي ضوء هذه الحقيقة يمكننا فهم توحش العنصريين المدعين للاصطفاء الإلهي وجنونهم العدائي تجاه مخالفيهم، وسنكتفي هنا بمثال واحد، وهو عبدالله بن حمزة (الإمام الزيدي السفاح)، الذي جن جنونه حين وجد طائفة من الزيدية (المطرفية) يقولون بالمساواة بين الناس، فحكم عليهم بالكفر، واستحل دماءهم وأموالهم وسبى نساءهم وهدم مساجدهم وفعل بهم الأفاعيل المنكرة؛ فكانت مأساة المطرفية المشهورة.

ويمكن القول: إن ثمة عقدة نفسية  تتحول إلى عقيدة دينية،  وتنشئة استعلائية تخلق  شخصيات نرجسية وضد اجتماعية لديها الاستعداد للتضحية بنفسها وبالآخرين في سبيل الحصول على مزايا الاصطفاء العرقي، وقد أدرجت الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين الميثومانيا (Mythomania) ضمن الاضطرابات العقلية.

وختامًا… إن فكرة الاصطفاء العرقي وما بُني عليها من ادعاءات ومزايا تفضيلية تحت شعار التشيع لما يسمى (آل البيت) هي فكرة خطيرة وفتاكة، وقد تسللت الى عقول المسلمين بعد أن تم تمويهها بمغالطات دينية، وأكاذيب ديماغوجية (عاطفية)، ساعدتها على التمدد والاستطالة.

وبالنظر إلى خطورة الفكرة من الناحية القيمية، وإلى افرازاتها السيئة وآثارها الكارثية في حياة المجتمعات الإسلامية قديمًا وحديثًا، فإنه يجب وضعها تحت مجهر الفحص الدقيق، وتناولها بالدراسة والتحليل من مختلف الجوانب ومن ذلك الجانب النفسي.

وإنا لنأمل في انبعاث صحوة علمية وفكرية تتصدى لشرور هذه الفكرة/ الظاهرة، وتقمع  انتفاشتها القميئة، وتنسف تمسحها الكاذب بالدين،  وصولاً إلى اقتلاعها من جذورها، وفي هذا السياق يجب التأكيد على دور العلماء والمفكرين المسلمين في كشف زيف فكرة الاصطفاء العرقي، وتوضيح مخاطرها، وإعادة الاعتبار لقيم المساواة والعدالة والتآخي التي جاء بها الإسلام.

مراجع

* التصنيف التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية DSM-5 ترجمة: د. انور الحمادي. 

* دافيد رجل الكهف: حوار مع رجل الكهف في اضطرابات الشخصية. 

* أ. د. ناهضة مطير حسن: اضطرابات الشخصية للخلفاء العباسيين قبل السلطة وبعدها.. دراسة تاريخية. 

ROBERT J. CAMPBELL: PSYCHIATRIC DICTIONARY   * 

*  D. Curtis and C. L. Hart: Pathological Lying: Theory, Research, and Practice 

* Michael S. Myslobodsky: The   Mythomanias: The Nature of Deception and Self-Deception

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى