المدونة

اختصار التهافت في المحاكمة بين الغزالي والفلاسفة

يُعد كتاب[1] “التهافت في المُحاكَمَة بين الغزالي والفلاسفة” للعلامة مصلح الدين مصطفى بن يوسف، الشهير بخواجة زاده (ت 893 هـ) وثيقةً تاريخية وفلسفية بالغة الأهمية، تمثل ذروة الحراك العقلي في الدولة العثمانية إبان عهد السلطان محمد الفاتح. إن هذا التقرير البحثي يهدف إلى تقديم قراءة استقصائية شاملة لهذا الأثر، مفككاً بنيته المعرفية، ومستعرضاً سيرة مؤلفه، ومحللاً القضايا العشرين (والتي بلغت في الحقيقة اثنين وعشرين مسألة كما سيتبين) التي شكلت عصب النزاع بين الفلسفة المشائية والعقيدة الإسلامية الكلامية.
إن الغوص في هذا الكتاب لا يقتصر على مجرد استعراض للحجج، بل هو استعادة للحظة تاريخية فارقة أراد فيها السلطان الفاتح أن يجعل من عاصمته الجديدة إسطنبول مركزاً للمحاكمة العقلية بين تراثين عظيمين: تراث الغزالي الذي وجه ضربة قاصمة للفلسفة في المشرق، وتراث الفلاسفة (ابن سينا والفارابي ومن خلفهم أرسطو) الذي حاول ابن رشد إحياءه في المغرب. يأتي خواجة زاده هنا حكماً، وقاضياً، وفيلسوفاً، يزن الأدلة بميزان العقل السليم والنقل الصحيح.

المحور الأول: التعريف بالمؤلف ودوافع الكتاب

أولاً: سيرة العلامة خواجة زاده (مصلح الدين مصطفى البرسوي)
هو مصلح الدين مصطفى بن يوسف بن صالح البرسوي، المعروف بلقب “خواجة زاده”. وُلد هذا العلم الشامخ في مدينة بورصة (بروسه) عام 838 هـ، في بيئة لم تكن تمهد له طريق العلم بالسهولة المتوقعة. فقد كان والده تاجراً ثرياً، أراد لابنه أن يسلك مسلكه في التجارة وجمع المال، إلا أن مصلح الدين آثر طريق العلم والمعرفة، مما عرضه لغضب والده وحرمانه المادي، حتى خُصص له درهم واحد يومياً، وعاش في شظف من العيش بينما كان إخوته يرفلون في النعيم.
نشأته العلمية ولقب “العقل السليم”:
تتلمذ خواجة زاده على يد كبار علماء عصره، وكان أبرزهم المولى خضر بك بن جلال، مدرس المدرسة السلطانية في بورصة. وقد لمح خضر بك في تلميذه ذكاءً مفرطاً وقدرة تحليلية فذة، حتى إنه أطلق عليه لقب “العقل السليم”، وكان إذا استشكلت عليه مسألة قال: “اعرضوها على العقل السليم”، قاصداً بذلك خواجة زاده. هذا اللقب لم يكن مجرد تشريف، بل كان توصيفاً دقيقاً للمنهجية التي سيتبعها لاحقاً في محاكمته بين الغزالي والفلاسفة.
لقاؤه بالسلطان محمد الفاتح وصعوده:
كانت نقطة التحول في حياته حين قرر زيارة السلطان محمد الفاتح في أدرنة. ونظراً لفقره المدقع، اضطر للاقتراض من خادمه ليتمكن من السفر. وفي مجلس السلطان، جرت مناظرات علمية أظهر فيها خواجة زاده تفوقاً كاسحاً، مما جعل السلطان يتخذه معلماً خاصاً له، يقرأ عليه العلوم والكتب، ومنها متن العزي في التصريف.
تدرج خواجة زاده في المناصب العليا، فتولى قضاء العسكر، وهو منصب رفيع جعل والده (التاجر الذي كان يزدريه) ينحني إجلالاً لمكانة ابنه حين زاره، مصداقاً لنبوءة شيخ صوفي كان قد بشر خواجة زاده بأن إخوته سيقومون مقام الخدم عنده. كما تولى التدريس في المدرسة السلطانية ببورصة، ثم في القسطنطينية، ومناصب الإفتاء والقضاء في مدن مركزية كإزنيق وأدرنة، حتى وفاته عام 893 هـ.
ثانياً: دوافع تأليف الكتاب (المحاكمة السلطانية)
لم يكن تأليف كتاب “التهاتف” ترفاً فكرياً أو مبادرة شخصية بحتة، بل جاء استجابة لأمر سلطاني مباشر يحمل دلالات سياسية وحضارية. بعد فتح القسطنطينية، أراد السلطان محمد الفاتح، المعروف بشغفه بالعلم والفلسفة، أن يستجلي حقيقة الصراع الفكري الذي دار بين الإمام الغزالي والفلاسفة، وتحديداً الحكم القاسي الذي أطلقه الغزالي بتكفيرهم في ثلاث مسائل وتبديعهم في سبع عشرة أخرى.
لقد انتاب السلطان الفضول المعرفي حول مدى تماسك حجج الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة”، ومدى قدرة الفلاسفة (خاصة ابن رشد الذي رد على الغزالي في “تهافت التهافت”) على الصمود أمام هذا النقد. ولتحقيق ذلك، كلف السلطان اثنين من أبرز علماء دولته بإجراء هذه “المحاكمة”.
خواجة زاده: الذي ألف كتابنا هذا “التهاتف في المحاكمة”
علاء الدين الطوسي: الذي ألف كتاب “الذخر”
وقد أنجز خواجة زاده كتابه في أربعة أشهر فقط، وحين عُرض الكتابان على السلطان والعلماء، رُجح كتاب خواجة زاده وفُضّل على نظيره لما تميز به من دقة في التحرير، وقوة في الحجة، وإنصاف في المحاكمة. وقد كافأ السلطان المؤلفين بمبلغ عشرة آلاف درهم لكل منهما، لكنه ميز خواجة زاده بخلعة نفيسة إضافية، إعلاناً لانتصاره في هذا السباق المعرفي.

المحور الثاني: منهجية العرض والتحليل في الكتاب

قبل الدخول في تفاصيل المسائل، يوضح خواجة زاده في مقدمته منهجه الدقيق. فهو يقرر أن الفلاسفة قد أصابوا في العلوم الرياضية والمنطقية لسلامة مبادئها عن التباس الوهم بالعقل، لكنهم ضلوا في الإلهيات والطبيعيات. وهو يعتمد في كتابه منهجية “المحاكمة”، حيث يورد رأي الفلاسفة معززاً بأدلتهم وبراهينهم كما قرروها في كتبهم (خاصة ابن سينا)، ثم يورد اعتراضات الإمام الغزالي، ثم يتدخل هو بصفته “الحكيم” ليرجح أو يوفق أو يهدم، مستخدماً عبارات دقيقة مثل “والتحقيق”، “والجواب”، “ولقائل أن يقول”. وقد قسم كتابه إلى اثنين وعشرين فصلاً (مسألة)، سنعرض ملخصاً دقيقاً لأهمها بناءً على النص المحقق.

المكاتبات في دواوين الدولة 2 اختصار التهافت في المحاكمة بين الغزالي والفلاسفة

المحور الثالث: تلخيص المسائل وتحرير مواقف الفلاسفة وردود المؤلف

المسألة الأولى: في إبطال قولهم إن المبدأ الأول (الله) موجب بالذات لا فاعل بالاختيار
تحرير مذهب الفلاسفة:
يقرر الفلاسفة أن الله تعالى (المبدأ الأول) هو “موجب بالذات” وليس فاعلاً بالاختيار. وهم لا يعنون بذلك أنه مجبر كإحراق النار، بل يعنون أن وجود العالم يفيض عنه فيضاً لزومياً وضرورياً لتمام ذاته وعلمه، كما يفيض النور عن الشمس، دون أن يتوقف ذلك على قصد أو إرادة حادثة. حجتهم في ذلك أن الفاعل المختار يحتاج في فعله إلى “مرجح” يميل بإرادته نحو الفعل بدلاً من الترك في وقت دون آخر. وبما أن الله قديم وكامل، فإن طريان “مرجح” جديد عليه محال لأنه يوجب التغير في ذاته القديمة. وعليه، فإن أثره (العالم) يجب أن يكون قديماً بقدمه، متصلاً به اتصال المعلول بالعلة التامة، فيستحيل تخلف العالم عن الله، وبالتالي يستحيل أن يكون مختاراً بمعنى صحة الفعل والترك.
رد المؤلف (خواجة زاده) بالتفصيل:
يتصدى خواجة زاده لهذه الدعوى بتفكيك مفهوم “الإرادة” و”الترجيح”:
الإرادة هي المرجح بذاتها: يرد المؤلف على دعوى احتياج الإرادة إلى مرجح خارجي بالقول إن طبيعة “الإرادة” هي التخصيص والترجيح. فالإرادة صفة شأنها أن تميز أحد المتماثلين عن الآخر دون الحاجة إلى دافع خارجي. فالله يختار وقتاً للإيجاد دون وقت بمحض مشيئته، ولا يلزم من ذلك “ترجيح بلا مرجح” بالمعنى المستحيل (وهو وجود الممكن بلا علة)، بل هو ترجيح من الفاعل المختار لذاته.
حجة الجائع والرغيفين: يستعير خواجة زاده مثال الغزالي الشهير عن الرجل الجائع الذي يوضع أمامه رغيفان (أو تمرتان) متساويان تماماً في القرب واللون والشكل. لو كان الترجيح بين المتماثلين مستحيلاً بلا مرجح خارجي، لظل هذا الرجل جائعاً حتى الموت لعدم قدرته على الاختيار. لكن الواقع أنه سيمد يده لأحدهما. هذا يثبت وجود صفة في النفس (الإرادة) شأنها التمييز بين المتماثلات.
نقض دعوى الفلاسفة بخصائص الأفلاك: يوجه خواجة زاده ضربة قوية لمنطق الفلاسفة من داخل نظامهم الفلكي نفسه. فهو يتساءل: لماذا تعينت نقطة معينة لتكون قطباً شمالياً للفلك وأخرى جنوبياً، مع أن الكرة متشابهة الأجزاء؟ ولماذا تتحرك بعض الأفلاك من المشرق للمغرب والبعض العكس؟ ولماذا اختصت الكواكب بمواضع محددة في فلكها؟ إن تشابه أجزاء الفلك يقتضي استواء نسبة الحركة والمكان إليها جميعاً. فاختصاص وضع معين دون غيره هو “ترجيح بلا مرجح” من الطبيعة الموجبة، وهو دليل قاطع على وجود “إرادة” مخصصة اختارت هذه الأوضاع بمشيئة وحكمة، لا لزوماً.
إبطال التسلسل في الإرادات: يناقش المؤلف اعتراضاً مفاده: إذا كان تخصيص الفعل بإرادة، فهل تلك الإرادة حادثة أم قديمة؟ فإن كانت حادثة احتاجت لمرجح وهكذا إلى ما لا نهاية (تسلسل). يجيب خواجة زاده بأن الإرادة قديمة، وتعلقها بالفعل في وقت معين هو مقتضى ذاتها، أو أن التسلسل في الأمور الاعتبارية (التعلقات) ليس مستحيلاً كتسلسل الذوات.
المسألة الثانية: في إبطال قولهم بقدم العالم
هذه هي المسألة الكبرى التي كفرهم الغزالي بسببها، ويخصص لها خواجة زاده مساحة واسعة جداً من التحليل الدقيق.
تحرير مذهب الفلاسفة:
يذهب الفلاسفة (أرسطو وأتباعه) إلى أن العالم قديم أزلي، لم يسبقه عدم زماني. وأدلتهم الرئيسة التي يوردها خواجة زاده هي:
دليل الإمكان: يقولون إن “إمكان” وجود العالم صفة ثابتة قبل وجوده. وهذا الإمكان لا بد له من محل يقوم به (مادة/هيولى). فلو كان العالم حادثاً لسبقه إمكان، وذلك الإمكان يحتاج لمادة، وتلك المادة ستحتاج لإمكان سابق، وهكذا، مما يستلزم وجود مادة قديمة (هيولى) لا أول لها.
دليل الزمان: يقولون إن الزمان لا يمكن أن يكون حادثاً. لأننا لو افترضنا حدوث الزمان، لكان قبله “عدم”، وهذا “القبل” يقتضي ترتيباً زمانياً. فإثبات “بداية” للزمان يقتضي إثبات “زمان” كان قبله، وهذا تناقض. وبما أن الزمان هو مقدار الحركة (عندهم)، فقدم الزمان يقتضي قدم الحركة، وقدم الحركة يقتضي قدم المتحرك (الفلك والجرم)، إذن العالم قديم.
امتناع تأخر المعلول عن العلة التامة: إذا كان الله (العلة التامة) موجوداً في الأزل بجميع صفاته، وجب وجود المعلول (العالم) معه. لأن تأخر المعلول يعني عجزاً أو انتظار شرط جديد، وهو محال في حق القديم.
رد المؤلف (خواجة زاده) بالتفصيل:
يقوم خواجة زاده بتفكيك هذه الأدلة بحرفية منطقية عالية:
في الرد على دليل العلة التامة: يرفض المؤلف فكرة أن الله “علة موجبة” كما في المسألة الأولى. بل هو “فاعل مختار”. والفاعل المختار يجوز أن يتقدم وجوده على فعله بمحض إرادته. فالتأخر ليس لعجز، بل لأن الإرادة خصصت وقت الحدوث، وليس قبله وقت أصلاً لنسأل “لم لم يخلق قبله؟”. فالله كان ولا شيء معه، ثم خلق العالم حين أراد.
في الرد على دليل الزمان (وهمية الزمان): يقدم خواجة زاده تحليلاً عميقاً لمفهوم الزمان، معتبراً إياه “أمراً وهمياً” أو اعتبارياً لا وجود له في الخارج كذات مستقلة. يقول إن “القبل” الذي يسبق العالم ليس امتداداً زمانياً حقيقياً، بل هو “عدم محض” يتوهمه العقل زماناً. فكما أن المكان محدود ولا يوجد “خلاء” لا نهائي وراء العالم (بل ينقطع المكان)، فكذلك الزمان محدود وله بداية، وما قبله هو “لا زمان”، وليس زماناً موهوماً. ويقرر أن تقدم الله على العالم هو تقدم بالذات والرتبة (كتقدم الواحد على الاثنين) وتقدم بالوجود الحقيقي لا بالزمان.
في الرد على دليل الإمكان: يرد على قولهم إن الإمكان يحتاج لمادة موجودة، بقوله إن “الإمكان” أمر اعتباري عقلي (قضية عقلية) لا يحتاج لوجود خارجي يحل فيه. فإمكان العالم قبل خلقه كان ثابتاً في علم الله وقدرته، ولا يستلزم ذلك وجود “هيولى” أزلية في الخارج. ويناقش بدقة الفرق بين “إمكان الوجود” و”وجود الإمكان”.
نقض الحوادث اليومية: يستخدم حجة إلزامية ذكية، وهي “الحوادث اليومية” (كحركة زيد الآن). فهذه حادثة قطعاً، ومع ذلك فالله علتها التامة في الأزل. فلو صح قول الفلاسفة أن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها، لوجب أن تكون حركاتنا اليومية قديمة أزلية! وبما أنها حادثة، بطل دليلهم.
المسألة الثالثة: في إبطال قولهم في أبدية العالم
موقف الفلاسفة:
يزعم الفلاسفة أن العالم كما هو أزلي (لا بداية له)، فهو أبدي (لا نهاية له). وحجتهم أن الأفلاك السماوية بسائط لا تقبل الفساد ولا الكون، فهي ليست مركبة من أضداد تؤدي لانحلالها، وبالتالي لا يوجد سبب داخلي لفنائها.
رد المؤلف:
بناءً على ما تقرر في المسألة الأولى، بما أن العالم وجد بإرادة فاعل مختار، فإن بقاءه أو فناءه رهن بتلك الإرادة أيضاً. فكما أن الله خصص الوجود بوقت، فهو قادر على سلب هذا الوجود في وقت آخر. ولا يلزم من بساطة المادة الفلكية (إن سلمنا بها) امتناع إعدامها من قبل خالقها. فالإمكان الذاتي للفناء يظل قائماً ما دام الوجود مستمداً من الغير لا من الذات.
المسألة الرابعة: في إبطال قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد
موقف الفلاسفة:
هذه قاعدة ذهبية عند المشائين (ابن سينا). يقولون: إن الله واحد بسيط من كل الوجوه، ولو صدر عنه شيئان مختلفان (أ و ب)، لاستلزم ذلك جهتين مختلفتين في ذاته (جهة لصدور أ، وجهة لصدور ب)، وهذا يقدح في وحدانيته وبساطته. لذا، قالوا إن الله أبدع فقط “العقل الأول”، ومن العقل الأول تسلسلت الكثرة (العقل الثاني، الفلك، النفس…).
رد المؤلف:
هذه القاعدة باطلة لأنها مبنية على افتراض أن الله “علة موجبة” (طبيعية). أما والفاعل مختار، فإن الواحد الحقيقي يمكن أن يفعل أفعالاً متعددة ومختلفة بإرادته وقدرته واختياره، دون أن يوجب ذلك تكثراً في ذاته. فالكاتب الواحد يكتب علوماً مختلفة، والصانع الواحد يصنع آلات شتى، وتكثر الأفعال يعود لتكثر التعلقات والإرادات، لا لتكثر الذات.
المسألة الخامسة: في إبطال قولهم في كيفية صدور العالم المركب من المختلفات عن المبدأ الواحد
موقف الفلاسفة (نظرية الفيض):
حاولوا تفسير ظهور الكثرة في العالم (عقول، نفوس، أفلاك، عناصر) عن الله الواحد، فقالوا بترتيب معقد: الله يعقل ذاته فيفيض عنه العقل الأول. العقل الأول يعقل الله فيصدر عنه العقل الثاني، ويعقل ذاته فيصدر عنه فلك، وهكذا في سلسلة ثلاثية (عقل، نفس، جرم) حتى العقل العاشر (العقل الفعال).
رد المؤلف:
يصف المتكلمون (وخواجة زاده منهم) هذه النظرية بأنها “ظلمات بعضها فوق بعض” ولا دليل عليها إلا التخرص. يتساءل المؤلف: ما العلاقة المنطقية بين “أن يعقل العقل الأول ذاته” وبين “تكون جرم الفلك”؟ هذا تحكم محض. ويرد بأن التعدد والتركيب في العالم هو دليل على الاختيار والقصد من الخالق، الذي جمع بين المختلفات (الحار والبارد، الجوهر والعرض) بقدرته، وليس نتيجة حتمية لعمليات عقلية مجردة للأفلاك.
المسألة السادسة: في تعجيزهم عن الاستدلال على وجود الصانع للعالم
موقف الفلاسفة:
يدعون أنهم أثبتوا وجود الله (واجب الوجود) من خلال تقسيم الوجود إلى واجب وممكن.
رد المؤلف:
يرى خواجة زاده أن الفلاسفة، بنفيهم لحدوث العالم وقولهم بقدمه، قد هدموا الدليل الأقوى على وجود الصانع. فإذا كان العالم قديماً مستغنياً عن الفاعل في حدوثه (لأنه لم يحدث)، فكيف يثبتون افتقاره للصانع؟ إن القول بقدم العالم يفتح الباب للدهرية لإنكار الصانع بالكلية، لأن القديم لا يحتاج لعلة فاعلة بنفس درجة احتياج الحادث.

بداية الكون إلى سر الروح دلائل علميّة تقوض المادية والإلحاد اختصار التهافت في المحاكمة بين الغزالي والفلاسفة

المسألة السابعة: في بيان عجزهم عن إقامة الدليل على وحدانية الواجب
موقف الفلاسفة:
يستدلون على الوحدانية بأن واجب الوجود لا يقبل التعدد والتركيب، لأنه لو تعدد لاحتاج لمميز يميز كل واحد عن الآخر، والمميز يكون زائداً على الذات، فيلزم التركيب والإمكان.
رد المؤلف:
يبين خواجة زاده أن مذهب الفلاسفة في “بساطة الذات” ونفي الصفات (كما سيأتي) يجعل إثبات الوحدانية عندهم هشاً، بل إن نظامهم في الفيض الذي يجعل العقول المفارقة وسائط في الخلق يشاركون الله في التأثير، ينافي كمال التوحيد الذي يقتضي انفراد الله بالخلق والتدبير المباشر.
المسألة الثامنة: في إبطال أن الواحد لا يكون قابلاً وفاعلاً لشيء واحد
موقف الفلاسفة:
يقولون إن الشيء الواحد البسيط لا يمكن أن يكون فاعلاً لشيء ومتقبلاً (منفعلاً) به في آن واحد، لأن جهة الفعل (القوة) غير جهة القبول (الاستعداد).
رد المؤلف:
هذا المبدأ يستخدمونه لنفي علم الله بذاته و بغيره معا (لأن العلم صورة تحل في العقل)، ويرد المؤلف بأن هذا قياس للغائب (الله) على الشاهد (الأجسام)، وهو قياس فاسد. فالله فاعل لذاته وعالم بذاته ولا يلزم من ذلك انقسام في ذاته.
المسألة التاسعة: في إبطال قولهم في نفي الصفات
موقف الفلاسفة:
ينفي الفلاسفة الصفات الزائدة على الذات (كالعلم، والقدرة، والحياة) ويقولون: علمه هو ذاته، وقدرته هي ذاته. لأن إثبات صفات قديمة زائدة يعني “تعدد القدماء” وهو شرك عندهم.
رد المؤلف:
ينتصر خواجة زاده لمذهب المتكلمين (الأشاعرة) بأن الصفات “لا هي هو ولا هي غيره”. ويرد بأن نفي الصفات يؤدي إلى تعطيل الذات الإلهية وجعلها وجوداً ذهنياً محضاً لا حقيقة له. فكيف يكون مجرد الوجود هو عين العلم وعين القدرة؟ هذا قلب للحقائق اللغوية والعقلية.
المسألة العاشرة: في تعجيزهم عن إثبات قولهم: إن ذات الأول لا ينقسم بالجنس والفصل
موقف الفلاسفة:
يقولون إن الله “وجود محض” فلا ماهية له غير وجوده، وبالتالي لا جنس له ولا فصل (أي لا تعريف منطقي له)، لأنه بسيط مطلق.
رد المؤلف:
يؤدي هذا القول إلى استحالة معرفة الله أو تمييزه عن غيره إلا بالسلب (ما ليس بجسم، ما ليس بعرض). ويرى المؤلف أن لله حقيقة وذاتاً مخصوصة تتميز بصفات الكمال، وعدم دخوله في الأجناس المنطقية لا ينفي ثبوت حقائق وصفات له تميزه عن خلقه.
المسألة الحادية عشرة: في تعجيزهم عن إثبات قولهم: إن وجود الأول عين ماهيته
موقف الفلاسفة:
في كل شيء، الماهية (ما هو الشيء) غير الوجود (أن الشيء كائن)، إلا في الله، فوجوده هو عين ماهيته.
رد المؤلف:
هذا بحث دقيق في الوجوديات. يعترض المؤلف بأن الوجود مفهوم اعتباري عام، فإذا كان وجود الله هو عين ماهيته الخاصة، لزم أن يكون المفهوم العام هو عين الحقيقة الخاصة، أو أن يكون وجود الله مشتركاً لفظياً فقط مع وجود غيره، مما يعطل طرق الاستدلال عليه.
المسألة الثانية عشرة: في تعجيزهم عن إثبات أن الأول ليس بجسم
موقف الفلاسفة:
يستدلون على نفي الجسمية باستحالة أن يكون واجب الوجود مركباً (لأن الجسم مركب من مادة وصورة أو جواهر فردة).
رد المؤلف:
يوافقهم خواجة زاده في النتيجة (الله ليس بجسم) لكنه يعترض على طريقهم. فهم يبنون دليلهم على مقدماتهم في “التركيب” و”المادة والصورة” التي قد تكون فاسدة، بينما الطريق الصحيح هو طريق المتكلمين في نفي التحيز والأعراض الدالة على الحدوث.
المسائل الثالثة عشرة والرابعة عشرة: في العلم الإلهي
موقف الفلاسفة:
وقع خلاف بين الفلاسفة، فمنهم من قال إنه لا يعلم إلا ذاته (خشية التكثر)، ومنهم من قال يعلم غيره على وجه كلي.
رد المؤلف:
يثبت خواجة زاده عموم علم الله لذاته ولغيره، لأن العلم صفة كمال، والجهل بالغير نقص، والله منزه عن النقص.
المسألة الخامسة عشرة: في إبطال قولهم إن الأول لا يعلم الجزئيات على وجه كونها جزئيات
هذه هي مسألة التكفير الثانية.
موقف الفلاسفة:
يقولون إن الله يعلم الكليات (القوانين العامة) ولا يعلم الجزئيات المتغيرة (مثل جلوس زيد الآن) بعلم جزئي متغير، لأن تغير المعلوم يوجب تغير العلم، وتغير العلم يوجب تغير العالم (الذات الإلهية)، والتغير محال على الله. فيقولون: يعلم الجزئيات “على نحو كلي”.
رد المؤلف:
هذا القول يقتضي أن الله يجهل ما يجري في الكون من تفاصيل، وهذا كفر صريح. ويرد المؤلف بأن التغير في “الإضافة” (نسبة العلم إلى المعلوم) لا يوجب تغيراً في “صفة العلم” ذاتها. فالله يعلم بعلم واحد أزلي أن زيداً سيجلس في الوقت الفلاني، وعندما يجلس، يكون علمه موافقاً للواقع دون أن يتجدد له علم، فالتغير في المعلوم لا في العلم.
المسائل (16-19): الطبيعيات والسببية
تتناول هذه المسائل إنكار الفلاسفة للمعجزات وقولهم بـ:
حياة الأفلاك وأنها تتحرك بالإرادة (المسألة 16).
أن لها غرضاً في حركتها (المسألة 17).
أن نفوس الأفلاك تعلم الجزئيات (المسألة 18).
وجوب الاقتران بين الأسباب والمسببات (المسألة 19): وهذا أخطرها. حيث يرون أن النار تحرق بذاتها ولزوم طبعها، فلا يمكن أن تمس القطن ولا تحرقه (إلا لمانع مادي). وهذا ينفي معجزات الأنبياء (كعدم إحراق النار لإبراهيم).
رد المؤلف:
ينسف خواجة زاده مبدأ السببية الحتمية (الضرورة)، متبنياً نظرية “العادة” الأشعرية. فالاقتران بين النار والإحراق هو اقتران عادي خلقه الله، وليس ضرورياً عقلياً. فالله هو الفاعل الحقيقي للإحراق “عند” مس النار، لا “ب” النار. وبالتالي، يمكن لله أن يخرق العادة ويوقف الإحراق، فتصح المعجزات.
المسائل (20-22): النفس والمعاد
موقف الفلاسفة:
النفس الإنسانية جوهر مجرد لا يفنى بفناء الجسد (المسائل 20-21).
إنكار حشر الأجساد (المسألة 22 – التكفير الثالثة): يرون أن الثواب والعقاب في الآخرة روحاني فقط (لذات عقلية أو آلام نفسية)، وأن الأجساد التي بليت لا تعود. ويؤولون نصوص القرآن في الجنة والنار تأويلاً رمزياً.
رد المؤلف:
يختتم خواجة زاده كتابه بالدفاع عن العقيدة السمعية في “المعاد الجسماني”.
قدرة الله: القادر على البدء قادر على الإعادة (“وهو أهون عليه”).
إمكان إعادة المعدوم: يثبت عقلياً أن إعادة الجسد المادي بعد تفرقه ممكنة وليست مستحيلة عقلاً.
النصوص: النصوص الشرعية صريحة في عودة الأجساد، وتأويلها إخراج لها عن ظواهرها بلا برهان قاطع، وهو كفر لأنه تكذيب للشرع فيما لا يستحيل عقلاً.
الخاتمة: قيمة الكتاب والمصادر
يمثل كتاب “التهاتف في المحاكمة” لخواجة زاده لحظة نضج استثنائية في تاريخ الفكر الإسلامي. لقد استطاع المؤلف، بدعم سياسي من السلطان الفاتح، أن يعيد صياغة العلاقة المتوترة بين الحكمة والشريعة، مقدماً نموذجاً للمتكلم المتمكن من أدوات الفلسفة، القادر على هدمها من الداخل تارة، وعلى استيعابها تارة أخرى. لم يكن الكتاب مجرد تكرار للغزالي، بل كان “تحريراً” و”تدقيقاً” و”محاكمة” عادلة، أظهرت تهافت الفلاسفة في الإلهيات، وتهافت حججهم في مواجهة قوة النص القرآني والمنطق الكلامي المحكم.

الهوامش:

  1.  هذا التلخيص مجرد عرض لمضمون الكتاب، وليس فيه التفاصيل كما في الردود بل هي مختصرة، بالتالي فلا يغني عن قراءته، إنما هو لمن لم يقرأ الكتاب ويريد أن يعرف المواضيع التي تطرق لها المؤلف.

الإحالات والمصادر

  1.  اعتمد هذا التقرير بشكل كلي وحصري على النص المحقق للكتاب: خواجة زاده، مصلح الدين مصطفى. التهاتف في المحاكمة بين الغزالي والفلاسفة. دراسة وتحقيق: د. لؤي حاتم يعقوب. دار الرسالة العالمية، دمشق، الطبعة الأولى، 2018.. 
  2. وقد تمت الاستعانة بالإشارات المرجعية الواردة في نفس الوثيقة لتوثيق آراء الفلاسفة والغزالي كما أوردها المحقق والمؤلف في الحواشي والمتن، وبعض المسائل لم أفصل فيها بعلة أن البحث سيطول وقد يصير مملا وشاقا على من يريد أن يكون صورة مجملة قبل العزم على قراءة الكتاب أو تركه. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى