أدب

يا سيد النّاس

يا سيّد النّاس، هذا يومٌ جديدٌ، في قرنٍ متأخّرٍ، تطلّ فيه الشّمسُ من طرف الأفق، يكاد البصير يراها تضرب كفًّا بكفّ؛ إذ وجدت أبناء آدم وقد أضلّتهم الأمانيُّ، وبعثرتهم الحيرات، وقصد بهم عن الصّراط رُوّادُ الضَّلالات؛ من أعداءٍ ماكرين، وأئمّةٍ مُضلّين. والهِمَمُ في أتباعكَ تتحدّر من وهنٍ إلى وهن، على وفرةٍ في الرّجال وسعةٍ من الأموال. هل بلغك خبر الأوطان الّتي احتملتَ في سبيل تحريرها الآلام الجِسام، والأثقال العِظام، كيف مُزّق شَملُها، وانفرط عقدُها، وضُربت الحدود فيما بينها؟
ها قد طوّقنا الأعداءُ من كُلّ جهة، ورمونا عن قوسٍ واحدة، بعد قرونٍ من العزّ والمنعة، وتوغّلوا في بلادك التي جاهدت عمرك في تحريرها، بتحرير أهلها من ظُّلمات الجهل، وهدايتهم بأنوار الوحي، شيّدتها لتكون قلعة الموحّدين، وحِصنَ المؤمنين إلى يوم الدِّين.
والمؤمنون بك على حال واحدة، كلّهم يشتعلُ في لواعجه الحنين إلى لُقياكَ، وإلى زمنٍ كان فيهِ طالبُكَ لا يُحجبُ عنكَ، كما لا يُحجبُ البدرُ المُنيرُ في السّماءِ الصّافيةِ عن العاشقِ المُلتاعِ ذي القلبِ المفطور. لو علمتَ كيف يُتّمت أُمّتكَ من بعدك، حتّى أمسى مهديُّنا ينتهز الفرصة ليفرّ من واقعه إلى ذكراك؛ يلتمس من قولك ما يهتدي به، ويطمئنّ إليه.
أقلّب صفحات الكتب بأصابعَ متلجلجةٍ إجلالًا لك، فتنطوي بيني وبين جنابكَ الطّاهر المسافاتُ والأزمنةُ، بما فيها من شخوصٍ وحوادثَ، وكأنّي بكَ السّاعةَ ترتقي الصَّفا، وتنادي في النّاس بفصاحتكَ المتفرّدة: “وا صباحاه”؛ فيجيءُ القريبُ، ويبعثُ نائبًا عنهُ البعيدُ؛ ليتقصَّوا خبركَ، ويعلموا أمركَ، فأنتَ الصّادِقُ فيهم والأمينُ لم تَزَلْ. تسألهم عن شيءٍ يُقرُّ به كبيرُ القَومِ، ويعلمه صغيرُهُم، قائلًا: “أرأيتُمْ لو أخبَرْتُكم أنَّ خَيلًا بسَفْحِ هذا الجبلِ تُريدُ أنْ تُغِيرَ عليكم، أصدَّقْتُموني؟” فيجيبون أسيادًا وعبيدًا، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا: “نعم، نصدّقك”.
يُصدّقونكَ ولا رَيبَ؛ فأنتَ المكشوفةُ سيرتُكَ أمامهم مُذ كنتَ في مهدِك، يرونك محمولًا على عاتقي جدّك السيّد، يفاخر بكَ قُريشًا كافّةً، شرفاءهم وعوامّهم، صادحًا: “سيكون لابني هذا شأنٌ.” ولم يدرِ، على فراسته، وبُعد نظرته، أيّ شأنٍ هذا الّذي ينتظركَ، فذُراكَ لم يُبلغْ قطُّ، وعُلاكَ لم يُشهد قبلُ، فلستَ سليلَ بيتٍ شريفٍ حسبُ، ولا رأس قبيلةٍ مُطاعٍ وكفى، ولكنّك سيّدُ النّاس بقَدَرٍ لا يُبدّلُ، وقضاءٍ مُبرمٍ منذُ الأزل.
يصدّقونكَ وقد شهدوكَ تُرفع طفلًا، تُستَوكَفُ بكَ السماء في سني الجَدبِ، وشحّ النّبتِ، فتنفتح إكرامًا لك أبواب السّماءِ، وتجابُ لبركتكِ الدّعوات، ويجود المُزن بماءٍ عذبٍ مُنهمرٍ، وتُنبت الأرضُ ما يُصلحُ أهلها من طيّب الثّمر. وقد أصاب فيك القول:

“وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجههِ

ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ”

يصدّقونَكَ ولا غروَ؛ فأنتَ فيهم الشّابُّ الطّهورُ، المنصرفُ عنِ محافلِ اللّهوِ، والمترفّعُ عن مجالسِ اللّغوِ، والمناضلُ في ميادينِ الدُّنيا بنفْسٍ هي أكرمُ من الدُّنيا. في صدركَ يقينُ المؤمنِ المُخلَصِ فلم تسجد لصنمٍ، وفي أخلاقكَ سموُّ الإنسان العليّ، فلم تحتقرُ عبدًا مُستضعفًا، ولم تتملّقُ سيّدًا متجبّرًا.
يصدّقونَكَ ما دمتَ على نحيزتك، حتّى إذا جئتهم بالحقّ الّذي فيه عزّهم، وأبنت لهم الصواب الذي يفنّد وهمهم؛ كذّبك حقدًا كلّ مسرف، وشتمك بغيًا كلّ سفيه، وقالوا فيكَ ما ليسَ فيكَ، وما تشهدُ على بطلانه عقودٌ متجلّيةٌ من عُمركَ. فطالما حسرت سيرتك اللّثامَ عن صدق حديثك، وأماطت مواقفُكَ النّقابَ عن رفيعِ منزلتكَ، وجلّت أعمالك في غدوّك ورواحك عن نُبل سريرتك، وزُهدِكَ بما في أيديهِم من جاهٍ زائف، ومُلكٍ زائل، ودينٍ باطل.
هي الأهواء جعلت على قلوبهم أقفالًا، وعلى أسماعهم وأبصارهم غشاوةً لا يرقّقها صفاء الحقّ، ولا ينفذ منها شعاعُهُ، فأقتمتْ الصّدور، وخُتِمَ على القلوب، وعُقدت لك رايات العداوة، وما دعوتهم إلّا لم فيه رُشدهم، لكن زُيّن لهم سوءُ عملهم، كما يُزيّن للنّاس اليوم، وكما زُيّن للنّاس من قبلُ في دهورٍ بَلَتْ وانطوتْ في قبضةِ الفناء، وكأنّ ضلال الإنسان ضربةُ لازمٍ؛ تمهيدًا لتُبعثَ مُصلّحًا وهاديًا.
ولقد فطرنا اللهُ -تعالى جدّه، وجلّت نِعَمُه، وعزّت أسماؤه، ودلّت عليه آياته، في كتابه المسطور، وكونه المعمور- فجعلنا -بني الإنس- مؤهّلينَ للحُبِّ، وجعلَ للمُحبِّ أحوالًا تتناسبُ مع قُربه ممّن أحبّ، فمن المُحبّينَ من يواصلُ حبيبَهُ كما اشتهت نفسه، يُجالسُهُ فيخفُّ همّهُ، ويُكاتبُهُ فيفيضُ قلمُهُ، وينظر إليه فيُربِعُ قلبُهُ، ويسمعُهُ فتطمئنُّ نَفسُهُ، وقد يكونُ في معزلٍ عنهُ لأيّ علّةٍ؛ فتضرم اللّوعةُ إليه في صدرهِ ضِرامَها، وتقيم في صدره مواكب الوجد، وتستوطن قلبه نائحات الفَقد، ولَولا الأملُ في لقاءِ الحَبيبِ لذابَ المُحِبُّ كما تذوبُ الشُّموعُ مُحترقةً على مهل.
وما يفعل مسلم هذا الزمان إذا اشتاق إليك؟ أم كيف يعالج صبره عليك؟ فالمُحبّ يألف بالضرورة حِبَّهُ، ويألفُ ما يحملُهُ حِبُّهُ من قيمٍ وأفكارٍ ومُعتقداتٍ، ويتعالى هذا الحُبُّ ويتسامى إذا كان المحبوبُ ذا ميزةٍ وشرفٍ، فكيفَ إذا كانَ وحيدَ الخليقةِ، ونادرةَ الإنسانيّةِ، والهادي إلى النعيم الذي لا ينقطع، والحارس من الشقاء الذي لا يُدفع؟ إنّهُ الحُبُّ الخليقُ بأنْ تنصدع له القلوب من قرب المحبوب من القلب، وبُعده عن العين. ولقد تعتري المُحبّ في غياب الحبيب غُربةٌ ووحشةٌ، فهذه الغربة، يا سيّد النّاس، قد أخذت مستقرّها بين جنبيّ، فزادتْ شوقَ قلبي إليكَ شُعلةً.
إنّ بني آدم قد عدلوا عن منهجك، وتنكّبوا طريقتك، وأحدثوا فينا مناهجَ مُنكرة، وتحزّبوا وتنافسوا، وأُنشئتْ في الأُمّةِ الفرقُ والجماعاتُ، كلٌّ يدّعي وصلًا بكَ، واحتذاءً بهَدْيِكَ، فإذا قرأت كلامهم، ولاحظتَ خصامهم، جلى الحقّ زيف ادّعائهم. وها أنا وقد أعيتني الحَيرة، وكثُرتْ أمامي المسالكُ، أجدُني مُنساقًا إليكَ وحدَكَ، ألتمس أسباب الوصال منْ موثوقِ حديثِكَ، وصحيحِ سيرَتِكَ.
على الله أجرك؛ كيف وقفتَ للعربِ مجتمعين، صادعًا بما وقر في صدرك الزكيِّ من الحقّ واليقين. أتصوّرك تمشي في أزقّة الطّائف تحتمل أذى الجُهّل والسُّفهاءِ، وكأنّي بنفسك العالية تذوب عليهم أسفًا، وتتأوّهُ لهم رحمةً؛ إذ تأتيهم بحبل النّجاة فيقطعونه بألسنةٍ حداد، وحُججٍ ضعاف. وما زلت بهم رؤوفًا على عداوتهم، رحيمًا رغم قسوتهم، يحشدُ لكَ القومُ الفُرسان من كلّ راكبٍ وراجلٍ، ويحملون لك السّيفَ، فترفع ذراعيكَ متضرّعًا لربّك تقول: “ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون”.
وإذ اشتدّ بالمؤمنين البلاءُ، فعطفت عليهم، وتفطّر قلبُكَ الطّاهرُ لأحوالهم، فتأمرهم بالهجرةِ إلى الحبشةِ، وتمكثُ أنتَ في وجهِ الأهوالِ في ثباتٍ وعزيمةٍ، بلا وجلٍ ولا اضطرابٍ. أيُّها الحبيبُ، آمنّا برسالتك، وصدّقنا مقولتك، ولكنّنا أقصرنا عن اللحاق بك، وكتب القدَرُ ذلك لقومٍ غيرنا، واللهُ يصطفي للأنبياء أصحابهم وحواريّيهم، فاصطفى لك خيرة أهل الدُّنيا يصحبونك، ويفدونك، إليك تهوي قلوبهم، ولعيونك ترخص دماؤهم. فذاك سيّد الأوسِ يلاحظُ حيرتكَ يوم بدرٍ، وقد جمع العدى رجالهم، وأسرجوا لحربك خيولهم، وأتوك بالسراة والكماة، يقول بشموخ السيّد المُطاع، وفدائيّة المؤمن الصّلب: “والذي بعثك فينا بالحقّ، لو استعرضت بنا البحرَ فخضته لخضناه معك، ما تخلّفَ منّا رجلٌ واحدٌ”. لقد رأى فيك الأبرار سيما الصدق فصدّقوك، وعرف الأبطال فيك الشجاعة، فخاضوا بين يديك غمار الوغى وحالهم كما قال الشاعر:

بُلهٌ إِذا لَبِسوا الحَديدَ حَسِبتَهُم

لَم يَحسِبوا أَنَّ المَنِيَّةَ تُخلَقُ

ولّت تلك الأيّام يا سيّد الناس، ونسختها أيّام النكدُ طبعها، والعجزُ نعتُها، إلّا من ثلّة في تلك الأرض التي ذكرت، جادوا بأعزّ ما ملكوا، فلا تسأل كيف خُذلوا، ولعلّهم -الساعةَ- في حضرتك، متنعّمون في مجلسك، يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، فإذا كانوا؛ فالسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وعليهم.
“ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعفُ عنّا واغفر لنا وارحمنا…”

تعليق واحد

  1. ” والمؤمنون بك على حال واحدة، كلّهم يشتعلُ في لواعجه الحنين إلى لُقياكَ، وإلى زمنٍ كان فيهِ طالبُكَ لا يُحجبُ عنكَ، كما لا يُحجبُ البدرُ المُنيرُ في السّماءِ الصّافيةِ عن العاشقِ المُلتاعِ ذي القلبِ المفطور.

    لو علمتَ كيف يُتّمت أُمّتكَ من بعدك، حتّى أمسى مهديُّنا ينتهز الفرصة ليفرّ من واقعه إلى ذكراك؛ يلتمس من قولك ما يهتدي به، ويطمئنّ إليه.

    وما يفعل مسلم هذا الزمان إذا اشتاق إليك؟ أم كيف يعالج صبره عليك؟ ”

    كانت العين تنتظر مثل هذه المقالة لتفيض..
    اللهم صلّ وسلم على الحبيب المصطفى صلاة ترضيه عنّا، اللهم لا تحرمنا جواره..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى