أشتات

“النحو الوافي” .. خارطة النحو العربي الحديثة

بزغ فجرُ العصر الحديث على الوطن العربي، وأفرختْ جهودُهُ أنظارًا أخرى، أنظارًا مغايرةً منافرةً لأسس الحضارة العربية، ومنها أسُّها الأعظم وعمادها الأمتن اللغة العربية، ثم نظامها الأصيل النحو العربي. فأُصيب النحو في مقتل، وكان ما كان مما يعرفه العارفون. حتى تداول الجميع في مسألة “إصلاح النحو العربي”، على جهات أقصاها الإنكار التام لأي خلل أو قصور، وأقصاها الآخر النسخ التام لهذا البناء الشامخ.
وكان من أفضل مؤلفات تداولات هذه المعركة كتابُ “النحو الوافي”، للأستاذ الجليل/ عباس حسن (ت 1979م)، عضو مجمع اللغة العربية السابق. وقد صدر هذا الكتاب منذ ما ربا على نصف قرن. والأستاذ عباس حسن تخرَّج في كلية “دار العلوم”، وعمل معلِّمًا للغة العربية في المدارس، ثم عالج همَّ تدريس اللغة في كلية دار العلوم، حتى صار عميدًا لدار العلوم في سالف الأيام. وهو بهذه الخبرة المتعددة قد عاين معاينةً دقيقةً إشكالَ التدريس النحوي، والإفهام النحوي للإنسان في سنيه المتعاقبة.
وكان من ظلال مشكلة النحو العربي في العصر الحديث في جانب، وخبرته العميقة في جانب آخر؛ أنْ أخرج لنا هذا السفر العظيم “النحو الوافي”، في أربعة مجلدات كبار. والكتاب ذو هدف واضح في عنوانه الكامل “النحو الوافي؛ مع ربطه بالأساليب الرفيعة، والحياة اللغوية المتجددة”. فقد قصد أولًا الإتيان على قواعد النحو في توفية لها (أيْ كل القواعد)، وقصد ثانيًا إلى “تحديث النحو العربي”، وهو مصطلح مرتبط بالحراك الدائر ساعتها، وهناك الكثير من الكتب والمؤلفات استظلَّت بهذا الأفق، ومنها الكتاب الشهير “تجديد النحو” لشوقي ضيف.

الوافي . خارطة النحو العربي الحديثة "النحو الوافي" .. خارطة النحو العربي الحديثة

إيراد “النحو الوافي” للقواعد النحوية

أما عن الهدف الأول في الكتاب -أقصد نظم القواعد النحوية على سبيل أقرب للكمال-؛ فقد اختار المؤلف ترتيب أبواب النحو (من بين اختيارات ترتيب كثيرة) على ما ارتضاه إمام النحو المتأخر محمد بن مالك (ت 672هـ)، في منظومته المُسمَّاة “الخلاصة الكافية” المعروفة بألفية ابن مالك. وقد اختارها لاستقرار الدرس النحوي العام عليها في الأزهر ودار العلوم وغيرهما من محلات العلم المشهودة؛ وكذا لتحسينه إياها وتصويبه طريقتها في ضم أبواب النحو، على طريقة الزمخشري في “المُفصَّل”.
أما عن المراجع النحوية فقد عاد الأستاذ عباس إلى غالب التراث النحوي المعروف، بعد أن فهمه فهمًا وحقَّقه تحقيقًا، في جدية واضحة لا لبس فيها؛ ليحشد لنا هذا الحشد من القواعد النحوية، ومن البناء النحوي كاملًا. ومن الكتب التي استعان بها: الكتاب لسيبويه (ت 180هـ)، وحواشيه، والمفصل للزمخشري (ت 538هـ) وشروحه، وكافية ابن الحاجب (ت 646هـ) وشروحها، وشروح الألفية والحواشي عليها، ومؤلفات السيوطي (ت 911هـ)، مثل جمع الجوامع، وشرحه الهمع، والأشباه والنظائر. وأعتقد أنه آخر من استدلَّ به -فيما رأيت-. وهنا أنوِّه أن المؤلف ضمَّ لهذه المصادر مقررات المجامع اللغوية العربية، ونتائج مؤتمراتها الرسمية.
كما رجع إلى كثير من المصادر اللغوية والأدبية، في حشد من المراجع يمكن إدراك حجمه بسهولة من أقل مطالعة للكتاب. ومما التزم به الأستاذ عباس التخفيفُ من إيراد هذه المراجع في النص إلا عند المواضع الإشكالية، أو النقاش الخاص لرأي بعينه؛ فيصرِّح بصاحب هذا الرأي. هو متى صرَّح بالمرجع يورده بالتحديد، مُصرِّحًا بالكتاب (متنًا أو حاشية)، وصاحبه، والباب أو الصفحة متى تمكَّن. وفي القواعد أو الخلافات المشهورة قد يكتفي بـ”هذا رأي جمهور النحاة، أو قالت طائفة منها، أو قال الجزء الأعظم”.
أما عن ترتيبه هو للقواعد وشرحها فقد التزم بنظام دقيق جدًا، بناه على الفئة المُستهدفة من القراءة. فقد قسَّم عرض أي موضوع نحوي إلى قسمين: الأول قسم مُوجَز لطلبة الدراسات النحوية والصرفية بالجامعات -كما صرَّح هو نفسه على صدر الصفحة الأولى-. وفي هذا القسم يبدأ في تناول الموضوع النحوي ببساطة ويسر، وصولًا إلى القاعدة الرئيسة أو القواعد الحاكمة الأصيلة في الموضوع. وقد يبدأ بمدخل نثري يخاطب به القارئ مباشرةً، وقد يبدأ بالنظر في أمثلة، وقد يبدأ رابطًا الموضوع بما قبله. هذه طرق لم يلتزم فيها بواحدة، بل بما يراه مناسبًا، وأشد إفهامًا للقارئ.
ويقتصر في هذا القسم بعرض الموضوع المبحوث في بنائه الأصيل كاملًا، دون التعرُّض لتفريعات أو نقاش لهجات غير الفصحى. والأبواب النحوية الصغيرة يتناولها دفعة واحدة، والأبواب الكبيرة يقسِّم كلًّا منها إلى أفكار جزئية متتالية.
وقد قسَّم هذا القسم المُوجَز إلى متن وهامش؛ وأجاد استخدام الهامش كلَّ الإجادة، ليصنع ما أصفه بشبكة كاملة أو خارطة للنحو العربي. فهو يستخدم الهامش لعدد من أهدافه الأصيلة، وهي:

  1. يودع فيه بيت الألفية المشروح أعلاه، في نهاية الموضوع أو الموضع -متى تعددت الأبيات حول الموضوع-.
  2. يدرج فيه المرجع متى كان ذا استخدام واضح في الشرح أعلاه.
  3. ينبِّه فيه على تتميمِ هذا الموضوع، أو لازمِهِ في موضع آخر من الكتاب، مع التحديد الدقيق للموضع بالجزء ورقم الصفحة.
  4. ينوِّه فيه على ورود أي موضوع أو مصطلح ذُكر عَرَضَا في موضع سابق، مع تحديده، أو على إيراد هذا الموضوع أو المصطلح في موضع لاحق، مع تحديده.
  5. يفسر فيه الغامض من اللغة، أو الاصطلاح، أو يورد فيه الدلالة الاجتماعية لبعض الألفاظ المذكورة في الشواهد.
  6. يفصِّل فيه بعض التفصيل غير اللازم للفئة المستهدفة من الشرح أعلاه، ويورد فيه فلسفة القاعدة، أو لازم القاعدة. وليست مما يعرضه في القسم الآخر.

فكأنه بهذه الهوامش شديدة الدقة قد رسم خارطة للنحو العربي حقيقةً، فصار جسدًا شديد اللصوق والتعاضد.
ومن الطرائق في العرض التي استخدمها إيداعُه الكتابَ خريطتين حقيقيتين مُلصقتين مطويتين، تنشران بيد القارئ في ورقة كبيرة. إحداهما (وهي الصغرى حجمًا) في الجزء الأول، يشرح فيها البناء، والأخرى (وهي العظمى حجمًا) في الجزء الرابع، يشرح فيها اتصال الضمائر بالأفعال.
أما القسم الآخر من الكتاب، فقد خصصه الأستاذ عباس للمتخصصين، أيْ للطلاب الذين يتخصصون في النحو العربي بعد الجامعة، أو من خارج سلكها الرسمي؛ وللأساتذة الذين يدرسون النحو العربي. وسمَّى هذا القسم “المُفصَّل”، وجعل في أعلى صفحاته سطرين من النقاط علامةً عليه. وهو موزَّع بعد كل باب، أو بعد كل موضع من الأبواب الكبيرة. وهذا القسم مخصص لتفصيلات القواعد، ولإيراد قواعد اللهجات العربية، ولبسط النقاش في مسألة العوامل النحوية في الباب، ولغير هذه الأغراض. وكلُّه نقاش لن يفهمه ولن يقدره إلا ذوو التخصص والرسوخ. وقد قسَّم هذا القسم إلى متن وهامش، لكن الهامش هنا أقل استخدامًا ونجاعةً من القسم الأول بطبيعة الحال.
ولعلَّ العرض السريع لتقسيم الكتاب يُوقف المتأمِّل على الجهد الهائل الذي ألزم الأستاذ عباس نفسه به في تقديم هذه التجربة، وكذا يُوقف على ضرورة معرفة التقسيم قبل البدء في الكتاب. فهو مخالف لغالب الكتب النحوية التي أرادت عرض المادة النحوية في العصر الحديث، لذا قد يجد القارئ بعض اضطراب يصده عن الإكمال، حتى لَقد يشعر أنه تائه في خضم بحر!
وهذا يجرنا إلى آخر ما في بناء الكتاب؛ وهو فهارس الموضوعات التي أثبتها الأستاذ عباس في أول كل جزء، وحرص على أن تكون هذه الفهارس على نمطين: نمط كُلي يكتفي بالموضوع وبنائه، وآخر تفصيلي، يذكر فيها أدق الموضوعات المتناولة. وهذه الفهارس لها اليد الطولى في عون الراغب في الاطلاع على الكتاب أو الإفادة الجزئية منه؛ فتُدني للناهل رفده المرجو من أقصر طريق.

الحرف "النحو الوافي" .. خارطة النحو العربي الحديثة

تجديد النحو العربي في تصور “النحو الواضح”

كانت آفاقُ تجديد النحو العربي تُظِلُّ جهودَ الكثرة الكاثرة منذ بدأت المعركة. وكان فريق واسع يبحث في طرائق لتجديد النحو، مُحافظًا فيها على بنيته الكلية، مع اعترافه بقصور بعض ما فيه، أو ما في السلوك النحوي من النحاة على وجه الدقة. وكان أعظم جانبين نحويين نُظر إليهما -أقصد من رجال هذا الفريق- بوصفهما قاصرين: نظرية العمل النحوي، والشواهد النحوية القديمة. فقد اعتبرا محلًا من محلات الوَهن التي يجب أن تُزال أو تُعدَّل تعديلًا جوهريًّا (وفي جانب الشواهد المستخدمة اشتركت كُتُب البلاغة الحديثة في تغييرها أيضًا).
ولننظر إلى أثر من المرحلة لنعلم ما دار في الوعي العام ساعتها. هذا بعض ما ذُكر في مقال “زيد وعمرو” للمنفلوطي (ت 1924م)، في كتابه “النظرات” المنشور بعد 1910م. يقول: “لا ينال المُتعلِّم حظَّه من العلم إلا إذا استطاع تطبيقه على العمل، والانتفاع به في مواضعه ومواطنه التي وضع لأجلها، ولن يستطيع ذلك إلا إذا استكثر له مُعلِّمه من الأمثلة والشواهد الملائمة لقواعد ذلك العلم، وافتنَّ له في إيرادها افتنانًا يقرِّب إلى ذهنه تلك الصلةَ بين العلم والعمل، ويُسهِّل له الوصول إلى القدرة على تلك المطابقة. وإنَّ أكثر المتعلِّمين في مدرسة الأزهر أبعدُ الناس عن القدرة على المطابقة؛ لما حال بينهم وبين ذلك من الوقوف عند المثل الواحد لكل قاعدةٍ من قواعد العلم، فلو أنت أردت أحدهم على أن يخرج في المنطق عن الحيوانية والناطقية، وفي النحو عن ضرب زيد عَمْرًا وقَل خالد بكرًا، وفي البيان عن تشبيه زيد بالبدر، واستعارة الأظافر لِلْمَنِيَّةِ، وفي الصَّرف عن فعللَ وافعوعل؛ لوجدت في نفسه من الجهد والمشقة وفي لسانه من العِيِّ والحَصْرِ ما يحزنك على أعوامٍ طوالٍ قضاها بين المحابر والدفاتر، ثم لم يحصل من بعدها على طائل”.
وأظن -فيما أظن- أن هذا النص وغيره أثَّر في تكوين جزء من عقلية الأستاذ عباس في كتابه. فقد آثر الأستاذ تجديد الشواهد المستخدمة، وترك الشواهد القديمة المُستهلكة؛ التي -في نظره- تُبعد المتعلمين عن اللغة، وتُصوِّرها لهم في صورة البناء الغريب المُنبتّ العلاقة به وبحياته؛ مُؤثِرًا شواهد من اللغة المستخدمة اليومية، ومن الشعر الحديث من شوقي وغير شوقي.
وليس أدل على كون هذا الإجراء في عملية الاستشهاد النحوي هدفًا من إدراج المؤلف لها في عنوان الكتاب الفرعي، ومن تصريحه بها في مقدمة الكتاب التي سماها “مقدمة الكتاب، ودستور تأليفه”. ورغم هذا التصريح إلا أن معالجة القواعد ألجأته إلجاءً لإيراد الكثير من الشواهد القديمة المستخدمة في المحلات نفسها؛ خاصةً متى ارتبط الشاهد برأي عدل عنه، أو قدح فيه، أو رغب في ترجيحه.
أما عن نظرية العمل النحوي؛ فقد جانبها المؤلفُ في كثير من الأحيان، بل قدح فيها قدحًا. وهو في هذا متأثر بالاتجاه الوصفي في اللغة، مُغلِّبًا إياه على الاتجاه المعياري. وعلى هذا، اكتفى في تعليله القواعد على علة الاستخدام العربي، دون تعويل على العامل النحوي المقرر من جمهور النحاة. وظهر هذا التصرف كذلك في اقتصاره واقتصاده في باب التعليلات النحوية، بل رميه الكثير منها بالخطأ والخطل، واتهامه جمهور النحاة فيها بالتعسف وخفة التعقل فيما أتوا به. وكذا ظهر هذا التصرُّف في اقتصاده من فلسفة النحو، ومن الارتفاع بالقواعد إلى أصول كلية، أو حِكَم ظاهرة أجهد النحاة في تجليتها طوال تأليفهم النحوي.
وهنا أقف لأقرر أن هذا الكتاب اجتمع فيه أمران متناقضان: عظمُ فضله في تقريب النحو وحشد قواعده في كتاب عصري، والمشاركةُ في القطيعة المعرفية مع التراث النحوي، بل التراث العام. فقد صِيغ النحو العربي في لُحمة مشتركة مع العلوم العقلية الأخرى، وتبادلت التأثير والتأثر. يعرف هذا كبار طلاب العلم والمتبحرون فيه. وعليه، وجب التنويه على هذا السمت في الكتاب، وما أورثه من خصائص عديدة قد تخفى على الخضم الأعظم من طلاب العلم في السنوات الأخيرة.
وبعد، فهذا تعريف مقتضب عن كتاب عظيم، وسفر قدَّم خدمة هائلة للأمة العربية. وقد ظهرت بين طياته معالم التوفيق الإلهي لعبدِهِ “عباس حسن”، ليمده بهذا البناء الهائل الذي أودعه كتابه. وعن نفسي، فقد صاحبت الكتاب منذ عشرين عامًا، ومنذ امتلكته كان قادرًا على إغنائي عن الكتب الأخرى الأقدم، وعلى لساني الشخصي أردد منذ مدة: إن النحو الوافي من أعظم ما دوِّن في الحضارة العربية في العصر الحديث. رحم الله الأستاذ الجليل/ عباس حسن، وأجزل له المثوبة، وأمدَّنا بمدد لإكمال مسيرة تلك العلوم القيِّمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى