المدونة

لا نهضة بلا إصلاح

أزمة الحركات الإصلاحية المعاصرة في ميزان مالك بن نبي

ليس أكثر حضورًا في اليمن من خطاب الإصلاح والتمسك بالمبادئ والحفاظ على الهوية، ومحاربة التغريب، ولا أقل في الواقع من نتائجه؛ فبين تعدد الرايات، وكثرة الحركات، وتضخم الشعارات، يبدو الواقع وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس: حيث تتآكل المبادئ، وتُنزع الحشمة، وينحسر التدين، وتتربع المشهورات على المنصات، ويفقد الشعب أغلى ما يملكه يومًا بعد يوم. هنا، ومع هذا المشهد المظلم، يطرأ سؤال: أين الدور الإصلاحي؟ وأين ثمرة الجهود التي بدأت قبل انتهاء الإمامة؟ وما السبب وراء تخلي اليمني عن ميزته التي عُرف بها خلال العقود الماضية؟ ونحن إذ نقول ذلك، لا نعمم الخطاب لكل اليمنيين، ولكننا نلحظ عددًا هائلًا من المتمردين ممن لم يكن لنا عهد بهم، وتطبيعًا مخيفًا لأمور كنا نعدها قبل خمسة أعوام من الموبقات المهلكات.
هنا يبرز سؤال: هل المشكلة في غياب الإصلاح أم في طبيعة الإصلاح ذاته؟ وهل أخطأت الحركات الإصلاحية الطريق، ومر بها ليل أطفأت فيه الأنوار، وقادت المشهد في ظلمة دامسة، متبعة ما يسبقها من المركبات؟
وهذا ما طرقه مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة”، حين نقد التحول الذي بُليت به الحركة الإصلاحية بعد أن بدأت أولى خطوات النهضة خلال عشرة أعوام، ثم سلكت طريق المطالبة بالحقوق وصناديق الاقتراع، ووثنية جديدة -حد تعبيره- فاجتثت العاصفة ما غرسته قبل أن يشتد غصنه، وتعلق بالأرض جذوعه، وطارت مهب الريح. فهو يرى أن أخطر ما تقع فيه الحركات الإصلاحية هو الخلط بين الحركة والنهضة؛ فالحركة في حد ذاتها ليست دليلًا على الوعي، كما أن الضجيج لا يعني التقدم. كثير من الحركات – في نظره- تبدأ بنوايا صادقة، لكنها تفشل لأنها تنطلق من تشخيص خاطئ للمشكلة؛ فهي تظن أن العلة في النظام السياسي، أو في الاستعمار الخارجي، أو في الخصوم، بينما تغفل العلة الأعمق: الإنسان القابل للفساد، القابل للاستبداد، القابل للهزيمة.
هذا التشخيص ينسجم بوضوح مع الحالة اليمنية؛ حيث تحولت كثير من الحركات الإصلاحية إلى كيانات تشتغل داخل دائرة الصراع، لا داخل مشروع البناء. انشغلت بمن يحكم قبل أن تسأل: من هو الإنسان الذي سيُحكم؟ وتصارعت على السلطة قبل أن تؤسس للوعي الذي يحفظها.
وضع بن نبي معادلته الحضارية المعروفة: إنسان + تراب + وقت. غير أن هذه المعادلة لا تعمل إلا إذا كان الإنسان مؤهلًا نفسيًا وفكريًا وأخلاقيًا لحمل المشروع الحضاري؛ فالأرض موجودة، والوقت يمضي، لكن الإنسان إذا فسد أفسد كل شيء.
المأزق اليمني أن الحركات الإصلاحية تعاملت مع الإنسان باعتباره وسيلة لا غاية: وقودًا للصراع، أو رقمًا في الحشد، أو أداة في التعبئة. لم تسعَ جديًا إلى تحرير وعيه، أو بناء منظومته القيمية، أو إخراجه من عقلية الثأر والغلبة وردّ الفعل. وهنا—بحسب بن نبي—تتحول الأفكار من قوة بناء إلى أفكار ميتة لا تحرك التاريخ، أو أفكار قاتلة تدمّر المجتمع باسم الإصلاح.

تحديات الواقع:
إن الأفكار التي سعت الحركة الإصلاحية في اليمن لمحاربتها وتحصين المجتمع منها – من اشتراكية ماركسية، ورأسمالية غربية، وقومية ناصرية- لم تعد اليوم تمثل الخطر الذي كانت تمثله في السبعينيات من القرن الماضي؛ فلا نجد شابًا في الجامعة يعتنق أفكار ماركس ولينين، ولا يتغنى بأفكار البعث والقومية. فتلك أفكار قد طمستها الصحوة، ودفنتها وسط الرمال، ولم يبقَ منها أثر يُذكر إلا ما خُط في الكتب والمقالات. وكان للحركة الإصلاحية الدور الكبير آنذاك في هذا الكفاح الفكري العظيم؛ ولكن الإشكالية التي تعيشها الحركة الإصلاحية اليوم، والمعضلة الكبيرة، أنها لا تزال تعيش في قرنها الغابر، وتتمسك بنفس المناهج، وتدرس طلابها نفس الكتب، وتحيلهم لنفس المجلدات. وكأن المطابع العربية قد نفد حبرها، والأقلام قد توقفت عن التأليف.
جيل اليوم يعاني من مشاكل عصرية لا تعالجها تلك المؤلفات؛ فمن أين سيلتفت لفقه الواقع والفكر المعاصر، ويتحصن ضد ما يُنشر من أفكار؟
المنظمات الدولية تعبث بالشباب؛ تغرز أفكارها الملوثة وسط الندوات العلمية والمؤتمرات، وتمررها من خلال حملة تطوعية يشارك فيها عشرون شابًا وفتاة. العنوان براق، والمحتوى مفيد، والمحاضر خريج أكسفورد؛ ولكن هناك سم قد دُس في الإناء دون أن نشتم رائحته، ودون أن يقطع علينا لذة الاستمتاع بالطعام. ولكننا سنعاني منه بعد أيام، أو أشهر، وربما سنوات؛ عندها لن يكون لعقاقير الطبيب منفعة، بعد أن تشرب الجسم السم، ووصل – عن طريق كريات الدم الحمراء- إلى كل عضو، وكان لكل خلية منه نصيب.
كثيرًا ما سمعت من يدافع عن تلك المنظمات، ويبرز أعمالها -إنجازاتها كما يدعون- ونحن إذ نعارض عملها، فلسنا نعارض كل المنظمات، ولا نضعها في نفس السلة، ولسنا أعداء للعمل النقابي؛ ولكننا نحارب من يتجاهل تعاليم ديننا، ويهدم عاداتنا، وينخر مجتمعنا، ويسمم أجيالنا من حيث لا يشعرون. جلسة شاب ساعة أو ساعتين داخل قاعة مؤتمر، أمامه فتاة وبجانبه فتاة، ليست لقطة عابرة؛ بل حاجز يهدم، وحشمة توأد، وبوادر انفراط عقد الحياء الذي ظللنا محافظين عليه لسنوات.
خليط الطلاب داخل القاعات، ومشاريع التخرج التي يدمج فيها الشباب والبنات، وأنظمة معاهد اللغات، وكثير من المنصات؛ كل منها ماسك بمطرقته يهشم ما استطاع.
وتلك ما هي إلا قطرة من بحر المتغيرات التي طرأت على الأمة في العقد الأخير، وأصبحت هي الساحة الأولى للتأثير. وعلى الجانب الآخر، نجدها قد أُغفلت وسقطت من الخطاب الإصلاحي وكأنها مسلّمة من المسلّمات.
وإن كان هذا الإسقاط له أسباب عديدة، فالانشغال بمعترك السياسة لهو سبب رئيسي، وله أثر كبير فيه؛ فمن يخوض هذا الغمار لن يجد من النقاهة ما يرى به مشاكل الشباب، فالسياسة تطحن الفرد كما تطحن الرحى حبوب الشعير. إلى جانب الحسابات التي يجيدها السياسيون: من تغليب المصالح المبالغ فيه، والحذر من كابوس التصنيفات، والتشكل حسب الواقع الدولي وما يُرضي قوى التأثير. وهذا لا يعني بالضرورة وجوب ترك السياسة واتخاذ حياة الدراويش، والتقوقع حول النفس؛ لكن يجب ألا يكون الفرد وإصلاحه، والحفاظ على فكره نقيًا، هو آخر الأولويات.

صلاح الفرد نهضة شاملة:
يرى مالك بن نبي أن الإصلاح الحقيقي لا يكون جزئيًا أو موسميًا، بل حضاريًا شاملًا؛ إصلاح يبدأ من الفرد، ويمر بالمجتمع، وينتهي بالدولة، لا العكس. وهذا ما غاب عن كثير من الحركات اليمنية، التي أرادت اختصار الطريق، فقفزت إلى السياسة قبل تهيئة الأرضية الاجتماعية والفكرية. إن طريق النهضة في اليمن لا يمر عبر السلاح، ولا عبر الاستقطاب لنضمن صوت انتخابات، ولا عبر فرد كل ما يهمنا منه أن يأخذ بطاقة عضوية؛ بل عبر مشروع طويل النفس، يبدأ بإصلاح التعليم، وبناء الفرد والمجتمع.
النهضة مسار تراكمي، يبدأ بالوعي، ويترسخ بالعمل، ويُحفظ بالأخلاق. وما لم تدرك الحركات الإصلاحية هذه الحقيقة، فإنها ستظل تدور في حلقة مفرغة؛ تُغيّر الوجوه، وتُبقي الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى