أشتات

“آل البيت”.. قراءة أصولية في المصطلح

تمهيد

إنَّ دراسة المصطلح الفقهي أو العقدي دراسة أصولية تعني التعامل معه لا بوصفه لفظًا لغويًّا مجرَّدًا، ولا بكونه اصطلاحًا عرفيًّا متأخِّرًا، بل باعتباره دالًّا شرعيًا نشأ داخل منظومة الاستدلال (الكتاب والسنَّة)، وتحكُمُه قواعد الوضع الشرعي، والدلالة الشرعية، والاستعمال الشرعي، والتخريج الأصولي.
وقد رأينا في الورقة البحثية المنشورة سابقًا، تحت عنوان: “آل البيت” في القرآن الكريم والسنة النبوية.. نظرة استقرائية تحليلية” (في جزأيها الأوَّل والثاني)، كيف أنَّ لفظ “آل البيت” لم يرد بهذا التركيب في القرآن الكريم، ولا في صحيح السنَّة النبوية، وأنَّ الذي ورد لفظ “أهل البيت” و”آل محمَّد”، وأنَّ هذين اللفظين الثابتين، سواء في القرآن الكريم أو في صحيح السنَّة النبوية، أو في كليهما معًا، لم يخرجا في التركيب والدلالة عن قواعد اللغة والوضع اللغوي، ومِن ثمَّ فإنَّ لفظ “آل البيت” بهذا التركيب لفظ منتحل، وهذا يوجب محاكمته إلى القواعد الأصولية التي تحمي دائرة الشريعة مِن الابتداع.
ومعلوم أنَّ التقيُّد بالمحكمات، وبما ثبت في القرآن الكريم والسنَّة النبوية، مِن الألفاظ ودلالاتها، دون تجاوز للحدِّ غلوًّا أو جفاءً، هو المنهج الأصوب والأحكم والأسلم، خصوصًا إذا دبَّ الخلاف وبدا الانحراف. وهذا هو ما يميِّز أهل العلم والتقوى عن غيرهم مِن أهل الأهواء والفتنة، قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُّحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلِهِ وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلبَابِ))، آل عمران: 7. وقد نهى سبحانه وتعال القول على الله ورسوله بغير علم: ((يَا أَهلَ الكِتَابِ لَا تَغلُوا فِي دِينِكُم وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحَقَّ..)) الآية، النساء: 171. وعاب على الملبِّسين الذين يدخلون في كتاب الله ووحيه ما ليس مِنه، فقال تعالى: ((وَإِنَّ مِنهُم لَفَرِيقًا يَلوُونَ أَلسِنَتَهُم بِالكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِن عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِن عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُم يَعلَمُونَ))، آل عمران: 78.
لذلك، سوف نمضي في مناقشة هذا المصطلح “آل البيت” وفق منظور أصولي شامل، للتحقُّق مِن ثبوته ودلالته.

أوَّلًا: “آل البيت” في آثار الخلفاء المهديين الراشدين:

يعدُّ الصحابة -رضي الله عنهم- مرجعًا أصيلًا للأمَّة في تلقِّي الدين وفهمه وتنزيله، وما لم يكن دينًا في عهدهم وزمنهم لا يكون دينًا بعدهم، إذ لا يمكن أن يفوتهم شيء مِن الدين وعليهم أنزل. ولهذا قرَّر العلماء بأنَّ إجماع الصحابة حجَّة، وأنَّ قول نفر مِنهم إذا اشتهر ولم ينكره أحد مِن الصحابة، ممَّا لا يعارض أو يناقض نصًّا ظاهرًا صريحًا حجَّة كذلك (على خلاف بين العلماء).
قال ابن تيمية -رحمه الله: ” ومَن قال مِن العلماء: إنَّ قول الصحابي حجَّة، فإنَّما قاله إذا لم يخالفه غيره مِن الصحابة، ولا عرف نصٌّ يخالفه، ثمَّ إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارًا على القول، فقد يُقال: هذا إجماع إقراري، إذا عُرِف أنَّهم أقرُّوه، ولم ينكره أحد مِنهم، وهم لا يُقِرُّون على باطل، أمَّا إذا لم يُشتهر فهذا إن عُرِف أنَّ غيره لم يخالفه فقد يُقال هو حجَّة، وأمَّا إذا عُرِف أنَّه خالفه فليس بحجَّة بالاتِّفاق، وأمَّا إذا لم يُعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يُجزم بأحدهما؛ ومتى كانت السنَّة تدلُّ على خلافه كانت الحجَّة في سنَّة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم، لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم”[1].
وعليه فإنَّه لا يمكن أن يكون لفظ “آل البيت” بحمولته التي اصطناعها الصانعون خافيًا على الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين. وهذا بخلاف “أهل النبي” أو “أهل بيت النبي” أو “أهل محمَّد” أو “آل محمَّد” في سياقاتها اللغوية العرفية التي يشترك فيها النبيُّ وبقيَّة الناس، وقد ذكرنا ورودها في الكتاب والسنَّة على معهود اللغة والعرف.
وفي مقدِّمة الصحابة -رضي الله عنهم- الخلفاء الأربعة، المهديين الراشدين، الذين أجمعت الأمَّة على تقديمهم، وكانت خلافتهم على منهاج النبوَّة، وهم على صدارة العشرة المبشَّرين بالجنَّة، وفيهم قال -صلَّى الله عليه وسلَّم: (عليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المَهْديِّينَ مِن بعدي، عضُّوا عليها بالنواجِذِ، وإيَّاكُم ومُحْدَثَاتِ الأمورِ فإِنَّ كلَّ بدعة ضلالة)[2].
وبالرجوع إلى كتاب “جامع الآثار القولية والفعلية الصحيحة للخليفة الراشد أبي بكر الصديق”[3]، وكتاب “جامع الآثار القولية والفعلية الصحيحة لأمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب”[4]، وكتاب “جامع الآثار القولية والفعلية الصحيحة للخليفة الراشد عثمان بن عفَّان”[5]، وكتاب “جامع الآثار القولية والفعلية الصحيحة للخليفة الراشد علي بن أبي طالب”[6]، والبحث فيها، بشكل تقني حاسوبي وبجرد عاجل، عن لفظ “آل البيت”، حيث ضمَّت هذه الكتب آثارًا مِن أقوال وأفعال الخلفاء المهديين الراشدين، ثبت أنَّ لفظ “آل البيت” لم يرد في هذه الآثار على لسان أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي، رضي الله عنهم أجمعين[7]. علمًا بأنَّه ورد في هذه الآثار عبارات: “أهل النبي”، “أهل بيته”، “أهل بيتي”، “آل محمَّد”، قرابة النبي، نساء النبي، زوجات النبي، آل أبي بكر، آل عمر.. وغيرها مِن ألفاظ استخدمت في سياقها الطبيعي الاعتيادي، وفق وضعها اللغوي العُرفي.
وورد في “جامع الآثار القولية والفعلية الصحيحة لأمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب”، عن أبي عثمان قال: بلغ عمر -رضي الله عنه- أنَّ رجلًا قال: يا آل بني تميم! قال: فحَرَمَ عمر بني تميم العطاء سنة، ثمَّ أعطاهم في رأس السنة عطاءين[8]؛ وذلك إنكارًا مِنه للتفاخر بالأنساب.
وورد في “جامع الآثار القولية والفعلية الصحيحة للخليفة الراشد عثمان بن عفَّان”، عن جبير بن مطعم أنَّه جاء هو وعثمان بن عفَّان -رضي الله عنهما- يكلِّمان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فيما قسَّم مِن الخمس بين بني هاشم وبني المطلِّب، فقلت: يا رسول الله.. قسَّمت لإخواننا مِن بني المطَّلب، ولم تعطنا شيئًا، وقرابتنا عنك واحدة؟ فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم: (إنَّما بنو هاشم وبنو المطَّلب شيء). قال جبير: ولم يقسم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل، مِن ذلك الخمس، كما قسم لبني هاشم وبني المطَّلب. وقال: وكان أبو بكر يقسِّم الخمس نحو قسم رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم، غير أنَّه لم يعط قربى رسول الله ما كان النبيُّ يعطيهم. قال: وكان عمر يعطيهم مِنه، وعثمان بعده[9]. فدلَّ على أنَّ الأمر ليس اعتبار القربى فقط، وإنما القربى والتناصر، وأنَّه لو ثبت اصطلاح “آل البيت” لكان هذا موطن استخدامه.
وورد في “جامع الآثار القولية والفعلية الصحيحة للخليفة الراشد علي بن أبي طالب”، الحديث الوارد في سنن النسائي[10]، وفيه ذكر “أهل بيت النبي” و”آل علي”، باعتباره ضمن أهل بيته، وفي أمر يتعلَّق بواقع ظرفي؛ وكذلك الحديث الوارد في صحيح مسلم[11]، وفيه: (وَأَهلُ بَيْتي، أُذَكّرُكُم اللَّهَ في أَهلِ بَيتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ في أَهلِ بَيتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهلِ بَيتي). فقال له حُصَين: ومَن أَهلُ بَيتِهِ.. يا زَيدُ؟ أَليسَ نِسَاؤُهُ مِن أَهلِ بَيتِهِ؟ قال: نِسَاؤُهُ مِن أَهلِ بَيتِهِ، ولَكِن أَهلُ بَيتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعدَهُ، قال: ومَن هم؟ قال: هم آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ وآلُ جَعفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، قال: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قال: نعم[12]؛ وغيرها مِن الأحاديث التي أثبتناها في الورقة السابقة.
كما جاء فيه الأثر الذي رواه جابر بن عبدالله، رضي الله عنه، عن غزوة حنين[13]، والذي فيه: “ثبت معه صلَّى الله عليه وسلَّم أبو بكر وعمر، ومِن أهل بيته: علي بن أبي طالب، والعبَّاس بن عبدالمطَّلب، وابنه الفضل بن عبَّاس، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد، وهو ابن أمِّ أيمن، وأسامة بن زيد”. فأدخل الراوي -وهو مِن الصحابة- أبا سفيان وربيعة وأيمن وأسامة في أهل بيته، ما يعني أنَّ دلالة الأهل تتَّسع وتضيق حسب السياق.
كما جاء فيه حديث: (بمَ أهلَلتَ؟ فإنَّ معنَا أهلَكَ)، يقصد رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بذلك فاطمة زوج عليٍّ -رضي الله عنه، وهو يخاطبه، حيث نسبها هنا إلى عليٍّ[14]. وكذلك حديث طلب فاطمة والعبَّاس -رضي الله عنهما- إرثهما مِن رسول الله مِن أبي بكر -رضي الله عنه، وفيه أنَّه قال لهم: “إنَّما يأكُل آل محمَّد في هذا المال، واللَّه لَقَرَابَةُ رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أحَبُّ إليَّ أن أصِل مِن قَرَابَتِي”، فاستخدم عبارة “آل محمَّد” و”قرابة رسول الله” في إشارة لقرابته في زمنه، ولم يُورد عبارة “آل البيت”[15].
كما جرى الرجوع إلى مسند مرويَّات عبدالله بن مسعود وعبدالله بن عبَّاس -رضي الله عنهما، والبحث فيهما بشكل تقني حاسوبي، عن لفظ “آل البيت” في هذه المرويَّات، وثبت أنَّ لفظ “آل البيت” لم يرد في مرويَّاتهما كذلك.
فهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ هذا اللفظ المركب “آل البيت” لفظ محدث مبتدع، لم يرد في كتاب ولا سنَّة ولا على لسان الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين، وبالأخصِّ مِنهم الخلفاء الأربعة.

البيت في القرآن الكريم والسنة النبوية 2 1 "آل البيت".. قراءة أصولية في المصطلح

ثانيًا: “آل البيت” في معهود القرآن والسنَّة:

مع عدم ورود لفظ “آل البيت” في القرآن الكريم وفي صحيح السنَّة النبوية، نقول تجوُّزًا مع المخالف: على افتراض ثبوته في بعض المرويَّات التي ذهب بعض العلماء لتصحيحها، أو على اعتبار أنَّ معنى “آل البيت” يُطابق ويضاهي معنى “آل محمَّد” أو “أهل البيت”[16]، فإنَّ محاكمة هذا اللفظ إلى معهود وعُرف القرآن والسنَّة واجب، فهما ميزان القبول والردِّ. فمِن قواعد تفسير القرآن الكريم وشرح السنَّة النبوية إجراء ألفاظهما وحمل معانيهما على العُرف الغالب في ألفاظهم وأساليبهم، ومعهود استعمالهما؛ وهو أحد أساليب الترجيح لدى المفسِّرين والشرَّاح. يقول ابن تيمية -رحمه الله، حول اختلاف التابعين في التفسير: “فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجَّة على بعض، ولا على مَن بعدهم، ويُرجع في ذلك على لغة القرآن أو السنَّة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك”[17].
وعُرف ومعهود القرآن الكريم أو السنَّة النبوية في استعمال اللفظ أو الأسلوب لا يجعله وضعًا شرعيًّا إلَّا إذا كان نقلًا للمعنى مِن معنى لغوي إلى معنى شرعي، بل هو مِن قبيل تنبيه القرآن والسنَّة إلى معان متمايزة وتلميحات أعمق وأدق. فـ”كلُّ كأس في القرآن فهو الخمر”، قاله الضحَّاك ابن مزاحم[18]؛ كما في قوله تعالى: ((يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأثِيمٌ))[19]، و”ما سمَّى الله مطرًا في القرآن إلَّا عذابًا”، قاله سفيان ابن عيينة[20]، كما في قوله تعالى: ((وَأَمطَرنَا عَلَيهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الـمُنذَرِينَ))[21]، و”كلُّ شيء في القرآن مِن الرياح فهي رحمة، وكلُّ شيء في القرآن مِن الريح فهو عذاب”، قاله أبي بن كعب[22].
ومِن معهود القرآن الكريم التفريق بين استخدام لفظتي “كُره” و”كَره”؛ فرغم أنَّ الكلمتين تدلَّان على نفس المعنى ولا فرق بينهما في الاستعمال اللغوي، إلَّا أنَّه عند استقراء استخدام القرآن الكريم لهما نجد أنَّه يستخدم “الكُره” بضمِّ الكاف إذا كان الدافع للإكراه ذاتي داخلي، ويستخدم “الكَره” إذا كان الدافع للإكراه خارجي.[23]
ومِن معهود القرآن الكريم التفريق بين استخدام لفظتي “جسد” و”جسم”، رغم استخدامهما في اللغة على معنى واحد، لكنَّ القرآن يستعمل “جسم” للبدن الحيِّ ويستعمل “جسد” للبدن الميِّت.[24]
ومِن معهود القرآن الكريم التفريق بين استخدام لفظتي “زوجة” و”امرأة”، فعند التشاكل والتوافق بين الزوجين يَنسِبُ المرأةَ إلى الرجل بكونها “زوجه”، قال تعالى: ((وَقُلنَا يَا آدَمُ اسكُن أَنتَ وَزَوجُكَ الجَنَّةَ وَكُلَا مِنهَا رَغَدًا حَيثُ شِئتُمَا وَلَا تَقرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ))[25]، وقال سبحانه: ((فَاستَجَبنَا لَهُ وَوَهَبنَا لَهُ يَحيَىٰ وَأَصلَحنَا لَهُ زَوجَهُ إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيرَاتِ وَيَدعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ))[26]، وإذا غاب التشاكل والتوافق وأريد التنبيه إلى التباين والاختلاف نسب الزوجة إلى الرجل بكونها “امرأته”، قال تعالى: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امرَأَتَ نُوحٍ وَامرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحتَ عَبدَينِ مِن عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَم يُغنِيَا عَنهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَقِيلَ ادخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امرَأَتَ فِرعَونَ إِذ قَالَت رَبِّ ابنِ لِي عِندَكَ بَيتًا فِي الجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرعَونَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القَومِ الظَّالِمِينَ))[27].
 وفي بعض الحالات، حين يتحدَّث القرآن عن فريق مِن الزوجات يتحقَّق في بعضهنَّ التوافق والتشاكل مع أزواجهنَّ، وفي بعضهنَّ الاختلاف والتباين، يصف الزوجات بالنساء، كما في قوله تعالى: ((فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَّعنَتَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ))[28]، والمقصود بالنساء هنا الزوجات. وقد جاء وصف زوجات النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بنساء النبيِّ في آيتين، الأولى حين نبَّه تحذيرًا مِن إتيانهنَّ بفاحشة، إذ قال تعالى: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَف لَهَا العَذَابُ ضِعفَينِ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا))[29]، وهو فعل لا يتوافق ويتشاكل مع مقام النبوَّة، والثانية في عدم تساويهنَّ مع زوجات الرجال الآخرين: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَستُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيتُنَّ فَلَا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذِي فِي قَلبِهِ مَرَضٌ وَقُلنَ قَولًا مَّعرُوفًا))[30]، فلمَّا جرت المقارنة مع بقيَّة الزوجات وحِّد الوصف، لا لكونهنَّ غير متشاكلات ومتوافقات مع النبيِّ، حاشا وكلَّا، ولكن على سبيل المقابلة مع الفريق الآخر الذي فيهنَّ مِن هذا وهذا.
وأنت تجد أنَّ هذه الألفاظ لم تأت لمعانٍ شرعية، كالصلاة أو الزكاة أو الصوم، وإنَّما لمعان عاديَّة، لكن استخدام القرآن لها جاء في موطن دون موطن لإكساب معنى خاصٍّ بكلِّ لفظ وتمييز بينها في الدلالات[31].
فإذا تقرَّر ما سبق فإنَّنا نجد أنَّ “أهل” أطلقت في القرآن والسنَّة على مَن هم قرابة الشخص اللصيقين به، والأقرباء مِن الرضاعة، والأقرباء بالمصاهرة، هؤلاء جميعًا “أهل الرجل”. أمَّا “أهل البيت” فتضمُّ كلَّ مَن دخلوا في رعاية الشخص وإعالته، بما فيهم العبيد والخدم والناشئين في حجر بيت الزوجية، إضافة إلى مِن سبق ذكرهم. فإذا قلنا أنَّ “آل البيت” هو بمعنى “أهل البيت” فهم قرابته والذين كانوا في رعايته وإعالته في زمنه، وهؤلاء جميعًا قد ماتوا. ولم يأت في القرآن الكريم ولا في السنَّة النبوية، ولا في عُرف العرب، وصف الأهل لقرابة الرجل بعد 100 عام أو 1000 عام! فـ”أهل البيت” و”آل محمَّد” قد مضوا كما مضى أصحابه وقرابته وعشيرته وقومه، أكانوا مسلمين أو كفًّارًا. ومَن التزم جواز امتداد الأهل والآل في حقِّ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لمـَن هم خارج زمانه وفترته فعليه التزام جواز الأهل في خدمه وعبيده، وفي أصهاره عمومًا، وفي أسامة بن زيد وذرِّيَّته، وهكذا؛ لأنَّ التصرُّف في القضايا وتخصيص لفظ دون آخر بحمولة معنوية، دون موجب شرعي أو عرفي أو لغوي، ودون دليل أو حجَّة أو قانون أو ميزان، محض هوى. هذا وقد تنزَّلنا في الخطاب، وإلَّا فلفظ “آل البيت” غير ثابت بالأساس، فما بُني على باطل فهو باطل، ولا ينبغي اللجج فيه والخصومة.

ثالثًا: “آل البيت” في معهود اللغة العربية:

سبق وذكرنا أنَّ لفظ “آل البيت” لم يثبت لا في القرآن الكريم، ولا في صحيح السنة النبويَّة؛ وأنَّ الألفاظ الواردة هي “أهل البيت” و”آل محمَّد”، وأنَّها أتت في إطارها اللغوي العرفي. وهنا نتناول هذا اللفظ في معهود لغة العرب، إذ يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله: “إنَّه لا بُدَّ في فهم الشريعة مِن اتِّباع معهود الأُميِّين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرفٌ مستمرٌ فلا يصحُّ العدول عنه في فهم الشريعة، وإلَّم يكن ثمَّ عُرفٌ فلا يصحُّ أن يُجرى في فهمها على ما لا تعرفه. وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب”[32].
ونظرًا لعدم وجود استخدام لهذا اللفظ “آل البيت” في لغة العرب، وحيث أنَّ هناك مَن يحاول تشبيك لفظ “آل” بـ”أهل”، لأجل إزاحة اللفظ الثابت في القرآن الكريم والسنَّة النبوية “أهل البيت” لصالح لفظ منتحل هو “آل البيت”، فإنَّنا ملزمون بإجراء مقارنة علميَّة لغوية بين اللفظين: أهل وآل، لبيان هذه المغالطة اللغوية. ومِن خلال تتبُّع كلام أهل العلم في الفروق بين اللفظين نجد ما يلي:

جدول توضيحي بالفروق بين “أهل” و”آل”:[33]


مالفروقأهلآل
 1التركيب الحرفيأهل: أ. ه. ل.آل: ء. أ. ل
 2أصلهاأَهَلَأَوَلَ
 3التصريف الفعليأَهَل وتَأَهَّلَ يَتَأَهَّلُ تَأَهَّلآل يَؤُول أُل
 4الإسنادتسند للعاقل وغير العاقل (أمكنة، وأزمنة، وأشياء، وأشخاص، ومعاني)تسند للعاقل فقط.
 5الإسنادتسند للذكور والإناث.تسند للذكور فقط.
 6الإسنادتسند للمفرد والجمع.تسند للمفرد فقط؛ فلا يُقال: آل قريش أو آل الأنصار.[34]
 7الإسنادتُسند لأيِّ شخص، أيًّا كانت مكانته.تُسند لذوي المكانة الدينية أو الدنيوية.
 8التثنية والجمعلا تثنَّى، وتجمع على: أهلون وأهالات، وأهالي (جمع الجمع).لا تثنَّى ولا تجمع.
 9إضافته إلى الضمائريصحُّ إضافة أهل إلى الضمائر المتَّصلة: أهلكَ، أهلكِ، أهلكما، أهلكم، أهلكنَّ، أهله، أهلها، أهلهما، أهلهم، أهلهنَّ، أهلي، أهلنا.يصحُّ إضافة آل إلى المفرد المذكَّر مِن الضمائر المتَّصلة: آلك، آله، آلي.
 10الدلالةتشير لجمع عادة، وفي القرآن: ((إن ابني مِن أَهلِي)). وتطلق على الزوجة اختصاصًا وإن كانت مفردة، فيقال: دخل على أهله.تشير لجمع ضرورة، وفي القرآن: ((وقَالَ رَجُلٌ مُّؤمِنٌ مِّن آلِ فِرعَونَ)). فلا يصحُّ أن يُقال لشخص: هذا آل فرعون.
11 شمولهنسبة الأهل إلى شخص لا يشمله.نسبة آل إلى شخص يشمله.

فضلًا عن ذلك، فإنَّ إضافة “أهل” لغير العاقل تفيد الملازمة والمصاحبة، فهو إطلاق مجازي وليس على الحقيقة اللغوية في أصل الوضع. فمعنى “أهل البيت” أصحابه والملازمين له، فقد يُطلق ويُراد به الساكنون فقط، وإن لم يرتبطوا بقرابة لمالك البيت، خلافًا لـ”أهل الرجل” إذ يمكن أن يُطلق على قرابته، سواء سكنوا معه في بيته أم لا، يقول تعالى: ((وَإِن خِفتُم شِقَاقَ بَينِهِمَا فَابعَثُوا حَكَمًا مِّن أَهلِهِ وَحَكَمًا مِّن أَهلِهَا إِن يُرِيدَا إِصلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَينَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا))[35]، فالأهل هنا بمعنى القرابة وإن لم يكونوا مُساكِنين للزوج والزوجة في ذات البيت.
هذا التمايز والاختلاف بين لفظ “أهل” و”آل” تقتضي عدم المطابقة والموافقة، فكيف يجري استبدال لفظ ثابت في القرآن والسنَّة (وهو “أهل البيت”)، بلفظ خارج عنهما (وهو “آل البيت”)، بل وإعطائه قداسة فوق اللفظ الثابت في نصوص الوحي؟! إنَّ هذا لشيء عجاب.

الدكتور الشيخ عبدالوهاب الديلمي حول حقيقة أدعياء الزيدية وعلومهم وممارساتهم الباطلة "آل البيت".. قراءة أصولية في المصطلح

رابعًا: ابتداع المصطلح وابتداع العقيدة:

تنصُّ القاعدة الأصولية على أنَّ الألفاظ الموضوعة شرعًا تُحملُ على الحقيقة الشرعية، لأنَّ الوحي جاء لبيان المعاني الشرعية ومنحها اصطلاحها الخاص، وإلَّا فالأصل أنَّ القرآن الكريم خاطب العرب بلغتهم ولسانهم، أي أنَّ الأصل في ألفاظه العامَّة الحقيقة اللغوية، ومعظم ما ورد فيه هو مِن هذا القبيل، فالشمس والقمر، والليل والنهار، والنجم والشهاب، والأرض والكواكب، والسماء، والبرق والرعد، والمطر والسيل، والبحر والنهر، والشجر والأنعام، والجمال، والخيل، والبغال،… الخ، كلُّ هذه الألفاظ جاءت بمعناها اللغوي. وكذلك الأب والأمُّ، والأخ والأخت، والعمُّ والعمَّة، والخال والخالة، والجدُّ والجدَّة، والزوجة والأَمَة، والابن والابنة، والحفدة، والقرابة والجار والقوم والقبيلة والشعب، كلُّها جاءت بمعناها اللغوي. وحيث دلَّت على معنى مغاير فهي على سبيل المجاز لا الحقيقة. وكذلك الأسلحة والسكِّين والصواع والقميص وغيرها مِن مسمَّى الأدوات والأشياء. وكذلك الرعد والبرق والسحاب والريح والطوفان والزلزال وأمثالها مِن الظواهر. وكثير مِن الأفعال، التي وردت، وردت بالأساس على معناها المعتاد في اللغة. هذا إذا لم يأت السياق لصرفها عن هذه المعاني اللغوية والعرفية.
أمَّا “إذا احتمل اللفظ المعنى اللغوي والمعنى الشرعي قُدِّم الشرعيُّ، لأنَّ الشرع طارئ على اللغة”[36]. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: “والصحيح عند جماعات مِن الأصوليِّين: أنَّ اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية أوَّلًا إن كانت له حقيقة شرعية، ثمَّ إن لم تكن شرعية حُمِل على العُرفية، ثمَّ اللغوية. وعن أبي حنيفة: أنَّه يُحمل على اللغوية قبل العُرفية، قال: لأنَّ العرفية، وإن ترجَّحت بغلبة الاستعمال فإنَّ الحقيقة اللغوية مترجِّحة بأصل الوضع. والقول الثالث: أنَّهما لا تُقدَّم إحداهما على الأخرى بل يحكم باستوائهما، فيكون اللفظ مجملًا لاستواء الاحتمالين فيهما، فيحتاج إلى بيان المقصود مِن الاحتمالين بنيَّة أو دليل خارج”[37].
والحقيقة مقدَّمة عند الأصوليين على المجاز، إلَّا ما خصَّه الترجيح، فإذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة أولى، وهي التي يُحمل عليها اللفظ، لأنَّ الحقيقة هي الأصل، وأمَّا المجاز فهو مستعار، والحمل على الأصل أولى مِن الحمل على الاستعارة، وهي قاعدة مجمع عليها، ومِن مُهمَّات الأصول.[38]
وإذا كانت كلُّ مصطلحات القرابة والرحم قد أتت على المعنى اللغوي والحقيقة اللغوية، كالأب والأمِّ والزوجة وغيرها، وجب حمل أهل وآل على المعنى اللغوي والحقيقة اللغوية العرفية التي سبق للعرب استخدامها لأجلها؛ ولا مجال لحملها على حقيقة شرعية بالتأويل والابتداع. فإنَّ أخطر ما يكون مِن الابتداع صكُّ مصطلحات وألفاظ باسم الوحي، أو نحتها مِن ألفاظ وردت في الشرع، ثمَّ إلباسها لباس الحقيقة الشرعية بدون إذن، مع ضخِّ حمولة مِن التصوُّرات والأحكام المخالفة للمحكمات البيِّنات المطَّردة والمجمع عليها مِن مقاصد الدين وشرائعه.
فـ”آل البيت” مصطلح منحول أُنزِل منزلة المصطلح الشرعي الثابت في الكتاب والسنَّة، ثمَّ حمِّل مِن التصورات والأحكام ما يناقض مقاصد الدين وشرائعه، حتَّى أنزل منزلة العقيدة بدعوى مواجهة النصب، والذي ظهر في القرن الأوَّل في عداء مع آل الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم، شتمًا ولعنًا، ممَّن ثبت فضلهم وتزكيتهم. وأُنزِلَ مَن لم يبلغ معشار عُشرِ هؤلاء منزلتهم، وجُعِلت محبَّتهم كمحبَّة علي، وولاءهم كولاء علي!
ثمَّ جاء مِن يؤسِّس على هذا المصطلح حقوقًا دينيَّة وسياسية واقتصادية واجتماعية، ومكانة فوق العباد وتميُّزًا عن البشر، حتَّى ظهر في هذه الفئة غلو وتطرُّف وعنف وتكفير وتفسيق لمـَن خالفهم، واستحلال لدماء وأعراض وأموال مَن عارضهم، وعداوة وبراء لمـَن خاصمهم، ودخل فيهم منذ القرن الثالث مَن لا يمتُّ إلى أنسابهم بصلة، كما حدث مع الفاطميين وأشباههم. ولو اقتصر الأمر على حفظ أنساب بني عبدالمطلَّب وبني هاشم ومَن تفرَّع عنهم، لما حدثت فتنة ولا ظهر تشيُّع ولا دخل في أنسابهم كلُّ طامع بسلطة أو مكانة وصدارة أو مكاسب مالية ومادِّية.
وإذا افترضنا وجود خلاف في حقيقة دلالة مصطلح “آل البيت”، أهو لغوي أم عرفي أم شرعي، وغياب في معياريَّة واضحة له، هل هم “أهل البيت” أم “آل محمَّد” أم “أهل الكساء” أم مَن حُرمت عليهم الصدقة، وهل يدخل فيهم عبدالله بن عثمان بن عفَّان، حفيد رسول الله مِن ابنته رقيَّة، بطل الاستدلال به، ولم يكن مِن الهدى والرشد أن يُفتن الناس به. علمًا بأنَّ كلَّ فريق مِن هؤلاء قد اختصُّ بحكم خاصٍّ به؛ والحديث عمَّا ثبت لهم زمن النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم.
إنَّ الخلاف والشبهة التي تلحق بهذا اللفظ “آل البيت” في تركيبه، وفي دلالته، وفي حمولته التي شارك الشيعة والصوفية، وغيرهم مِن ذوي المطامع السلطوية والوجاهية، بصناعتها، حريٌّ بأن يدفع علماء الإسلام إلى مراجعة هذا المصطلح ونقده نقدًا واسعًا وشاملًا.
ويبقى العجب، في ضوء وجود مصطلح “أهل البيت” و”آل محمَّد”، لماذا يصرُّ البعض على التمسُّك بالمصطلح المنتحل؟! أَلِأَنَّ اللفظين لا يستوعبان ما يودُّون إقحامه مِن خلال مصطلح “آل البيت” مِن دلالات وحمولات عقدية وفقهية وتشريعية، خصوصًا أنَّهم يغلَّبونه في الاستخدام ويزاحمون به الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم والسنَّة النبوية لجعله أصلًا ومرجعًا.

ما أضيف للفظ “آل البيت” مِن بدع:

وممَّا يوضِّح خطر ابتداع هذا اللفظ هو ما يلي:

  1. مزاحمة الألفاظ الثابتة في الكتاب والسنَّة، والمعبِّرة عن أهل النبيِّ وآله في إطار الوضع اللغوي العرفي، به، وجعله ممتدًّا يتجاوز المعنين بوصفي الأهل والآل في زمن النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم.
  2. نقل أحكام وفضائل متعلِّقة بأهل وآل الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم، الذين عايشوه، لمـَن لا يتحقَّق فيهم وصف الأهل والآل، تحت هذا اللفظ المتعدِّي، لمجرَّد أنَّهم مِن سلالتهم وينسبون لهم. في حين أنَّ الفضائل لا تنتقل بالنسب، على صعيد الصحابة عمومًا، أو قرابة رسول الله خصوصًا.
  3. إضفاء هالة مِن القداسة والتعظيم والتبجيل لمـَن أتى بعد أهل وآل الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم، وإلحاق أوصاف خاصَّة بهم، كـ”السيِّد” و”الشريف” و”الحبيب” لجميع أفرادهم دون اعتبار ومعيار سوى النسب؛ حتَّى باتت تطلق لكلِّ برٍّ وفاجر وصالح وفاسد.
  4. ادعاء الحقِّ في الولاية والسلطة والإمامة الدينية والدنيوية، وجعل ذلك معقدًا للولاء والبراء والإيمان والفسوق، كما هو عند فرق الشيعة.
  5. ادِّعاء عصمة بعض مَن ينتسبون لـ”آل البيت” بزعمهم، أو عصمة إجماعهم دون الأمَّة، بل ربَّما جرى النصُّ على كونهم مشرِّعين في دين الله تعالى، كما هو عند فرق الشيعة.
  6. ترتيب الناس طبقيًّا وعنصريًّا وسلاليًّا في ضوء اعتبار النسب، رغم مجيء الإسلام لإبطال هذه العنصرية والطبقيَّة والسلالية.
  7. تشييد قبورهم، وجعلها مزارات ومساجد، وإظهار التبرُّك والاستغاثة ببعض صالحيهم، كما هو عند فرق مِن الشيعة والصوفية، وطلب المدد مِنهم، والصلاة عند قبورهم.
  8. اتِّهام مَن خالفهم أو عارضهم أو خرج على سلطتهم بالفسوق والكفر، واستحلال دمه وعرضه وماله.

هذه البدع وغيرها لحقت بهذا اللفظ عبر التاريخ، وساهمت غالب الفرق في إحداثها وترسيخها، ونشرها والاستدلال لها، وإضلال الناس بها؛ فنشأ عليها الصغير وهرم عليها الكبير حتَّى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وصارت دينًا يعارض به الدين الحقِّ الذي جاء به رسول الله.

ختامًا

عندما نميِّز الحقيقة الشرعية عن الحقيقة العرفية عن الحقيقة اللغوية، فهذا يعني أنَّ الشرع عمد إلى اللفظ اللغوي فنقله كلِّيًّا أو جزئيًّا مِن معناه اللغوي أو العرفي إلى معنى شرعي مقصود للشرع دون وضع اللغة وعُرف الناس، فما هو المعنى الشرعي الذي نقلت النصوص الشرعية لفظ “آل البيت” إليه؟! وكيف نثبت نقلًا ونحن قد أثبتنا أنَّ لفظ “آل البيت” لم يرد في نصوص القرآن الكريم وصحيح السنَّة النبوية، فلا تعريف بلا استعمال.
وأمَّا الاستدلال ببعض النصوص المنسوبة للسنَّة أو أقوال أهل العلم فهي تحتاج إلى إثبات وإجماع، إذ أنَّ الاختلاف والتباين والتردُّد بين الألفاظ، وتحليل السياقات، لا يسمح بإثبات دلالة شرعية للفظ “آل البيت” يحيله مِن وضعه اللغوي إلى وضع شرعي يحتجُّ به على المخالف.
ثمَّ ما هو المعيار الأثبت لتحقيق انتساب الرجل لـ”آل البيت”؟ أهو النسب، فيدخل بذلك المؤمن والكافر على حدٍّ سواء، أم هو الإيمان فيكون اللفظ مجرَّدًا عن أيِّ علاقة بالنسب، أم هو النسب والإيمان، أي أن يجمع الإنسان نسبًا وإيمانًا، فعن أيِّ نسب وإيمان نتحدَّث؟! في ظلِّ الخلاف في تحديد مَن هم “آل البيت” والتحكُّم في ذلك بمجرَّد نصوص مجتزأة عن سياقاتها وهوى وميول عقدي أو طائفي.
إنَّ على الطرف المخالف أن يقدِّم رؤية متكاملة لهذا المصطلح اليوم أكثر مِن مَن يخالفه، تستند إلى أدلَّة صحيحة واضحة، واستدلالات صريحة ظاهرة، وأصول وقواعد مطَّردة، وتعاريف ومصطلحات معياريَّة؛ بعيدًا عن تكرار الحديث في محلِّ الاتِّفاق وعن تلبيس الحقِّ بالباطل، والصواب بالخطأ، والثابت بالمبتدع.

الهوامش:

  1.  مجموع الفتاوى: ج1/284- 285.
  2. انظر: سنن أبي داود، رقم: (4607): ج4/200؛ وسنن الترمذي، رقم: (2676): ج5/44؛ ومسند أحمد، رقم: (17145): ج28/375؛ وقد صحَّح الحديث جمع مِن العلماء قديما وحديثا.
  3. إعداد عاطف عبدالوهاب حمَّاد، دار الهدي النبوي- مصر ودار الفضيلة- السعودية، ط1/2011م. ولم يرد فيه سوى عبارة “آهل البيت” و”آل محمَّد”، وأمَّا عبارة “آل البيت” فوردت على لسان المؤلِّف. 
  4. إعداد عاطف عبدالوهاب حمَّاد، دار الهدي النبوي- مصر ودار الفضيلة- السعودية، ط1/2008م. 
  5. إعداد عاطف عبدالوهاب حمَّاد، دار الهدي النبوي- مصر ودار الفضيلة- السعودية، ط1/2011م. 
  6. إعداد عاطف عبدالوهاب حمَّاد، دار الهدي النبوي- مصر ودار الفضيلة- السعودية، ط1/2014م. 
  7. وما ورد فيها ورد مِن كلام المؤلِّف ذاته، لا في الآثار الواردة عنهم.
  8. أثر رقم: 742، وانظر حاشيته (رقم: 7): ص286. 
  9. جامع الآثار القولية والفعلية الصحيحة للخليفة الراشد عثمان بن عفَّان، إعداد عاطف عبدالوهاب حمَّاد، مرجع سابق، أثر رقم: 73، ص97. ونصُّ الحديث في البخاري، (رقم: 4229): أنَّ جُبير ابن مُطعم، أَخبَرَهُ قال: مشيت أنا وعثمان بن عفَّان إلى النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم، فقلنا: أَعطَيتَ بني الـمُطَّلِبِ مِن خُمسِ خيبر وتركتنا، ونحن بمنزلة واحدة مِنك. فقال: (إِنَّما بنو هاشم وبنو المـُطَّلِب شيء واحد). 
  10. أثر رقم: 6، وانظر حاشيته (رقم: 1): ص85. 
  11. رقم: 2408.
  12. ص96- 97.
  13. انظر: (أثر رقم: 150): ص190؛ وهو في مسند أحمد، رقم: ‌15027. 
  14. انظر: (أثر رقم: 172): ص: 203؛ وهو في صحيح البخاري. 
  15. انظر: أثر (رقم: 186): ص219؛ وأصله في البخاري مختصرًا. 
  16. وهو ما لا يلتزمه المخالف لنا، ويفضِّل استخدام هذا المصطلح عليه، رغم كون لفظ “آل محمَّد” و”أهل البيت” ثابتان في القرآن والسنَّة، ولهما دلالة لغوية وعرفية محكمة. 
  17. مجموع الفتاوى، لابن تيمية: ج13/369. 
  18. جامع البيان، لابن جرير الطبري: ج19/531. 
  19. الطور: 23. 
  20. صحيح البخاري: ج6/62. 
  21. النمل: 58. 
  22. الدرُّ المنثور، للسيوطي: ج2/111. 
  23. لمسات بيانية، فاضل السامرائي: ص75. 
  24. لطائف قرآنية، د. صلاح الخالدي: ص132. 
  25. البقرة: 35. 
  26. الأنبياء: 90. 
  27. التحريم: 10- 11. 
  28. آل عمران: 61. 
  29. الأحزاب: 30. 
  30. الأحزاب: 32. 
  31. انظر: عرف القرآن الكريم والمعهود مِن معانيه واستعمالاته وأثره في الترجيح الدلالي (رسالة دكتوراه)، أحمد فالح الخالدي، كلية الشريعة- جامعة اليرموك، الأردن، 2007م/2008م. 
  32. الموافقات للشاطبي: ج2/132. 
  33. الجدول مِن إعداد الباحث. ويمكن الرجوع إلى كتاب: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام، لابن القيم: ص227- 230. 
  34. جاء في حديث القسامة، عند البخاري (3845)، عن عبدالله بن عبَّاس: “فنَادِ: يا آلَ قُرَيشٍ، فَإِذَا أجَابُوكَ فَنَادِ: يا آلَ بَنِي هَاشِمٍ)، وقد قال ابن حجر، في (فتح الباري: ج7/192): “قوله: حدَّثنا “قطن”، بفتح القاف والمهملة ثمَّ نون، هو ابن كعب القطعي، بضمِّ القاف، البصريُّ، ثقة عندهم، وشيخه أبو يزيد المدني، بصريٌّ أيضًا، ويُقال له: المديني بزيادة تحتانيَّة، ولعلَّ أصله كان مِن المدينة، ولكن لم يرو عنه أحدٌ مِن أهل المدينة، وسُئِل عنه مالك فلم يعرفه، ولا يعرف اسمه، وقد وثَّقه ابن معين وغيره، ولا له ولا للراوي عنه في البخاري إلَّا هذا الموضع”. 
  35. النساء: 35. 
  36. القواعد الأصولية بين التأصيل والتطبيق، أيمن إسماعيل: ج1/14. 
  37. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ج6/196. 
  38. انظر: القواعد الأصولية بين التأصيل والتطبيق، أيمن إسماعيل: ج1/10؛ بتصرف.

أنور الخضري

كاتب وباحث يمني مهتم بالقضايا السياسية والشأن اليمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى