
كان ممّن يلتقي عنده التاريخ بالأدب؛ فيخضلّ الخبرُ القديم، وتندى حروفُه، ويمتدّ أفق الكتابة عبر الزمن. ولد شاكر مصطفى في دمشق في سنة 1921، ودرس فيها، واستقى أشياء من روحها، وقد عَبِق به شذا تاريخها، وصحبه على مدى عمره كلّه، وألقى به في مدار الزمان ومنعطفاته، وشرع يدرس التاريخ؛ قرأه وهو في دمشق، ثمّ اتّجه إلى القاهرة يدرسه في كلّيّة الآداب، ويتّسع به، يقرأ الحوادث وما وراءها، ويتلمّس نبضَ الإنسان في وقائعها. غير أنَّّ الصحفَ القديمة، ولونَها الحائل لم تحجب عنه وقائع الحياة، ومشكلاتها، وما يضطرب فيها؛ بل إنّه كان يتّخذ من التاريخ ما يضيء به الزمنَ الحاضر. وما أن ينال شهادته من القاهرة حتّى يرجع إلى بلده، وينغمس في التعليم، والكتابة، ومزاولة الشأن العام بما يرجو منه خير الناس والبلد؛ وتقترب، عنده في تلك الأيّام، السياسة من الأدب والفن؛ يطمح أن يرى فيها كلّها ألق الابتكار، وبهجته؛ من أجل مزيد من السعادة. عمل في التدريس في المدارس الثانويّة، وفي دار المعلمين، ثمّ في جامعة دمشق ليتّجه به الدرب نحو السلك الدبلوماسيّ فعمل في القاهرة، والخرطوم، وكولومبيا، والبرازيل، ثمّ رجع إلى سوريا ليكون المدير العام للشؤون السياسية، وليتقلّد في سنة 1965 منصب وزير الإعلام مدّة سنة، ثمّ يتقاعد وقد رأى من التجارب ما زاد في وضوح الرؤية، واكتمال عناصرها؛ رأى الآمال في صعودها، ثمّ رآها وهي تحور رمادًا تذروه الرياح؛ لكنّه لا يريد أن يجعل لليأس سبيلاً إليه؛ إذ لا استقامة للحياة معه فيستأنف حياة جديدة في دولة الكويت .
كان منذ يفاعته يُصغي إلى الكلمة المرهفة ، والفكرة النافذة، ويُؤخذ بالصوت الجميل؛ كان ذلك مدخله إلى المقالة؛ يكتبها وكأنّها لحن في صعوده وهبوطه، وتدفّقه وانحباسه، ودورانه، ثمّ رجوعه إلى مستقرّه. كتب يستذكر شأنه مع الرحابنة وموسيقاهم؛ يقول: (شبابًا صغارًا كنّا في الخمسينيّات الأولى ننتقل من دمشق إلى بيروت لنحضر ميلاد كلّ أغنية، أيّ أغنية، لنستمع إلى أغنية من خمس دقائق. لكن كنّا نتناقش فيها أيّامًا). ذلك أنّ الفن ومحبّته وتذوّقه شيء أصيل فيه .
كان عرق من الموسيقى ينتظم مقالته من بدئها حتّى ختامها؛ على أنّ مادتها وثيقة الصلة بالتاريخ؛ إذ يأخذ القطعة من الخبر القديم، وما يزال بها يجلوها، وينفض عنها غبار الزمن حتّى تعود بين يديه متلألئة مضيئة بما انطوت عليه من دلالة جديدة، وبما صار لها من أفق آخر. ومن صحب التاريخ، ورأى تقلّب الإنسان في جنباته، ورأى الظلام يغشى الأرض لا يزحزحه إلّا ضوء ضئيل يشبّ ويخبو؛
لم تفارق عينيه خيوط من السواد لا تلبث أن تُعرب عن نفسها في ما يكتب وينشر، وقد ندّ شيء من ذلك في صدر كتاب قديم أصدره 195، عنوانه: (حضارة الطّين)؛ يقول: (هذه صفحات من الضباب الأسود … أعترفُ بذلك ! ولكنّها مسحت خاطري فترة من الزمن ، فأذعتها أحاديث هنا ، وأحاديث هناك . ولا يعذرني في جمعها إلّا أنّها مفعمة حتّى الفيض ، بالإخلاص ، وإلّا أنّها كانت ، على ريبيّتها ، سبيلي إلى الإيمان بالإنسان . أتراها تكون سبيلك أنت ؟ ) مدار الكتاب ؛ الإنسان في قديمه وحديثه ، في سموّه وارتكاسه ، في جهره بالحق ولياذه بالباطل ؛ يرجع به القهقرى ليرى انبثاقه من الطّين ، وتعلّقه بما انبثق منه ؛ لكنّه ، مع ذلك كلّه ، لا يلقي بعنانه إلى اليأس ، ولا يستحوذ عليه الريب ؛ ذلك أنّ في الإنسان قبساً من نور لا يخذله . يقول في أولى مقالات الكتاب: (قصّة هذا البشر تبدأ في الطّين، وفي الحمأ المسنون! هكذا رووا لنا عن جدّنا العتيق آدم، الذي صاغه البارئ من تراب ثمّ ألقاه إلى كتلة الطّين هذه، التي يدعونها الأرض، ليعيش هو والقطيع الضال من أنساله على الطّين وفي الطّين). وهو لم يرجع بالإنسان إلى أصله القديم إلّا ليقرأ ما تردّى فيه من شرّ ؛ وكأنّه لم يفارق ما نشأ عليه . بل بدا له الإنسان، وهو يخرج من الحرب الكبرى الثانية، وكأنّه كلّما زاد قوّة زاد جهلاً، وأمعن في الدمار! وكأنّ العلم وأدواته لم يصلح من شأنه ، ولم يدرأ عنه القتل والقتال!
وكلّ مقالاته ، يومئذ ، إنّما هي في الإنسان وما ينطوي عليه من قوى مصطرعة. وقد كان يتّخذ لها مدخلاً من التاريخ؛ يمضي شوطاً فيه ثمّ يرجع إلى ما يؤرّقه في حاضره. وكتب عن المنسيين في التاريخ ، يريد أن يستنقذهم من الظلام، ويردّهم إلى مسار الضوء .
ولعلّ من أشدّ ما كان يشرّد نومه، ويقضّ مضجعه؛ حال العرب في هذا العصر وقد اضطرب حبلهم ، وأضاعت أقدامهم طريق النهضة .
كان أن استقرّ في الكويت، والتحق بجامعتها، منذ أن تقاعد من عمله في بلده، وشرع يستأنف تأليفه في التاريخ الإسلامي، وتاريخ المدن التي نشأت بظلّ الإسلام، ويكتب في المؤرخين العرب المسلمين وفي مناهجهم ، وطرائق بحثهم ، ويبعث كلّ ذلك حيّاً طريّاً شائقاً تلذّ قراءته . وكأنّه ، بذلك ، يريد أن يُحيي مجداً ، ويستبقي ثقة ، ويدفع ريباً .
بيد أنّ قضية النهضة العربيّة ، واضطراب خطواتها ؛ شيء لا يبرح فكره ، إذ لا يني يقلّب فيها الرأي حتّى إذا أقامت الكويت في سنة 1974 ندوة : (أزمة التطوّر الحضاري العربي) كانت له فيها دراسة ناضجة رصينة بعنوان : (الأبعاد التاريخيّة لأزمة التطوّر الحضاري) سعى فيها أن يتقصّى مسالك التاريخ ، وما اختبأ في ثنيّاته ؛ لعلّه يقع على ما يُصلح الأمر .
لكنّه لا يفرغ من قضيّته ، فقد ملأت عليه كيانه ، وشغلت وجدانه ؛ وما أكثر ما تساءل مع نفسه : ما السبيل لأن يخرج العرب من مأزقهم ، وينفضوا عنهم غبار الزمن ؟ وليس له إلّا أن يضع تساؤله في نسيج حروفه عسى أن يجد صدى في الأسماع . وشرع يكتب طائفة من المقالات يستمدّها من تساؤله القديم ، وينشرها في مجلّة ( العربيّ ) ؛ حتّى إذا تكاملت ضمّها كتاب عنوانه : ( تاريخنا. وبقايا صور )!
على أنّه ، مع ذلك كلّه ، ناقد أدب بصير بالشعر والنثر ؛ يدرك الجيّد الأصيل ، ويحسن الإحاطة بأسباب الجودة والأصالة ، وله وقفات مع الشعر في بلده ، وله كتاب (القصّة في سوريا) الذي يعدّ مرجعاً لا يستغني عنه دارس . وله (الأدب في البرازيل) الذي قام على مزيج من المعرفة والتجربة ؛ إذ إنّه أقام مدّة في ذلك البلد فعرف الأرض والناس والأفكار .
لقد كانت آثاره الكثيرة نسيج التاريخ والأدب ؛ فإذا كان التاريخ جذور الشجرة وجذعها ، فإنّ الأدب هو النسغ الذي يجري في العروق والأغصان !
بقي في الكويت ، وقد أتاحت له سعةً من أمره ، مدّة تزيد على خمس وعشرين سنة ؛ كانت حافلة بالعمل ، والكتابة ، والتأليف ؛ وكان له حميد الأثر في نشأة جامعتها ، وفي المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، وفي ما كان يُصدر من كتب ومجلّات ؛ حتّى إذا ازدحمت عليه أوصاب العمر عاد إلى دمشق ليُلقي بها عصا الترحال .
ولمّا توفي في سنة 1997 كان قد خلّف آثاراً ثريّة بالأدب والفكر ..!
