المدونة

فقهُ الموازين في الخطاب والإقناع

كم تمورُ حياتنا الآن بأنواع شتى من المذاهب الفكرية والتيارات الفلسفية، وتدَّعي في الكثير أنها تُفصحُ عن أفكارها بلسان العقل، وتكتسي بِحُلّة اليقين، وأن سلاحها هو الحجة والبرهان! .. يحتم هذا الغلاف العام على المُتصدِّي لها، أن يتسلح: بسلاح العلم والحجة كذلك.

وأيُّ مظهر هنا في الكشف عنها، والتبيين لها أو الردّ عليها، يكون سلاحه العاطفة، وبرهانه في الصوت العالي، والخطابة الحماسية؛ هي محاولات تبدو فاشلة في البداية في التصدي لها قبل أن تصل المناقشة إلى نهايتها.

نعم! إن استخدامَ الأسلوب الخطابي في موضعِ الإقناعِ عجزٌ، واستخدامَ الإقناعِ في موضع العاطفة والحماسةِ خرقٌ.. وكلاهما لا يُؤديانِ إلى نتيجةٍ تُحمدْ، أو تغييرٍ مرجوّ! .. لكلّ مقامٍ أسلوبه الذي ينبغي احتذاؤهُ، ومقاله الذي لا بُدّ التحدث به!

أرأيتَ إلى باغٍ خرج عليك في طريقٍ متقلّدًا خنجرًا، يريدُ مالك أو روحك .. أيجدي معهُ رأي أو عقل أو سماحة؟! كلا، بل لا بُد أن تتعاملَ معهُ بما يردّ كيده ويدفعُ بغيه، ولا سبيل آخر سوى القوة. وهَبْ أن امرأً اختلف معكَ في رأيٍ أو مذهبٍ، وتعالت الأصواتُ بالحجة والدليل.. أيصحّ أن تقوم عليه طاعنًا إياه بسكين؟ إن فعلت صرتَ معتديًا لا تُؤتمنُ لا محالة، ومكانك الذي ينبغي أن تُقيّدَ فيه هو السجن.

ولعل هذا هو ما عناه المتنبي بقوله، حين قال:

وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا
مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى

فما أجمل أن يضع الإنسان كل شيء موضعه الصحيح! ويعلم أي مذهب ينقد، ومع مَن يتحدث، حتى يؤتي نقده وحديثه ما يرتجي من إصلاح.

وفي هذا الصدد مما بينته أنقلُ موقفًا ذكره الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: (المذاهب التوحيدية والفلسفات المعاصرة)، وأُتبعه بوصية له -رحمه الله- لمن شرفه الله بالنهوض بأعباء الدعوة إلى الله وتعريف الناس بدينه.

أما الموقف، فيقول -رحمه الله- : (وإني لأذكرُ يومًا كنت فيه أُدرّس بدار المعلمين بدمشق، قبل التحاقي بالجامعة، وجرى الحديث في قاعة المدرسين عن الوجودية والوجوديين، فتناولت هذا المذهب ورجاله بالتسخيف واتباع السبل اللاأخلاقية.. فانبرى أحد الزملاء المدرسين واتجه إلي قائلًا:

ما هي الكتب التي قرأتها في الوجودية؟

فوجئت بهذا السؤال، وتوقفت قليلًا، ثم تجرأت وقلت له: لم أقرأ منها شيئًا.

فأحدق في وجهي قائلًا: لا تستعجل إذن، ولا تخض فيما لا تعلم.

ثم يكمل الدكتور: لقد كنت ذاهلًا آنذاك عن هذه الوصية التي أوصي بها اليوم الإخوة الذين يتصدون للدعوة، ويعرفون الناس على دين الله.. وإنما أيقظني إليها ذلك الزميل الذي وجه استنكاره الذي كان أشبه بالتأنيب. وأيًا كان الحافز له إلى استنكاره وأسلوبه الذي واجهني به فلقد شكرته من أعماق قلبي، ثم ازددت شكرًا له مع الأيام؛ ذلك لأن تأنيبه الذي واجهني به قادني إلى العكوف على دراسة الوجودية من مصادرها المباشرة، بدءًا من الأب الروحي لها (سيرن كيركجورد) إلى من جاء بعده من أئمتها ومنظريها الغربيين إلى الوجودي العربي المعتنق لها والمدافع عنها: عبد الرحمن بدوي).

كم هي المواقف التي نتعرض لها في حياتنا، والتي أشبه ما تكون بهزاتٍ عنيفةٍ كتلك التي تتعرض لها الأرض فتتصدع على إثرها.. هذه الهزات تبدّل الإنسان تبديلًا، فيصبح بعدها إنسانًا لا كما كان قبلها؛ ينضج فكره، ويرسُخ عقله، وتنمى مواهبه، وتتفجر طاقاته، ويتزن في مشاعره .. تمامًا كما حدث للشيخ البوطي -رحمه الله-؛ فصاغ لنا هذه الوصية الذهبية العزيزة الناتجة عن رسوخٍ وفهمٍ. فحُقّ على المتصدر للدرس والتعليم ألا تبرح ذهنه، فيقول في مقدمة الكتاب نفسه:

(بقي أن أوصي كل مَن شرَّفه الله بالنهوض بأعباء الدعوة إلى الله وتعريف الناس بدينه؛ أن يعلم علمًا كافيًا عن هذه التيارات الفكرية التي تُستخدم اليوم أداة للتشكيكِ في عقائد الإسلام. ومن الخير أن ينال حظًا وافرًا من التبصير بهذه التيارات على تنوعها. فإن من لم يكن بصيرًا بحقيقة الشبهات وثغراتها ودلائل بطلانها، لا ينجح في التحذير منها، ولا يتأتى له إقناع المفتونين بها بالإعراض عنها. بل إن من شأن الهجوم على هذه الشبهات في هذه الحال، بالتسخيف والتزييف ودعوى بطلانها، دون الاعتماد على سند علمي يؤيد ذلك، أن يزيل الثقة بصاحب هذا الهجوم، ومن ثمّ لن يكون لأحكامه أو قراراته أي تأثير في الأوساط).

لا أُبالغُ إن قلتُ: إن نصف ما يرجوه المرءُ من نجاحٍ من خطاب يدبّجه أو حوار يدخُلُه، أو مناقشة يزجُّ بنفسه فيها، أو كتابٍ يعالج خللًا أو يفنّدُ شُبهًا؛ ليعتمد في المقام الأول على الأسلوب الذي يتبعه يوصّل من خلاله رسالته، وعلى مقدار منطقه أو عاطفته في الموضوع المُعَالَج، وعلى حظّه من المعارف في دراسة الموضوع الذي اتخذه غايةً للبحث فيه ودراسته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى