
توطئة:
تناولنا في الحلقة الماضية السطوة الفكرية والشعورية لأسطورة العشيرة المقدسة في نفوس كثير من المسلمين، وكيف أدت إلى طمس كل ما يعارضها أو يمسها من قريب أو بعيد، ومن ذلك التعمية على المنقبة النبوية المتمثلة في امتناع النبي عليه الصلاة والسلام عن تولية بني هاشم على البلدان والنواحي والأمصار.
وأوضحنا أن تلك المنقبة النبوية جاءت ضمن توجه نبوي مقصود هدفه المنع من التمكين السياسي، وبالتالي دفع شبهة المُلك عن مقام النبوة، وقطع الطريق على أي ادعاء بالتوريث النبوي للسلطة والحق الإلهي فيها.
وفي هذه الحلقة سنتحدث – كما وعدنا في الحلقة السابقة – عن منقبة نبوية أخرى، وهي منقبة اختيار النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون عبدًا رسولاً، لا ملِكًا رسولاً.
ومن خلال هذه المنقبة النبوية سيتضح زيف وبطلان كل الادعاءات التي حاولت – ولا زالت تحاول – تأطير النبي عليه الصلاة والسلام في إطار المؤسس لمجد وسلطان العشيرة.
النبي الخاتم من منظور معتنقي أسطورة العشيرة المقدسة
من يتأمل في أدبيات معتنقي أسطورة العشيرة المقدسة وحقها الإلهي المزعوم في السلطة يرى أن الفكرة الجوهرية التي تمثل حقيقة النبي من منظورهم هي فكرة جد العشيرة المؤسس لكهنوتها الديني، وتميزها الطبقي، وسلطانها السياسي، لا النبي المرسل رحمة للعالمين!
يعتبر النبي عليه الصلاة والسلام – من منظور معتنقي أسطورة العشيرة المقدسة – شخصًا ذا قداسة وسلطة موروثة، وكونه موروثًا هو ما يهم معتنقي ومروجي الأسطورة؛ لتبقى شخصية النبي عليه الصلاة والسلام مختزلة في الجد الموروث، وصاحب الهم الكبير في تنصيب أحد أفراد عشيرته خلفًا له في الزعامة الروحية والسياسية!
ويعد النبي عليه الصلاة والسلام – في منظور معتنقي أسطورة العشيرة المقدسة – رمزًا مقدسًا مضى، وبقي امتداده في السلالة التي ورثت منه القداسة والسلطة؛ لا في المنهج الرباني الذي بلغه وتركه من بعده فضاءً مفتوحًا لأولي الألباب، وللبشرية جمعاء، فمن منظور كهنة الأسطورة يعد القرآن من ضمن التركة التي تركها النبي للعشيرة من بعده، فلا يؤخذ تفسيره إلا منهم؛ لأنهم قرناء القرآن كما يزعمون!
وهكذا خلقت أسطورة العشيرة المقدسة تصورًا باطلاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، اختزلت فيه مناقبه العظيمة، وشمائله الكريمة، ودعوته العالمية، في جد العائلة الحريص كل الحرص على نقل ميراث القداسة والسلطة إلى عشيرته!
وتساوقًا مع هذه الفكرة جرى تنميط شخصية النبي عليه الصلاة والسلام بما يخدم أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة، وتلك جناية كبرى في حق النبي عليه الصلاة والسلام، وإساءة قميئة لمقام النبوة، وقد تم تمريرها بخبث ودهاء حين غلفت بغلاف عاطفي ربط بين محبة النبي وخرافة التقديس للعشيرة، وبين الإيمان بالنبي وحق العشيرة المزعوم في الإمامة والولاية السياسية، والأمر المؤسف أن هذه الإساءة لمقام النبي عليه الصلاة والسلام استطاعت أن تمر بهدوء وسلاسة من خلال بوابة التشيع السياسي، الذي تفشى وباؤه في الأمة.
لقد أساء معتنقو أسطورة العشيرة المقدسة إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام حين بحثوه موضوعًا للتوريث.. شخصًا حاول جاهدًا أن يورث السلطة الروحية والسياسية للعشيرة ولكنه فشل في ذلك، والتالي فهو في نظر المتطرفين منهم يستحق اللوم على تقصيره في البيان، وفي نظر جميعهم تقع اللائمة على الصحابة رضي الله عنهم الذين لم ينفذوا الوصية النبوية المزعومة بالتوريث للعشيرة المقدسة ممثلة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه!
ولسنا نحتاج كثيرَ تأملٍ في منظور معتنقي أسطورة العشيرة المقدسة إلى النبي عليه الصلاة والسلام لندرك أننا أمام منظورٍ اختزل النبي في الجد المُورِّث للسلطة الروحية والزمنية، وأن ذلك الاختزال تم تقديمه تحت عباءة مصطلحات تم التلاعب بها وتحريف معناها، كالإمامة، والولاية، ومودة ذوي القربى، وحقوق ما يسمى (آل البيت).
وما من شكٍ في أن هذا الاختزال المسيء لشخصية النبي عليه الصلاة والسلام يتعارض جملةً وتفصيلاً مع مبادئ وقيم الرسالة الخاتمة، ومن ذلك تعارضه مع مقام العبد الرسول الذي اختاره النبي عليه الصلاة والسلام على مقام الملك الرسول، وجسده سلوكًا في حياته.
عبدًا رسولاً لا ملكًا رسولاً
ثبت في حديث صحيح بإسنادٍ على شرط الشيخين عند أحمد (7160) وابن حبان (6365) أن الله خيّر نبينا عليه الصلاة والسلام بين أن يكون ملِكًا رسولاً، أو عبدًا رسولاً، فاختار أن يكون عبدًا رسولاً.
وهذه المنقبة النبوية – إذا تأملناها حق التأمل، وفقهناها حق الحق الفقه – كفيلة بنسف ذلك الركام الهائل من الزيف والتضليل الذي يقتات عليه مروجو أسطورة العشيرة المقدسة..
ويمكننا القول: إن تسليط الضوء على مقام العبد الرسول كفيل بتعرية أسطورة العشيرة المقدسة، وكشف غاشية التشيع السياسي التي استلبت عقولاً كثيرة في هذه الأمة، ولعل من مظاهر ذلك الاستلاب تلك الغفلة عن مقام العبد الرسول الذي اختاره النبي عليه الصلاة والسلام لنفسه، وغياب التحقيق في أبعاد هذا المقام ونتائجه وثماره ولوازمه؛ لأن ذلك يمس على نحو مباشرٍ وغير مباشر أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة!
ومن دلائل ذلك الغياب والاستلاب أنك لا تكاد ترى استحضارًا لهذه المنقبة النبوية في السجال الفكري مع معتنقي أسطورة العشيرة المقدسة، ودعواهم العريضة في وراثة النبي عليه الصلاة والسلام مالاً وسلطةً وسيادةً ومنهجًا!
وهذا قصور معيب؛ ليس لقصوره في إقامة الحُجة على المُضِلِّين والمُضَلَّلين فحسب، ولكن لقصوره أيضًا في فهم مَعْلَمٍ مهم وبارز من معالم شخصية النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام.
تجليات وآثار مقام العبد الرسول
قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي))، وهذا الحديث متفق عليه أخرجه البخاري (3268) ومسلم (4879).
وقد مارس النبي عليه الصلاة والسلام سياسة الأمة كجزءٍ من مهام الهداية النبوية، ولكنه لم يكن ملِكًا كالأنبياء الملوك أمثال: داود وسليمان عليهما السلام، بل رفض المُلك، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد (7160) وابن حبان (6365) بإسناد صحيح على شرط الشيخين أن الله خيره بين أن يكون ملكًا رسولاً، أو عبدًا رسولاً، فاختار أن يكون عبدًا رسولاً.
وهذا الاختيار بنيت عليه قضايا وآثار مسلكية مهمة في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، نذكر أبرزها في النقاط التالية :
أولاً: تأسيسًا على مقام العبد الرسول لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يتصرف في المال إلا تصرفًا مأذونًا له فيه من الله، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام:((ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت)) أخرجه الإمام البخاري (2949) في الصحيح، وأخرجه أبو داود (2951) بإسناد صحيح بلفظ: ((وَاللهِ مَا أُوتِيكُمْ من شيءٍ ولا أَمْنَعُكُمُوهُ , إِنْ أَنا إِلَّا خَازِنٌ أَضَعُ حَيثُ أُمِرْتُ)).
وفي الحديث المتفق عليه الذي أخرجه البخاري (6882)، ومسلم (2439): ((إنما أنا قاسم والله يعطي)).
قال الإمام ابن القيم: ((وقد اختلف الفقهاءُ في الفيء، هل كان مِلكاً لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتصرف فيه كيف يشاء، أو لم يكن ملكاً له؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره.
والذى تدل عليه سنتُه وهديه، أنه كان يتصرَّف فيه بالأمر، فيضعه حيثُ أمره الله، ويقسِمُه على من أُمِرَ بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرَّف فيه تصرُّفَ المالك بشهوته وإرادته، يُعطى من أحبَّ، ويمنعُ من أحبَّ، وإنما كان يتصرَّف فيه تصرُّفَ العبدِ المأمور يُنفِّذُ ما أمره به سيده ومولاه، فيعطى من أمر بإعطائه، ويمنع من أُمِرَ بمنعه، وقد صرح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا فقال: “واللهِ إنِّي لا أُعطِى أحداً ولا أمنعهُ، إنما أنا قاسِمٌ أَضَعُ حِيْثُ أُمِرْتُ”[1]، فكان عطاؤه ومنعُه وقَسْمُه بمجرد الأمر، فإن الله سبحانه خيَّره بين أن يكونَ عبداً رسولاً، وبين أن يكون ملِكاً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً.
والفرقُ بينهما أن العبدَ الرسولَ لا يتصرَّفُ إلا بأمر سيِّده ومُرْسِله، والمَلِكُ الرسولُ له أن يُعطِىَ مَن يشاء، ويمنعُ من يشاء كما قال تعالى للملك الرسول سليمان: (هذا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (ص/39) أي: أعطِ مَن شئتَ، وامنع من شئت، لا نحاسِبُك، وهذه المرتبة هي التي عُرضَتْ على نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرغِبَ عنها إلى ما هو أعلى منها، وهى مرتبةُ العبودية المحضة التي تَصرُّفُ صاحبها فيها مقصورٌ على أمرِ السيد في كُلِّ دقيق وجليل))[2].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((النبي الملك يفعل ما فرض الله عليه، ويترك ما حرم الله عليه، ويتصرف في الولاية والمال بما يحبه ويختار من غير إثم عليه. وأما العبد الرسول فلا يعطي أحدًا إلا بأمر ربه، ولا يعطي من يشاء ويحرم من يشاء، بل روي عنه أنه قال: إني والله لا أعطي أحدًا، ولا أمنع أحدًا، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت))[3].

إضافة تصريف لا إضافة ملكية
من الالتباسات التي وقع فيها البعض توهمه أن ما جاء في القران من إضافة الأموال إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يعني أن الرسول يملك تلك الأموال، وهذا وهم قاد إلى توهمات، والصواب أن تلك الإضافة هي إضافة تصريف وقسمة لا إضافة ملكية.
ومن فقه الإمام البخاري في تبويبه قوله: ((باب قول الله تعالى ( فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) (الأنفال/41) يعني للرسول قَسْمَ ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي))[4]. قال العلامة بدر الدين العيني: ((قوله: يعني للرسول قسم ذلك، هذا تفسير البخاري قوله تعالى: ( فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) ( الأنفال/ 41). قال الكرماني: يعني للرسول قسمته لا أن سهمًا منه له. ثم قال: وقال شارح التراجم مقصود البخاري ترجيح قول من قال إن النبي لم يملك خمس الخمس وإنما كان إليه قسمته فقط… قوله قال رسول الله: إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي. احتج البخاري بهذا التعليق على ما ذهب إليه من الرد على من جعل لرسول الله خمس الخمس مُلكًا ، وأسند أبو داود هذا التعليق من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ: إن أنا إلا خازن أضع حيث أمرت))[5].
قلت: إسناد الحديث عند أبي داود صحيح كما قدمنا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((المال حيث أضيف إلى الله ورسوله فالمراد به ما يجب أن يصرف في طاعة الله ورسوله، وليس المراد به أنه ملك للرسول كما ظنه طائفة من الفقهاء، ولا المراد به كونه مملوك لله خلقًا وقدرًا فإن جميع الأموال بهذه المثابة، وهذا كقوله: (قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ) (الأنفال/1). وقوله: (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ) (الأنفال/41) الآية.. وقوله: ( وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ)(الحشر/6) إلى قوله: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى)(الحشر/7). فذكر في الفيء ما ذكر في الخمس، فظن طائفة من الفقهاء أن الإضافة إلى الرسول تقتضي أنه يملكه، كما يملك الناس أملاكهم. ثم قال بعضهم: إن غنائم بدر كانت ملكًا للرسول. وقال بعضهم: إن الفيء وأربعة أخماسه كان ملكًا للرسول. وقال بعضهم: إن الرسول إنما كان يستحق من الخمس خمسه . وقال بعض هؤلاء: وكذلك كان يستحق من خمس الفيء خمسه, وهذه الأقوال توجد في كلام طوائف من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم , وهذا غلط من وجوه..))[6] وذكر رحمه الله الوجوه التي يتبين بها غلط هذه الأقوال.
وقال رحمه الله: ((فقوله: (لِلّهِ) (وَلِلرَّسُولِ) في الخمس والفيء كقوله في الأنفال ( لِلّه) (وَالرَّسُولِ) فالإضافة للرسول؛ لأنه هو الذي يقسم هذه الأموال بأمر الله، ليست ملكًا لأحد. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إني والله لا أعطى أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت). يدل على أنه ليس بمالكٍ للأموال، وإنما هو منفذ لأمر الله عز وجل فيها؛ وذلك لأن الله خيره بين أن يكون ملكًا نبيًا، وبين أن يكون عبدًا رسولاً، فاختار أن يكون عبدًا رسولاً، وهذا أعلى المنزلتين، فالملك يصرف المال فيما أحب، ولا إثم عليه، والعبد الرسول لا يصرف المال إلا فيما أُمر به، فيكون فيما يفعله عبادة الله وطاعة له، ليس في قسمه ما هو من المباح الذي لا يثاب عليه، بل يثاب عليه كله، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)[7] يؤيد ذلك فإن قوله: لي؛ أي أمره إليّ، ولهذا قال: والخمس مردود عليكم. وعلى هذا الأصل فما كان بيده من أموال: بني النضير، وفدك، وخمس خيبر، وغير ذلك، هي كلها من مال الفيء الذي لم يكن يملكه، فلا يورث عنه))[8].
لا ميراث للعشيرة
قال عليه الصلاة والسلام: ((لا نورث ما تركناه صدقة)) متفق عليه، أخرجه البخاري (2927) ومسلم(1757) من حديث أوس بن مالك عن عمر رضي الله عنهما .
وأخرج أحمد (9973) بإسناد صحيح على شرط الشيخين: ((انا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركت بعد مؤنة عاملي ونفقة نسائي صدقة)).
وأخرج النسائي في السنن الكبرى (6309) والطبراني في المعجم الأوسط (4578)بإسناد على شرط مسلم مرفوعًا: ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة))
وأخرج البخاري في الصحيح (2624) عنه عليه الصلاة والسلام: ((لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤونة عاملي، فهو صدقة)).
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه (2488) عنه عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده لا تُقَسِّمُ ورثتي شيئًا مما تركت، ما تركناه صدقة)).
وهذا الحكم الإلهي أن الأنبياء لا يورثون شرعه الله صيانة لمقام الأنبياء لكي لا تتطرق إليهم التهمة أن لهم غرضًا من وراء دعوتهم في جمع حطام الدنيا؛ فإن الرجل وإن كان زاهدًا في المال، لكن قد يكون له غرض في جمعه لورثته من بعده، شفقة عليهم، أو محبة لهم، أو أنفة أن يهانوا من بعده، أو لغير ذلك من المقاصد، فصان الله مقام الأنبياء عن هذه الشبهة، فلم يجمعوا الدنيا لأنفسهم، ولا لورثتهم.
وأما قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) (النمل:16)، فليس المقصود به وراثة المال كما يزعم كهنة أسطورة العشيرة المقدسة؛ فسليمان عليه السلام لم يكن هو ابن داود الوحيد، بل كان له أبناء غيره، فلا معنى لذكره أنه ورث مال أبيه دون بقية إخوته، والآية سياقها سياق المدح لسليمان عليه السلام، وليس في وراثته للمال مدح أصلاً، فالمال يرثه البر والفاجر، والمسلم والكافر، وإنما المراد أنه ورث النبوة، ومثله قوله تعال: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً) (مريم/6) ، يعني في النبوة، وهذا ظاهر؛ فإن يحيى عليه السلام ليس من آل يعقوب، وإن كان هنالك إرث للمال فهو للأولاد ولسائر الورثة من آل يعقوب.
وصح عند الترمذي(2682) وأبي أبوداود (3643) وابن ماجة (223) وابن حبان (88) أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)).
وهذا هو الميراث الذي يستحق المدح والإشادة، ميراث النبوة من العلم والهدى والنور، والميراث الذي تركه النبي عليه الصلاة والسلام في أمته هو القران الكريم كما دل عليه قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر/32) فالآية تتحدث عن وراثة الأمة المسلمة للكتاب (القرآن الكريم)، وهذا نظير قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ) (غافر/53).
فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ميراثهم الوحي الإلهي لا المتاع الدنيوي، والنبي يورث الهدى والعلم النافع لأمته جميعًا، لا لطائفة مخصوصة منهم كما يزعم كهنة أسطورة العشيرة المقدسة، والسعيد من أخذ حظه الأوفى من ذلك الميراث النبوي العظيم.
وإذن فميراث الأنبياء العلم، وأما المال فهم لا يملكونه، وبالتالي لا يورثونه، ونبينا عليه الصلاة والسلام اختار مقام العبد الرسول فكان لا يتصرف في المال بمحض إرادته فضلاً عن امتلاكه وتوريثه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((النبي لا يورث ولو كان ملِكا؛ فإن الأنبياء لا يورثون، فإذا كان ملوك الأنبياء لم يكونوا مُلاكًا كما يملك الناس أموالهم، فكيف يكون صفوة الرسل الذي هو عبدٌ رسولٌ مالكًا؟))[9].
وإذا تقررت هذه المعرفة بحال النبي عليه الصلاة والسلام سقطت كل دعاوى كهنة أسطورة العشيرة المقدسة الذين يستقتلون في تصوير النبي عليه الصلاة والسلام أبًا وجدًا موروثًا، وفي هذا السياق صنعوا (دراما) طويلة زعموا فيها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حرم فاطمة رضي الله عنها من ميراث أبيها عليه الصلاة والسلام! ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام يورث فلن ترثه فاطمة وحدها، بل سترثه زوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وكان سيرثه عمه العباس أيضًا، وبحسب فريضة الميراث الشرعية سيكون لزوجاته الثمن، ولابنته فاطمة النصف، والباقي لعمه العباس بالتعصيب، لكن بسبب كثافة التضليل ولأن التشيع السياسي مخيم على العقول لا أحد يسال: إن كان النبي عليه الصلاة والسلام يورث كما يورث سائر الناس فأين ميراث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؟ وأين ميراث أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها؟ وأين ميراث بقية أزواج النبي أمهات المؤمنين رضي الله عنهن؟ وأين ميراث عمه العباس رضي الله عنه؟ لأنه إن كان ثمة ميراث فهؤلاء كلهم يرثونه، وإن كان هنالك حرمان من الميراث فكلهم قد حرموا! فلماذا يختزل الأمر في فاطمة رضي الله عنها وتصور على أنها الوريث الوحيد للنبي الذي لا يورث أصلاً؟!
نحن هنا أمام ألعوبة ديماغوجية من ألاعيب كهنة أسطورة العشيرة المقدسة، هدفها استدرار الاستعطاف وخلق مظلومية كاذبة لفاطمة رضي الله عنها، وشحن النفوس بكراهية الصحابة رضي الله عنهم، وما أكثر ألاعيب كهنة أسطورة العشيرة المقدسة، وما أشد تضليلهم، وما أخبث مكرهم.
ومن خلال ما سبق يتبين أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يملكون الأموال، ولكن الأنبياء الملوك لهم التصرف في المال عطاءً ومنعًا وتوسعًا في المباحات ولا حرج عليهم في ذلك، كما قال تعالى لسليمان عليه السلام: (هذا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (ص/39).
وأما الأنبياء غير الملوك فليس لهم ذلك، وقد اختار نبينا عليه الصلاة والسلام مقام العبد الرسول، فكان لا يتصرف في المال إلا تصرفًا مأذونًا له فيه من الله، فلا يعطي ولا يمنع إلا بأمر.
وللحديث عن تجليات وآثار مقام العبد الرسول بقية تنسف كل ادعاءات وأوهام أسطورة العشيرة المقدسة ومزاعمها في وراثة النبي عليه الصلاة والسلام في السلطة الروحية والسياسية، وهذا هو موضوع حديثنا في الحلقة القادمة بمشيئة الله.
[1] لم أقف عليه بهذا اللفظ، وهو عند البخاري ولفظه:((ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت)).
[2] الإمام ابن القيم: زاد المعاد في هدي خير العباد (5/83 -84).
[3] شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى (11/181).
[4] صحيح الإمام البخاري (3/1133).
[5] العلامة بدر الدين العيني الحنفي: عمدة القاري بشرح صحيح البخاري (15/ 36 – 37).
[6] شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى (10/ 280).
[7] حديث صحيح، أخرجه مالك في الموطأ (977) وأحمد في مسنده (22770) وأبو داود(2696)، والنسائي(4138) وابن حبان(4855) والبيهقي في السنن الكبرى(12527) والطبراني في معجمه(649)، وابن أبي شيبه في مصنفه (38117).
[8] شيخ الإسلام ابن تيمية: منهاج السنة النبوية (4/112).
[9] شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى (10/ 281).



