أشتات

نعمة الأبواب والنوافذ: عن حصون الروح المستباحة ورخاوة “الخرقة البالية”

تخيل للحظة أنك تسكن في بيت بلا جدران؛ هيكل عظمي من الأعمدة الخرسانية فقط، حيث سرير نومك منصوب في العراء، ومائدتك تعبث بها الرياح، وأنت مكشوف تمامًا لكل عابر، وكل صوت، وكل ذرة غبار.

تخيل أن “بابك” الذي تعودت إغلاقه لتعلن انتهاء العالم الخارجي وبدء عالمك الخاص، لم يعد موجودًا، إن مجرد تخيل هذا المشهد يورث النفس انقباضًا وشعورًا بعدم الأمان، لأن الفطرة البشرية جُبلت على حب “الستر” والحاجة إلى “الملاذ”.

إن وجود الأبواب والنوافذ في حياتنا المادية ليس مجرد ضرورة هندسية، بل هي فلسفة وجودية؛ إنها الحواجز المقدسة التي تمنحنا حق الانتقاء، وحق الحجب، وحق الهدوء. هي النعمة التي نغفل عنها، نعمة أن نملك القدرة على قول “لا” للضجيج، وأن نصد عنا غبار الطريق وعوادم السيارات وصخب المارة. ولكن، ماذا لو قلنا إننا في عصرنا هذا، وبكامل إرادتنا، قمنا بخلع هذه الأبواب وتحطيم تلك النوافذ، ليس في بيوتنا الطينية، بل في بيوت أرواحنا؟

تروس الآلة.. وضجيج الواقع “المتدرج

قبل سطوة العصر الرقمي، كانت عِلاقة الإنسان بالضجيج علاقة “فيزيائية” تحكمها قوانين المسافة والزمن والاستعداد؛ فالإنسان لكي يلتحم بضجيج العالم، كان يمر بطقوس متدرجة؛ تبدأ بمرحلة الاستيقاظ ومغالبة عوارض النوم، ثم تهيئة النفس والهندام، وتناول الفطور، ثم الخروج الفعلي وفتح الباب.

هذا الضجيج الواقعي -رغم قسوته- كان “محدودًا” بحدود الجغرافيا، إنه ضجيج الشارع الذي تسكن فيه، وضجيج الحافلة التي تركبها، وضجيج المكتب الذي تعمل فيه، ومآل هذا النوع من الضجيج القسري الناتج عن العمل والسعي في مناكب الأرض، أنه يحول الإنسان بمرور الزمن إلى ترس” في آلة ضخمة، قد يشعر هذا الترس بالإنهاك، وقد يشتكي من الاحتكاك الميكانيكي ومن رتابة الدوران، ولكنه يظل جزءًا صلبًا، متماسكًا، يؤدي وظيفة حيوية في نسيج المجتمع، وله دورة حياة واضحة تبدأ بالحركة وتنتهي بالسكون عند العودة إلى المنزل وإغلاق الباب.

السيولة الرقمية.. وتحطيم الحواجز

على الضفة الأخرى، يربض وحش جديد لا يعترف بمفهوم الأبواب والنوافذ؛ إنه الضجيج الرقمي تكمن خطورة هذا النوع في أنه ألغى “مرحلة الانتقال”. أنت لا تحتاج لغسل وجهك أو ارتداء ملابسك لتواجه هذا العالم؛ يكفي أن تمتد يدك وأنت لا تزال في دفء فراشك لتفتح شاشة الهاتف، فتتحطم فجأة كل الحواجز.

في تلك اللحظة، لا يدخل عليك ضجيج حَيِّكَ أو مدينتك فحسب، بل يقتحم غرفتك ضجيج الكوكبِ بأسره. بلا مقدمات، تجد نفسك تتنقل شعوريًا من كارثة في سيبيريا، إلى احتفال صاخب في شيكاغو، ثم إلى جدل سياسي في النرويج، لتعود بعدها إلى مقطع تافه لقطة تقفز في قارة أخرى، ثم إلى مأساة إنسانية حقيقية على سرير نومك تُمثلك أنت شخصيًّا، كل هذا يحدث في دقائق معدودة، ودون أن تغادر جسدك الملقى على السرير.

هذا الانفتاح المطلق هو استباحة كاملة لوعي الإنسان؛ لقد ألغى هاتفُك وظيفة الباب والنافذة؛ فأصبح عقلك ساحة عامة يمر فيها الصالح والطالح، وتداس فيها سكينتك بأقدام أخبارٍ لا ناقة لك فيها ولا جمل.

من “الترس الصلب” إلى “الخرقة الرخوة

وهنا نصل إلى جوهر المأساة والمفارقة الكبرى التي تطرحها فكرة المقال. إذا كان ضجيج الواقع يحول الإنسان إلى “ترس” صلب منهك، فإن ضجيج مواقع التواصل يحوله إلى مسخ” يشبه قطعة القماش الرخوة (الخرقة البالية).

لماذا هذا التشبيه؟ لأن الحياة بمسؤولياتها الجسام (زوجة، أبناء، عمل، رسالة سامية، بناء وطن) تتطلب ما يسمى هندسيًا بـ قوة الشد”  تحتاج إنسانًا ذا بنية نفسية متماسكة، قادرًا على “الجر” والتحمل، أما مدمن هذا الضجيج الرقمي، فقد تعرض لعملية “تسييل” لصلابته النفسية.

كيف لرجل استيقظ عقله منهكًا من جولة حول العالم، مُشَبعًا بمشاعر متضاربة من الحسد والغضب والضحك والخوف، أن يمتلك الطاقة الشعورية ليحتوي غضب طفله الصغير؟ أو ليناقش زوجته بحكمة؟ أو ليخطط لمستقبله بوضوح؟ إنه يعود من رحلته الرقمية وهو لم يتحرك من مكانه مستنزفًا تمامًا، كخرقة مبللة لا تصلح لشد أي حِمْلٍ، ولا يمكن الاعتماد عليها في بناء أي هيكل اجتماعي رصين، فضلًا عن حل المعادلات الاجتماعية البسيطة؛ كاتخاذ قرار، تربية طفل، التزام بموعد، التحدث بهدوء…

وهم المعرفة وغياب الوعي

إن هذا الضجيج لا يسرق الوقت فحسب، بل يدمر “سلسلة الجر” في البنية الاجتماعية، الإنسان الواعي هو إنسان يمتلك “فلاتر” (نوافذ وأبواب) يفتحها بمقدار ويغلقها بمقدار. أما الإنسان المستباح رقميًا، فهو فاقد للسيطرة؛ إنه يعتقد أنه “يعرف” أكثر لأنه رأى فيديوهات من كل لون، لكنه في الحقيقة فقد القدرة على “الفهم”

لقد تحول الوعي لديه من حالة يقظة وتركيز إلى حالة تلقي سلبي. الضجيج الرقمي جعلنا نعيش حيوات الآخرين وننسى حياتنا، نحمل هموم العالم الافتراضي ونسقط تحت وطأة أعباء واجباتنا المنزلية البسيطة، أصبحنا مسافرين دائمين بلا تذاكر وبلا وجهة، نصل إلى كل مكان ولا نصل إلى ذواتنا أبدًا.

ختامًا.. نحن بحاجة ماسة لإعادة تركيب الأبواب والنوافذ في عقولنا، نحن بحاجة لاستعادة “سيادة الذات” على ما يدخل إليها، إن نعمة الباب المغلق ليست عُزلة، بل هي الشرط الأول لإنتاج وعي حقيقي، ولبناء شخصية صلبة قادرة على تحمل أعباء الحياة الواقعية، بدلًا من أن نكون مجرد خرق بالية تتقاذفها رياح “الإشعارات والريلز”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى