المدونة

الإنجاز في الغربة وطن

بدا لي أنَّ الأقدارَ لا تُنضِجُ الرجالَ في مهادهم، ولا تُطلِقُ مكنوناتهم وهم في مرابعهم، وإنما تدفعهم دفعًا إلى الرَّحيل؛ حيث تُختبر العزائم، وتُصفَّى الإرادات، وتُولَد من عُسر الفراق حقائقُ النبوغ. هناك، خارج حدود العادة، يبدأ الإنسان في اكتشاف نفسه، ويكتب سيرته بمداد السَّعي والكدح، لا بحبر التمنّي.

لم يمت نبيٌّ حيث وُلد، ولم يبقَ صحابيٌّ في بلده إلا القليل، القبور شاهدة، والفيافي والقفار ناطقة، الغربة مدرسة تفطمك قسرًا عن لبن الديار لتسقيك عسل النجاح في أرض الله الواسعة، الوطن هو النجاح، هو الإنتاج، هو حيث تجد نفسك، وكرامتك وذاتك، وحيث تعطي وحيث تبدع، الظالم لنفسه من استكن في بلده خانعًا، قاتلًا لنفسه، مضيعًا لزهرة عمره، يبكي أحجارًا صامتة، وأشجارًا يابسة، وأوديةً قاحلة، وأرض الله واسعة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97]، ونعوذ بالله من سوء المصير، فيما يُنسب للشافعي من السير في البلاد، ومفارقة الديار، وجوب الأرض طولًا وعرضًا ما يشحذ همة كل خانع، وينير سبيل كل قاصد، ألا لا نجاح بدون هجرة، ومما يُنسب له رحمه الله قوله:

ارحل بنفسك عن أرض تُضام بها
ولا تكن من فراق الأهل في حَنَق
فالعنبر الخام روث في مواطنه
وفي التغرب محمول على العنق
والكحل نوع من الأحجار تنظره
في أرضه وهو مُلقىً على الطرق
لما تغرّب حاز الفضل أجمعه
فصار يُحمل بين الجفن والحدق

وقال أيضًا:

إني رأيت ركود الماء يفسده
إن ساح طاب، وإذ لم يجر لم يطب

وأشهر من كل هذا قوله في البيتين الشهيرين، والذي يتغنّى بهما كل طائر مهاجر:

ترحّل عن الأوطان في طلب العلا…

يقولون: المال في الغربة وطن، وأنا أسميه عوضًا، النجاح في الغربة إنجاز، لكل عَلَم من أعلام الأمة مولدان: مولد وطن، ومولد نبوغ! وقديمًا قالوا: لا يُلتفت إلى علم رجل ليس له هجرة، أو لا يُوثق في علم رجل لم يفارق وطنه، الغربة تلاقُح أفكار، ولولاها لما تزاوجت بنات الأفكار فتبدع مواليد جديدة من الإبداعات، التاجر ابن قرية لكنه رحل، العالم ابن قرية لكنه تغرّب، القائد ابن قرية لكنه هاجر، السياسي ابن قرية لكنه فارق، وهكذا، نلعن الغربة صباحًا ومساءً، وإذا عدنا إلى مراتع الصبا، ومواطن الطفولة، فارقناها على عجل! فطرة في الإنسان يحن إلى وطنه، ووفيٌّ من لا يتنكر لذلك الوطن، لكنه شاء أم أبى سيفارقه بعدما يقضي نهمته منه ساعات قليلة، وعلى أكثر تقدير أيامًا معدودة، كلنا ذاك الرجل الذي يحن لتلك الأيام، وكلنا ذاك الرجل الذي يرى في الركون إليها فشلًا ذريعًا لا يحقق له حياة كريمة، ولا عيشة رغيدة، عندما قال أبو ذر لسلمان رضي الله عنهما: (هلم إلى الأرض المقدسة)، رد عليه سلمان -وهو الذي طاف الأرض بحثًا عن الحقيقة- بقوله: (الأرض لا تُقدّس أحدًا، إنما يُقدّس الإنسان عمله).

سنظل في ذات الدائرة ما حيينا، وما بقيت على الأرض حياة، نفارق ونشتاق ثم نعود طواعية من جديد للفراق، إذا كان الخروج الأول قسرًا، فإن البقاء اختيارًا، والعودة الثانية اختيارًا لا خيار غيره، خرج النبي صلى الله عليه وسلم أول الهجرة مكرهًا، وخرج الخروج الثاني من مكة بعد الفتح مختارًا، فقال للأنصار: «المحيا محياكم والممات مماتكم».
لو لم يهاجر ابن زريق لما كتب رائعته، ولو لم يخرج الشافعي لما كتب رسالته، ولو لم يترحل المتنبي لما اكتمل ديوانه، ولو ولو ولو، ولن تنقضي “لو”، الهجرة إلى قيام الساعة، وعصا الترحال على عاتق كل طموح، هاجرت قبل عشرين عامًا، فافتقدني أحد مشايخي، فاتصل يسأل عن حالي، وأول كلمة قلتها له: قاتل الله الطموح، ضحك فقال: ولِمَ؟ قلت له: لولاه لما هاجرت وتركتكم، بقي ألا تذهب أيام الغربة سدىً، ومن هاجر ليتسكع في بلاد الله بدون هدف ولا طموح، فبلده أولى بتسكعه فيها، أقلها أنه سيقضي لأمه حاجة، في رعي غنمها، أو جمع حطبها، أما من له هدف مرسوم، وخطة محكمة، فغربته إنجاز، والإنجاز في الغربة وطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى