المدونة

﴿ ونراه قريبا ﴾

كيف يتسع لنا الزمان ويسعنا

في أول سورة الكهف وختامها حديث عن ثواب الذين آمنوا وعملوا الصالحات، تلك بشرى تحيط بالسورة ويتمثل فيها تحقق الغرض الثاني الذي نزل هذا القرآن من أجله ﴿وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا﴾

هذا الثواب الأخروي المعبر عنه بجنات الفردوس في ختام السورة كان له ميزة متكررة، ألا وهي الخلود، إنه يبقى إلى الأبد  الذي ليس له نهاية ولا يغشاه الملل  ﴿مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا﴾  ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا﴾

كتبت مرة عن الزمن في سورة الكهف من حيث كونه ابتلاء، فتطاول أزمنة القهر والاستضعاف والابتلاء في انتظار النصر والفتح والتمكين = يطأ في امتداده وثقله نفوس كثير من البشر ويكاد يهلكها أسى وألما. 

لكن معنى ما يشغلني منذ شهر رمضان الماضي، فيُبنى وتتجمع فروعه عبر آيات كثيرة ومناقشات متنوعة، ألا وهو سعة الزمان الذي يشهدنا إياه الوحي وينقلنا إلى مجالاته ويحاكم تصوراتنا إليه، هذا الزمان الواسع الذي يتجاوز الدنيا بفنائها إلى الآخرة بخلودها وتتفاوت على امتداده حسابات الزمن وتقدير الأيام، ففي سورة الكهف كما رأينا إشارة إلى ذلك الخلود في البدء والختام، بالإضافة إلى دلالة وصف الجنات في هذه الآية  ﴿أولئك﴾ بأنها جنات عدن، والعدن هو الثبات والاستقرار

[قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [النحل : 31] ، أي:استقرار وثبات، وعَدَنَ بمكان كذا: استقرّ، ومنه المَعْدِنُ: لمستقرّ الجواهر] مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني

الحقيقة من المهم التنبه إلى دلالات الألفاظ المتعلقة بوصف الجنة والنار وتفاصيل النعيم والعذاب، فمثلا في سورة السجدة يوصف عذاب النار بأنه عذاب الخلد، وفي سورة الإنسان ورغم عدم ذكر الخلود في الجنة مباشرة إلا أن وصف الولدان ـ الذين هم من ضمن نعيم الجنة ـ بأنهم مخلدون يشير إلى تفصيل آخر من تفاصيل النعيم الخالد

[ووُصِفُوا بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ لِلِاحْتِراسِ مِمّا يُوهِمُهُ اشْتِقاقُ وِلْدانٍ مِن أنَّهم يَشِبُّونَ ويِكْتَهِلُونَ، أيْ لا تَتَغَيَّرُ صِفاتُهم فَهم وِلْدانٌ دَوْمًا وإلّا فَإنَّ خُلُودَ الذَّواتِ في الجَنَّةِ مَعْلُومٌ فَما كانَ ذِكْرُهُ إلّا لِأنَّهُ تَخْلِيدٌ خاصٌّ] ابن عاشور.

حسنا فالزمن هنا رغم تطاوله لا يغير من صفاتهم ولا هيئاتهم شيئا، كأن الزمن يمر خارجهم، أو كأنهم صاروا خارج الزمن، بماذا يذكرنا هذا؟ بفتية الكهف، ثلاثة قرون وزيادة وهم كما هم، الشمس لا تغير بشرتهم، والتراب لا يأكل أجسادهم، الزمن يمر نعم، لكن خارج الكهف، بدليل ما قالوا ﴿قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ﴾، هذا الاختلاف في تقدير الزمن ينقلنا نقلة أخرى في معنى الزمن الواسع، ذلك أن الإنسان  ـ كونه مخلوقا فانيا ـ يرى الزمان قصيرا، فالموت ينتظره ووقته في الدنيا محدود، ولأنه مسكون بهاجس الخلود الذي سيصير إليه، فرغباته وتطلعاته غير محدودة، ولذلك نرى صاحب الجنتين في إسقاط خاطيء لمعنى الخلود على المتاع الدنيوي الفاني يقول: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَاۤ أَظُنُّ أَن تَبِیدَ هَـٰذِهِۦۤ أَبَدࣰا﴾، إنه يضفي معنى الخلود على جنته ويتصور أنها لا تبيد أبدا، وعلى هذا فَقِسْ كثيرا من مسالك أهل الدنيا مع دنياهم.

فاتحة الفاتحة 2 ﴿ ونراه قريبا ﴾

 إذن ما الحل في هذا التناقض بين الزمن المحدود والرغبات غير المحدودة؟! الحل كما أراه في ثلاثة أشياء ينبغي تصورها جيدا واستيعابها:

أولا: هناك حياة أخرى خالدة زمانها أبدي هي الحياة الآخرة حيث لا موت ولا فناء، والمطلوب أن تسعى للآخرة سعيها، فتعمل في الدنيا تحصيلا لنعيم الآخرة واتقاء لعذابها، وهذا ما بدأنا بها حديثنا.

ثانيا: مراعاة فروق التوقيت! أي إدراك اختلاف تقديرات الزمن، ففي سورة السجدة نجد قوله تعالى ﴿یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ یَعۡرُجُ إِلَیۡهِ فِی یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُۥۤ أَلۡفَ سَنَةࣲ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة ٥]

يقول الإمام ابن عاشور:

[ومَعْنى تَقْدِيرِهِ بِألْفِ سَنَةٍ أنَّهُ تَحْصُلُ فِيهِ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ في كائِناتِ السَّماءِ والأرْضِ ما لَوْ كانَ مِن عَمَلِ النّاسِ لَكانَ حُصُولُ مِثْلِهِ في ألْفِ سَنَةٍ، فَلَكَ أنْ تُقَدِّرَ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ التَّصَرُّفاتِ، أوْ بِقَطْعِ المَسافاتِ، وقَدْ فُرِضَتْ في ذَلِكَ عِدَّةُ احْتِمالاتٍ. والمَقْصُودُ: التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ مَلَكُوتِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ]

هذا الفرق في تقدير الزمن يهمنا كثيرا كما يهم كل المستضعفين المنتظرين يوم النجاة والانتقام، ولهذا نجد في سورة الحج نفس التفاوت النسبي في تقدير الزمن لكن في سياق آخر ﴿وَیَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن یُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ یَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةࣲ مِّمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَیِّن مِّن قَرۡیَةٍ أَمۡلَیۡتُ لَهَا وَهِیَ ظَالِمَةࣱ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَیَّ ٱلۡمَصِیرُ﴾

يقول الإمام البقاعي:

[﴿وعْدَهُ﴾ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لَكِنَّ الطَّوِيلَ عِنْدَهم مِنَ الزَّمَنِ قَصِيرٌ عِنْدَهُ، وقَدْ يُنْجِزُ الوَعْدَ وقَدْ يُؤَخِّرُهُ بَعْدَ الوَعِيدِ إلى حِينِ يَوْمٍ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، لِأنَّ قَضاءَهُ سَبَقَ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا فِيهِ لِحِكَمٍ يُظْهِرُها لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ…..﴿مِمّا تَعُدُّونَ﴾ لِأنَّ أيّامَكم تُناسِبُ أوْهامَكُمْ،وأزْمانَكم تُناسِبُ شَأْنَكُمْ، وهو حَلِيمٌ لا يَسْتَطِيلُ الزَّمانَ، وقادِرٌ لا يَخافُ الفَوْتَ]

ويقول الإمام الطبري:

[﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ نفي العجلة عن نفسه، ووصفها بالأناة والانتظار، وإذ كان ذلك كذلك، كان تأويل الكلام: وإن يوما من الأيام التي عند الله يوم القيامة، يوم واحد كألف سنة من عددكم، وليس ذلك عنده ببعيد، وهو عندكم بعيد، فلذلك لا يعجل بعقوبة من أراد عقوبته حتى يبلغ غاية مدّته]

إذن فلا ينبغي أن يدركنا اليأس من الانتصار من الظالمين ولو طال الزمن، ولا ينبغي علينا تعجل هلاكهم ولو رأوه بعيدا، لأن ربنا يراه قريبا، ونحن باستمساكنا بالوحي الذي هو كلام ربنا لابد أن نراه كذلك قريبا، وإذن فلابد من الصبر الجميل ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمۡ یَرَوۡنَهُۥ بَعِیدࣰا (6) وَنَرَىٰهُ قَرِیبࣰا} سورة المعارج.

ثالثا: إذا كان مناط التصور زمنا واسعا بهذا الشكل، فإن مناط العمل هو زمن محدود يقدر يوما بعد يوم، وعليك أن تملأه بطاعة الله بالغداة والعشي، آناء الليل وأطراف النهار.

في سورة الكهف التي افتتحنا بها حديثنا عن الزمن الواسع نجد إشارة مهمة تحثنا على الصبر﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَیۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِیدُ زِینَةَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطࣰا﴾ [الكهف ٢٨]

إنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي. تقطيع الزمن بهذه الطريقة وتقسيمه بين ليل ونهار، يشعرك بمدى حفظهم لأوقاتهم وحرصهم عليها وعنايتهم بتعميرها بالصالح من القول والعمل، حتى الغداة الواحدة لها قيمة، والعشي كذلك.

﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا یَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَاۤىِٕ ٱلَّیۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ﴾ [طه ١٣٠]

الصبر يربط بين الآيتين، ويربطهما مع آية سورة المعارج، وكأننا كي نصبر نحتاج إلى رؤية زمانية واسعة تخرجنا من ضيق الزمان الدنيوي المحدود، وإلى عمل دؤوب على مدار اليوم والليلة ينجينا من التردي في مهاوي اليأس ويعدنا لأيام الله، إنه الاندماج الأمثل بين اتساع الرؤية وتركيز العمل.

أتذكر هنا لمحة من حديث الدجال [قلنا: وما لُبثُه في الأرضِ؟ قال: أربعون يومًا: يومٌ كسنةٍ ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسائرُ أيَّامِه كأيَّامِكم فقلنا: يا رسولَ اللهِ: هذا اليومُ الَّذي كسَنةٍ أتكفينا فيه صلاةُ يومٍ وليلةٍ؟ قال: لا، اقدُروا له قدرَه]

لم ينشغل الصحابة رضوان الله عليهم باختلاف تقدير الزمان، لم يسألوا عن طبيعة اليوم الذي كسنة، كيف سيمر؟! كيف سنتحمله؟! سألوا فقط عن صلاتهم فيه كيف تكون؟! لقد شغلتهم الصلاة وإن فيها لشغلا، لقد شغلهم العمل الذي يعمرون به يومهم عن ثقل يومهم نفسه وغرابة طبيعته.

هذا التركيز المتواصل على العمل في سائر الزمن يجعل تضحية الإنسان بجل عمره في الدعوة إلى الله أو طلب العلم أمرا محتملا تماما، ولذلك نجد موسى عليه السلام يعلنها﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَاۤ أَبۡرَحُ حَتَّىٰۤ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ أَوۡ أَمۡضِیَ حُقُبࣰا﴾ [الكهف ٦٠]

ونوح عليه السلام يلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا).

في الحديث النبوي الشريف [إن قامتِ السَّاعةُ و في يدِ أحدِكم فسيلةٌ، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرِسْها] ما تبقى ضئيل جدا من عمر الدنيا، وأنت لا تنتظر ثمرة الفسيلة بالطبع، لكن غرس الفسيلة هو دورك عند انقضاء زمن الفناء، وعلى مشارف أزمنة الخلود، وكأنه غرس يساعدك على العبور من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

ونراه قريبا 2 ﴿ ونراه قريبا ﴾

وبعد،

فقد كنت أفكر في شهر رمضان الماضي في ليلة القدر بوصفها إمدادا سنويا بالزمن ـ ليس فقط إلى عمر كل واحد منا ـ بل إلى عمر أمتنا كلها، كثير من المفسرين يذكر عند قوله تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر) الحديث عن رجل من بني إسرائيل عبد الله ثمانين عاما، وكيف أن أعمار أمتنا قصيرة بين الستين والسبعين كما في الحديث فلا تكاد تتسع لشيء مثل هذا، فتأتي ليلة القدر إمدادا لنا بالزمن، وكأن ليلة واحدة تتسع لألف شهر وزيادة، ومثل ليلة القدر في الشريعة أوقات أخرى:

[وَهَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ -وَلَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ-هُوَ اختيارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَهُوَ الصَّوَابُ لَا مَا عَدَاهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ ﷺ: “رِباطُ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْر مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ”.رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَمَا جَاءَ فِي قَاصِدِ الْجُمُعَةِ بِهَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، وَنِيَّةٍ صَالِحَةٍ:”أَنَّهُ يُكتَبُ لَهُ عَمَلُ سَنَةٍ، أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا” إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الْمُشَابِهَةِ لِذَلِك] تفسير الإمام ابن كثير

فالزمن الواسع يُستوعَب هاهنا في ليلة، وبالتالي فكل ما يلازمه من قدرة على الصبر والعمل والانتظار يُستوعب كذلك في ليلة، وكأن الأمة كلها ينضاف كل عام في ليلة القدر عمر إلى عمرها وصبر على صبرها فيتسع أمامها الزمان ويمتد، ويقصر عندها وقت الاستضعاف ويقل، وفي حين يرى أعداؤها يوم الفصل بعيدا، تراه هي قريبا، فتغرس الفسيلة وتنتظر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى