آثار

أضيعُ من تاريخ اليمن!

إذا كانت العرب تقول في أمثالها: أوفى من السموأل، وأوسع من الدهناء، وأوهى من بيت العنكبوت، وأبعد من العيوق! مبالغة في حصول ذلك الشيء وتحققه، فإننا يمكن أن نستنَّ بهم ونسير على هديهم، ونقول: أضيع من تاريخ اليمن! مبالغة في تحقُّق هذا الضياع بما لم يشهده تاريخ أي بلد آخر.

إنَّ التَّاريخ من أهم العلوم التي تقدم للباحث حصيلة معرفية لكثير من أنواع العلوم والأخبار، عن الدول والممالك الغابرة: عما كان ينظم شؤونها وينير سبلَ حياتها، والوقوف على أسبابِ نهضتها، وعوامل ازدهارها، وأسباب سقوطها أو ضعفها؛ فبتدوين التاريخ تعرف الأمم ويخلد يذكرها، وبتركه يندثرُ تاريخها وتُطمس معالمها، كما قال تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا) [سورة الفرقان:38]، فعاد وثمود وأصحاب الرس لـمَّا ذُكروا بقي ذكرهم، وأما من لم يذكروا فنُسوا واندثروا.

كما يعد التاريخ مدرسة الدهر، يعلمنا ما لم نكن نعلم، وهو كما قال ابن خلدون (ت:808ه): “إنَّ فنَّ التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتشدّ إليه الرّكائب والرّحال، وتسمو إلى معرفته السُّوَقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهُّال، إذ هو في ظاهره ‌لا ‌يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصَّها الاحتفال، وتؤدِّي لنا شأن الخليقة كيف تقلَّبت بها الأحوال، واتَّسع للدول فيها النِّطاق والمجال، وعمَّروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعدَّ في علومها وخليق، وإنَّ فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها، وسطَّروها في صفحات الدَّفاتر وأودعوها”.

إنَّ الاهتمام بدراسة تاريخ الأمم يتزايد يومًا بعد يوم، ولم تعد قراءته مقصورة على المتعة وإرضاء النَّفس بحب الاستطلاع؛ بل أدركَ الإنسان أنَّ الاطلاع على التَّاريخ من أهم وسائل العلم والمعرفة، وأداةٌ كبرى لكشفِ قابلية الأمم وطاقاِتها الإبداعية، وحافز كبير للهمم، ومعرفة مدى ما تواصلت إليه الأمم الماضية من نهضاتٍ وتقدُّم، مما تدعوا الحاجة إلى دراسة ماضي تلك المجتمعات دراسة منهجية علمية.

إنَّ التاريخ اليمني مشهود له بثرائه وعمقه وأصالةِ حضارته، التي تميزت في كثير من المجالات، حتى أن القرآن الكريم ذكر جزءًا من تاريخه كما كان من مملكة سبأ، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سورة سبأ:15]. وكما قال تعالى في قصة بلقيس مع سليمان -عليه السلام-: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [سورة النمل:29-30].

وعلى الرغم من العناية الملحوظة بالتاريخ اليمني في السنوات الأخيرة، وما لقي من اهتمام متزايد بتراثه، وكثرة البحوث المتخصصة في جوانب متعددة، إلا أن هذه الدراسات اهتمت بجانبٍ دون جانب آخر، ولن يتم النهوض بالتاريخ اليمني إلا بشمول دراسته في جميع نواحي الحياة.

يحيط حول التاريخ اليمني تساؤلات كثيرة، ويكتنفه غموض كبير؛ ولذلك يحتاج لإبراز معالمه ومدلولاته إلى جهد وصبر عظيم، وكذلك تباعد الزمن وتقادم المخطوطات، واحتكارها لدى بعض الأشخاص الذين لا يعرفون قيمتها، مما يصعبُ على الباحثين والمختصين الحصول عليها.

من تاريخ اليمن أضيعُ من تاريخ اليمن!

لقد أثبتت فهارس مكتبات المخطوطات اليمنية الخاصة والعامة، وفهارس بعض المتاحف والمكتبات العربية والعالمية أن التاريخ اليمني زاخر بآلاف المخطوطات في جميع مجالات العلوم والمعرفة.

لقد تعرَّض التاريخ اليمني لكثيرٍ من التغييب والاندثار والإهمال أكثر مما وقع على غيره، فبقي معظمه حبيس دور المخطوطات المختلفة والمتاحف والمكتبات العامة والخاصة في بلاد اليمن، وفي غيرها من البلدان الأخرى، وبقي كثير منه بعيدًا عن أن تطاله يد الفهرسة والتَّحقيق، فعُدَّ في حكمِ المفقود.

لقد تنوع هذا التراث فشمل شتى المجالات العلمية، ومختلف فروع المعرفة والثقافة، وهو ثمرةٌ منطقيةُ لحياةٍ علميةٍ زاهرةٍ شهدتها البلاد اليمنية، وانعكاسٌ طبيعيٌ لسباقٍ مقصودٍ وغير مقصودٍ بين رجال الفرق والمذاهب من أبناء اليمن، وهو ما لم تتضح معظم تفاصيله لدى كثير من العلماء والباحثين المعاصرين فرُسِمَ انطباعٌ غير صائب لديهم يتمثَّل في القول بأنَّ اليمن لم تجارِ غيرها من أقطار العالم الإسلامي في ميدان التأليف وتدوين العلوم، ومصدر ذلك الانطباع هو قلة ما في متناول أيدي الناس من نتاج علماء اليمن على مدار تاريخها الإسلامي، وقلة وندرة الجهود التي يبذلها الباحثون اليمنيون في المقام الأول قبل غيرهم في دراسة وعرض ذلك التراث، وذلك التاريخ العلمي المزدهر، فكان ذلك الانطباع وتلك الصورة بلا شك مجانبة للواقع والصواب.

إن قلة هذا الاهتمام قد أدت إليه أسباب ذكر جزًءا منها بعض علماء ومؤرخي اليمن فمن ذلك على سبيل المثال ما يلي:

ما ذكره المؤرخ أبو الغَمر مُسلم بن محمد اللحجي اليمني -رحمه الله تعالى- (ت550ه) بقوله: “إنَّ قلة الرغبة في أهل اليمن في إحياء ما يكون في بلادهم، وفي أهلها من الأخبار والآثار، ولهم الفضائل والمحاسن والعجائب ما قد عرفت، ومعلوم أنه قد كان في اليمن من المحاسن الحسنة في أخبار الدنيا في الجاهلية، والإسلام، وأخبار الدين في الإسلام وسائر مكارم الأخلاق ونوادر العجائب التي قد دوَّن أهل العراق والحجاز ومصر والشام وخراسان ما هو دونها، وأحيوا ما في طبقتها من أخبار ملوكهم وقوادهم وشعرائهم وكُتابهم وخطبائهم وفقهائهم وعُبَّادهم وزهَادهم ووزرائهم وسُوقتهم وعوامهم وغير ذلك”، ولهذا حيَوْا وماتوا!

وما أراده شيخ الإسلام الشوكاني -رحمه الله تعالى- على هذه الظاهرةِ بقوله: “ومع كثرة فضلائهم، ووجود أعيان منهم في كل مكرمة على تعاقب الْأَعْصَار لهم عناية كاملة ورغبة وافرة في دفن محاسن أكابرهم، وطمس آثار مفاخرهم، فلا يرفعون إلى ما يصدر عن أعيانهم من نظم أو نثر أو تصنيف رأسًا، وهذا مع توفر رغباتهم إلى الاطلاع على ما يصدر من غيرهم، والاشتغال الكامل بمعرفة أحوال سائر الطوائف، والإكباب على كتبهم التاريخية وغيرها.

وإني لأكثر التعجُّب من اختصاص المذكورين بهذه الخصلة التي كانت سببًا لدفن سابقهم ولاحقهم، وغمط رفيع قدر عالمهم وفاضلهم وشاعرهم وسائر أكابرهم، ولهذا أهملهم المصنفون في التاريخ على العموم، كمن يترجم لأهل قرن من القرون أو عصر من العصور، وإن ذكروا النادر منهم ترجموه ترجمة مغسولة عن الفائدة، عاطلة عن بعض ما يستحقه ليس فيها ذكر مولد ولا وفاة ولا شيوخ ولا مسموعات ولا مقروءات ولا أشعار ولا أخبار؛ لأنَّ الذين ينقلون أحوال الشخص إلى غيره هم معارفه وأهل بلده، فإذا أهملوه أهمله غيرهم وجهلوا أمره، ومن هذه الحيثية تجدني في هذا الكتاب -البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع- إذا ترجمت أحدًا منهم لم أدر ما أقول! لأنَّ أهل عصره أهملوه فلم يبقَ لديَّ من بعدهم إلا مجرد أنه فلان بن فلان، لا يدري متى ولد ولا في أي وقت مات وما صنع في حياته؟”.

ويقول أيضًا -رحمه الله تعالى-: “لا ريب أن علماء الطوائف لا يكثرون العناية بأهل هذه الديار لاعتقادهم فيهم ما لا مقتضى له إلا مجرد التقليد لمن لم يطلع على الأحوال”.

ويعقبُ القاضي محمَّد بن علي الأكوع -رحمه الله تعالى- على ذلك بقوله: “ونحن اليوم نعاني ما كان يعانيه آباؤنا وأجدادنا من داء الحسد والشنآن، أعاذنا الله من ذلك وجنب قومي ما يكرهون، ويعلم الله والأسف يحزُّ في نفسي وينْحتُ في جسمي أني لم أقصد فيما أوردته هضم قومي أو الانتقاص منهم أو المساس من مشاعرهم أو الشماتة، واللهمَّ لا شماتة! -وهم الملأ-، بل لأبعث فيهم روح النشاط للقراءة والمطالعة، والتأليف، والنشر وإحياء التراث اليمني النافع لا سيما العلوم الإنسانية والعلمية التي ليس فيها تقديس لأحد، ولأَقْدح فيهم نور الأمل، وانتزع من نفوسهم آفة الكسل، وأحيي من ذكائهم رميم الجمود، وأذكي في ودانهم روح الطموح وحُبَّ العلو والعلوم ليكونا قدوة حسنة ومثلاً أسمى، وحتى يقال: هذا الشبل من ذاك الأسد! وعلى حد قول الأول:

فكن رجلاً رجلُه في الثرى

 وهَامةُ همَّتِهِ في الثريَّا

ختامًا:

جدير على أبناء كل أمَّة أن تدرس تاريخها وسير أبطالها وأعلام رجالها، وتُنقبُ عن ماضيها لتقتفي بأسلافها، وفي التاريخ عبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن افتكر؛ لذلك رأينا أن نهتدي بعبر التاريخ، لتنير الطريق للحاضر وللأجيال القادمة، كما في قول القائل:

مَن لم يعِ التاريخَ في صدرِه 

لم يَدْرِ حُلوَ العَيشِ مِن مُرِّه 

ومَن وَعَى التاريخَ في صَدْرِه 

أضافَ أعمارًا إلى عُمْرِه

مقترحات للنهوض بالتاريخ اليمني:

– الحث على تدوين تاريخ اليمن المعاصر، وما يستدرك من التاريخ الماضي، لإبراز معالم هذه البلاد، والنهوض بتاريخيه بعد اندثاره. 

– استخراج المخطوطات اليمنية، والعمل على تحقيقها في شتى المجالات العلمية.

– فتح مجالات وأقسام في الجامعات والمؤسسات التعلمية ببلاد اليمن؛ لدراسة التاريخ اليمني، والاهتمام به على مر العصور.

– العمل على استخراج موسوعة في التاريخ اليمني حسب المصادر المتوفرة من بدايته إلى عصرنا الحاضر.

سامي منصور

سامي منصور محمد سيف حاصل على شهادة الليسانس من جامعة تعز، كلية الحقوق عام 2009م. حاصل علىٰ شهاد الماجستير بتقدير «ممتاز» مع مرتبة الشرف الأولى، من قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، كلية الدعوة وأصول الدين، بالجامعة الإسلامية. وعنوان رسالة الماجستير (جهود الدولة الرسولية في الدعوة إلىٰ الله في بلاد اليمن). باحث في مرحلة الدكتوراة، قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، الجامعة الإسلامية. لديه بعض الأبحاث العلمية والمقالات في العديد من المواقع المتخصصة.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. عموم المناطق باستثناء عواصم الخلافة والدول الإسلامية تجد تاريخها ضائع كاليمن وعمان ونجد والبحرين، إضافة إلى أنها مراكز للفرق المارقة من روافض وخوارج إلى اليوم، ولا أتحدث عن مجرد تواجد تلك الفرق وإنما مراكز ثقل، فلا غرابة في الضياع المذكور.

  2. لا غرابة في ضياع التاريخ اليمني!
    إذا لم يكن هناك اهتمام به…

    لذا يجب الباحثين والمختصين الاعتناء به..

    شكراً على هذا الفتة الرائعة في خدمة التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى