آثار

الرحلات العلمية في اليمن في عهد الدولة الرسولية

الرحلة العلمية في طلب العلم من أعظم الطرق التي يتحصل بها طالب العلم مُبتغاه، ولا يختلف اثنان على مدى أهمية التواصل العلمي بين البلاد وأثر ذلك في اكتساب الثقافة، وسعة المفاهيم، وتلاقح الأفكار، وتناقل العلوم المختلفة بين الأقطار المختلفة، وقد كثرت الرحلات العلمية بين فئة المثقفين في العهد الرسولي، وعني بها العلماء والفقهاء والأئمة والقراء على امتداد الدول الإسلامية فلم يكتف العلماء وطلاب العلم بما لدى علمائهم ومشايخهم المشهورين في بلدانهم، مما حتم عليهم السفر والترحال طلباً للعلم فعندما يعلمون أو يصل إلى مسامعهم بأن عالماً يفوق شيوخهم علماً، وهو في بلدٍ ما؛ نجد طالبي العلم ينتقلون إليه رغبة في الاستزادة من العلم، وكان يقاس العالم عند فئة العلماء بسعة علمه وكثرة رحلاته في طلب العلم مما جعل طلاب العلم يجتهدون في السَّفر والبحث عن العلماء في الأقطار الإسلامية.

ولقد أدركَ المسلمون الأهمية الكبيرة للرحلة العلمية، خاصة أن التَّاريخ الإسلامي حافل بالنماذج الوضاءة لأولئك العلماء الأجلاء الذين قضوا جزءاً كبيراً من أعمارهم في الرحلة لطلب علم الحديث والذي كان الاهتمام به من أكثر ما يشغل العلماء في العصور الإسلامية(1).

وكان علماء المسلمين سواء في العصور التي سبقت العصر الرسولي أو حتى في عصر بني رسول بإمكانهم الانتقال من بلدٍ إسلاميٍّ إلى آخر دون طلب إذن للدخول فيه بحكم أنه لا يوجد قيود على الداخلين أو الخارجين إلى أي بلد تقريباً إذا استثنينا بعض الطرق المشهورة(2)، مما ساعد على تبادل الزيارات العلمية بين الأمصار الإسلامية، وبذا توثقت عرى العلاقة العلمية وازدهرت الصلات العلمية بين اليمن وبين البلدان الإسلامية الأخرى مما أحدث تبادلاً ثقافياً، وتفاعلاً علمياً، كانت نتيجته الارتقاء بالحياة العلمية في اليمن وأغلب بلاد المسلمين، وكثرت أعداد العلماء الذين يقصدهم طلاب العلم سواء كان من اليمن أو من خارجه.

ويمكن لنا أن نقسم الرحلات العلمية إلى قسمين: قسم يتعلق بالرحلات الداخلية أي بين بلدان اليمن، والقسم الثاني يتعلق بالرحلات الخارجية؛ أي إلى بلدان العالم الإسلامي المشتهرة بالعلم والعلماء، وهي على النَّحو الآتي:

العلمية في اليمن في عهد الدولة الرسولية9 الرحلات العلمية في اليمن في عهد الدولة الرسولية

أولاً: الرحلات العلمية الداخلية:

يقصد بالرحلات العلمية الداخلية: تلكَ الرحلات التي تتم بين مدن وقرى اليمن بحثًا عن العلماء والفقهاء الذين لهم باع طويل في التَّعليم والمعرفة، وتتم هذه الرحلات في الغالب بين المدن الرئيسة مثل عدن وتعز وزبيد، والتي يوجد بها العلماء وتكثر بها الأوقاف التي تكفل لطلاب العلم المعيشة الرغدة، وليس معنا ذلك أنه لا يوجد علماء إلا في المدن هذه، فقد ذُكِرَ علماء في قرى صغيرة أقل من هذه المدن مثل: ذي أشرق وغيرها، لذلك نجد طلاب العلم يتوجهون إلى هذه القرى لأن طالب العلم يبحث عن العالم سواء كان في مدينة أو في قرية، وتجد أن بعضاً من العلماء يفضلون البقاء في قراهم، إيماناً منهم بأن الأقربين أولى بالمعروف.

وفيما يلي بعض من نماذج تلك الرحلات الداخلية، على سبيل المثال لا الحصر، وذلك على النحو الآتي:

1. محمد بن يوسف بن يعقوب، أبو عبد الله، بهاء الدين الجُنْديِّ اليمني (ت ٧٣٢هـ)، مؤرخ اليمن في عصره، صاحب السِّفر العظيم، “السُّلوك في طبقات العلماء والملوك”، ارتحل لطلب العلم إلى عدد من المدن والقرى اليمنية، وخاصة مدينة زبيد، أخذ على علمائها، وكانت أغلب قراءته على يد الفقيه محمد بن عبد الله الحضرمي، والفقيه أحمد بن أبي الخير الشماخي، ومن شيوخه الذين ارتحل إليهم لطلب العلم، الفقيه يوسف بن عمران الحرازي (ت698ه)، أخذ عنه الفرائض للصردفي، والفقيه محمد بن إسماعيل الزنجاني(ت بعد718ه)، أخذ عنه الرسالة الجديدة للإمام الشافعي(3).

من المناصب التي تولاها منصب الحسبة سنة (715ه)(4)، وتعتبر وظيفة الحسبة، وظيفة حساسة، فلا تودع إلا إلى رجل علم وتقوى وعفاف وأمانة وعدل وإنصاف، لأنها تلامس حياة الناس اليومية، وتخالط مشاعرهم وأحاسيسهم، وهذا ما كان يتصف به العلامة الجندي.

2. الفقيه مفضل الحرازي(ت بعد: 850ه)(5) ارتحل من بلدته حراز إلى صنعاء فلزِمَ الفقهاء فيها، وتتلمذ عليهم حتى أتقن القراءات السَّبع والنَّحو ثم انتقل إلى تعز فقرأ وأكمل تعليمه حتى أصبح عالماً، وذاع صيته وسار ذكره بين الفقهاء؛ فاستدعاه السلطان الناصر(ت827ه) إلى مدينة صنعاء، ولم يأت إلا بوساطة أحد شيوخه؛ فأصبح مؤدبًا لولده حتى توفاه الله تعالى(6).

3. الفقيه محمد عبد الله النظاري (ت769ه) ارتحل من بعدان إلى مدينة زبيد لطلب العلم، أخذ فيها عن المحدث إبراهيم العلوي، وغيره من الفقهاء(7)

4. ومن العلماء الذين استهوتهم الرحلات الداخلية العالم علي السحولي(ت852ه)(8) من أهل بلدة مُلَيْل(9) تعلم فيها بداية عمره ثم أنتقل منها إلى تعز ومنها إلى صنعاء، فكان يتعلم من العلماء وفي نفس الوقت كان شديد الإنكار على أهل البدع من الزيدية، وأنتقل إلى مدينة إب واستمر على التدريس بها حتى وفاته(10)

5. الفقيه عثمان الناشري(ت848ه)(11)  توفي والده وكفله عمه علي الناشري(12) الذي تعهده، فحفظ القرآن الكريم، وقرأ النحو على الشيخ إسماعيل البومة(13) وأبدع في القراءات والفروع والحديث، وكان كلما وفد إلى اليمن عالم أجتهد في طلبه حتى يصله فيدرس على يديه العلوم التي معه، وقد تنقل هذا العالم من زبيد إلى تعز ومنها إلى إب حتى وفاته(14)

6. المقرئ الإمام جمال الدين محمد بن يحيى بن محمد الهمداني، المشهور بالشارقي(ت839ه)، كان بارعاً في علم القراءات، ارتحل إلى زبيد، وكانت أكثر قراءته على علمائها، أخذ علم القراءات عن أبي نافع عن ابن أبي بكر الحضرمي، وقرأ أيضاً على جماعة من الأئمة من أهل مدينة تعز وذي جبلة وإب وغيرهم، تصدر للتدريس فقصده الناس من الآفاق البعيدة والقريبة فانتفع به كل من تخرج على يده، وصل إليه من دمشق الشام المقرئ أحمد الأريحي والمقرئ علي النخلي فقرأ عليه وأجاز لهما(15)

7. الفقيه علي بن إسماعيل الحضرمي (ت 650ه)، كان فقيهاً محققاً مدققاً غواصاً على دقائق الفقه، ارتحل في مدن اليمن، ثم استوطن زبيد، وهو جد الحضارم في مدينة زبيد(16)، خالف فقهاءَ عصره في مسألة مَن أوضح مُوْضِحَتَيْن وخَرَق بينهما فإرْش ذلك عندهم خمسٌ من الإبلِ، أمّا هو فقال إن إرشَ ذلك خمسَ عشرةَ ناقةً، لأنه كما لو خرق ذلك أجنبي، فأنكر عليه فقهاءُ عصره، ولكنه لم يلتف إلى اعتراضهم، وذكر ابنُ أخيه الفقيه إسماعيل أنه وجد في بعض الشروح وجهاً مؤيداً لما ذهب إليه عمُه علي بن إسماعيل(17)

8. من أشهر الحضارم أثراً في الحياة العلمية، الفقيه إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحضرمي(ت676ه)، كان كثير الترحال بين المدن اليمنية لطلب العلم، والاستزادة منه، وأخذه من كبار علم عصره، استوطن مدينة زبيد، وجلس لتدريس فيها، فقصده طلبة العلم من أنحاء اليمن(18)، قال عنه الإمام السبكي: “تفقه به خلائق وروى عنه جلة”(19)، وهو من شيوخ الملك المظفر(ت694ه)، سمع عليه “صحيح البخاري”(20)

9. العالم الفقيه عثمان العامري(ت760ه)(21) نشأ يتيماً، فلجأ إلى العلم، فدرس النحو وألحقه بالحاوي الصغير(22) ثم ازداد علماً حتى إنه ختم كتب علماء خراسان(23) وزاد في قراءة النحو في جامع المغارب ثم تفقه بعلماء حَرَاز(24)، ثم انتقل إلى ‌الــــمَـهْجَم فقرأ علم الفرائض، وأخذ من علم الجبر والمقابلة الشيء الكثير، حتى أصبح يشار إليه بالبنان، ثم في نهاية حياته أوقف كتبه على طلبة العلم(25)

10. إبراهيم بن عبد الله بن محمد الشافعي(ت713ه)، قام بعدة رحلات داخل اليمن، في طلب العلم، مبتدئاً بذي السفال، ثم توجه إلى جَبَأ(26)، تتلمذ على يد علماء أجلاء، كان على رأسهم عثمان العياني(27)، اكتسب من العلوم الدينية الشيء الكثير، ثم عاد إلى بلده جرانع(28) في حصن الشذف(29)، فجلس لتدريس والإفتاء.

العلمية في اليمن في عهد الدولة الرسولية3 الرحلات العلمية في اليمن في عهد الدولة الرسولية

ثانياً: الرحلات العلمية الخارجية:

وهي ما يكون نتيجة تطلع علماء اليمن أو حتى طلابها إلى علماء الخارج سواء في مكة المكرمة أو البلدان الإسلامية التي اشتهرت بكثرة علمائها، وتعتبر مكة المكرمة مركزاً للعلم استقطبت الكم الكثير من العلماء بسبب الحركة العلمية النشطة التي قامت في مكة، وجعلتها مركزاً علمياً بارزاً في معظم مناحي الحياة الثقافية الإسلامية آنذاك، إضافة إلى مكانة مكة الدينية الخاصة بها، ووجود العلماء المجاورين فيها.

وكان كثيراً ما يستغل طلاب العلم فترة أداء فريضة الحج فيبقون في مكَّة للأخذ عن هؤلاء العلماء ونيل الإجازات منهم، وكذا المراكز العلمية الأخرى في بلاد العالم الإسلامي مثال: مصر التي كانت لها علاقة قوية مع اليمن، أو بلاد الشام وتحديداً مدينة دمشق، وقد وصل علماء اليمن إلى العراق، وخراسان، والهند، وهذه الرحلات ما هي إلا تكملة للرحلات الداخلية بَيْدَ أنَّ بعض طلاب العلم لا يروي ظمأه علماء اليمن فيضطر إلى الترحال إلى خارجِ اليمن؛ بحثًا عن العلماء والفقهاء الذين ذُكروا في تلك البلاد، وغالباً لا يخرج طالب العلم من اليمن حتى يحظى بكثير من العلوم المتداولة في اليمن ويقرأ على علماء محليين ولِيكَّون له قاعد علمية تمكنه من الاستكشاف والسؤال والبحث، فكان بعض طلاب العلم من يستعد للرحلة العلمية ببيع ممتلكاته من منـزل أو أرض زراعية أو من دواب وغيرها استعداداً للسفر وما يطرأ عليه من ظروف ونفقات.

وأيضاً ثقةً منهم أن السفر سوف يأتيهم بفوائد علمية عظيمة، سواء كان بالثقافة التي يكتسبها من خلال تنقله بين المراكز العلمية أو من العلماء المسلمين أو من الكتب التي يقرأها أو يحضرها معه أثناء العودة إلى الوطن من هذه الرحلة العلمية أو حتى بالقبول والترحاب الكبير الذي سيقابل به في بلاده والتصدر للتدريس في المساجد اليمنية أو دور العلم الأخرى ومع هذا الاهتمام الواسع بالرحلة الخارجية إلا أنها بدأت -الرحلات الخارجية- تقل وذلك بسبب دخول علماء كبار إلى اليمن(30)، وكذا دخول مؤلفات كثيرة إلى اليمن ومنها كتب الإمام الشافعي التي انتشرت بشكل واسع في معظم البلاد الإسلامية ومنها اليمن، والتي كانت في الماضي لا توجد إلا في بلاد معينة، وكانت من الأسباب المعينة على السفر والترحال(31).

وفيما يلي بعض من نماذج تلك الرحلات الخارجية، على سبيل المثال لا الحصر، وذلك على النحو الآتي:

1. الأديب والمؤرخ عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني(ت743)، صاحب كتاب “بهجة الزمن في تاريخ اليمن”، ارتحل إلى عدد من المدن الإسلامية مثل مكة المكرمة، ومصر، والشام، وجالس فيها العلماء، فأخذوا عنه وأخذ عنهم، ثم عاد إلى مدينة تعز، وتولى التدريس في بعض المدارس الرسولية، وأخذ عنه جمع كبير من طلبة العلم، منهم السلطان المجاهد(ت764ه)(32)

2. الفقيه محمد بن عثمان بن حسن بن شنينه المقرئ(ت 758هـ)، تميز بكثرة علمه، وتنوع رحلاته العلمية، وتلقيه العلم على يد أكثر من عالم، ارتحل إلى مكة المكرمة بعد أن أخذ علم القراءات السبع والحديث والنحو من علماء يمنيين، من أشهرهم : يوسف الجعفري(33). تتلمذ على يد علماء أجلاء في مكة المكرمة من علماء الأمة الإسلامية الذين كانت من عادتهم أنهم بعد الحج يجاورون بيت الله الحرام، وبعد عودته إلى اليمن أفاد بشكل واسع، وانتفع به أناس كثر، وقد كان صاحب صوت بارز في القراءة(34)

3. الفقيه علي بن أحمد بن سالم الزبيدي(ت818ه)، ارتحل لطلب العلم إلى مصر والشام، وأخذ عن جماعة من علماء العصر البارزين، ثم رجع إلى اليمن، وتولى التدريس في بعض المدارس الرسولية، فأخذ عنه الطلبة، فاستفادوا منه(35)

4. منصور بن أبي الخير الشماخي السعدي الزبيدي الحضرمي (ت 680ه)، ارتحل في اليمن لطلب العلم، ومن ثم خرج إلى مكة، فأخذ العلوم من علمائها، فأزداد بذلك علماً على ما معه، حتى أصبحَ عالماً، ثم عاد إلى اليمن، لقي حظوة عند أهل السلطة في عهد بني رسول، جلس للتدريس في مدينة جبلة حتى آخر عمره وتوفي فيها(36)

5. الفقيه مفضل بن محمد الزهري (ت838ه) من أهل بلدة العَرْبِيين(37) تعلم في اليمن واجتهد، ثم قرر السفر في طلب العلم فتوجه إلى مكة، واستفاد من العلماء المجاورين بها ثم واصل رحلته إلى مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومنها عقد العزم على الرحلة إلى بيت المقدس بفلسطين، وأكمل رحلته إلى المغرب، ودخل الأندلس فأخذ عن العلماء المسلمين في هذا البلد واستفاد منهم أيما استفادة، وتأدب بآداب الأدباء والعلماء والفقهاء، ثم عاد إلى بلاده اليمن، وكان قد حفظ معظم تفسير القرآن الكريم للإمام البغوي، فدَّرس في اليمن وأفاد جمع كثير من طلبة العلم(38)، وهذا نموذج لعالم جاب الآفاق في رحلةٍ خارجية إلى مراكز العلم في البلاد الإسلامية من الشرق إلى الغرب، وقد تخلل رحلته تلك مخاطر عدة بدأها بمكة وأنتهي به المطاف في الأندلس، لذلك بعض طلاب العلم من اقتفاء أثره في هذا العمل. 

6. الفقيه حسن بن محمد بن سعيد الشظبي(ت835ه)، ارتحل لطلب إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأخذ عن علمائها، وتحصل على إجازات منهم، ثم رجع إلى اليمن واستقر في مدينة تعز، فقصده طلاب العلم، واشتهر ذكره في البلاد، أخذ عنه جمع كبير من الطلبة في شتى فروع العلم والمعرفة التي برع فيها(39)

7. الفقيه علي بن عطية الدملوي الملقب بـــــ موفق الدين(ت836ه) جال في بلاد اليمن قبل الخروج إلى مكة المكرمة، فقد خرج من بلدته الدملؤة إلى إب واهتم بالقرآن الكريم والسنة النبوية، ومنها اتجه إلى ذي جبلة فقرأ على علمائها ثم سافر إلى تعز فدرس على الإمام مجد الدين الفيروز أبادي وعلى غيره من العلماء الذين أثروا الحياة العلمية بتفانيهم في خدمة العلم، وبعد ذلك قرر الرحلة إلى الخارج، فاتجه إلى مكة وكرر الرحلة إليها مراراً وكان من اهتماماته تحصيل الكتب وبالتحديد كتب الحديث فحصَّل الكثير منها(40)

8. المحدث إبراهيم بن عمر العلوي(ت752ه) ارتحل في طلب الحديث إلى مكة المكرمة، فأخذ عن محدثها، ثم ارتحل إلى القاهرة، ودمشق، فاستجازه عددٌ من علمائها(41)

9. المحدث محمد بن أبي بكر، المشهور بابن الخياط التعزي(ت839)، ارتحل لطلب علم الحديث إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولقي العلماء فأخذ عنهم، وتحصل على إجازات منهم، ثم رجع إلى اليمن واستقر في مدينة تعز، انتهت إليه رئاسة علم الحديث؛ قصده الطلاب من جميع أنحاء اليمن، فكان مجلسه حافلاً بالعلماء والمتعلمين، يحضره جمع كثير من طلبة العلم للأخذ عنه، وطلب الإجازة منه(42)

10. الفقيه محمد بن محمد بن علي بن إدريس العلوي(ت840ه)، تفقه بفقهاء زبيد، ثم ارتحل إلى مدينة تعز وصنعاء، فأخذ عن علمائها في الفقه واللغة، ثم قصد مكة للحج، وأخذ على بعض علمائها، ثم ارتحل إلى القاهرة ولازم مجلس الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني(ت852ه)، واجتهد في السماع عليه(43).

العلمية في اليمن في عهد الدولة الرسولية2 الرحلات العلمية في اليمن في عهد الدولة الرسولية

قبل الختـام:

لفتت الرحلات الخارجية التي تخرج من اليمن إلى بلدان العالم الإسلامي أنظار العلماء إلى بلاد اليمن وعلمائها وكرم ملوكها، وتشجيعهم للعلم وأهله، فكان لابد أن يقدم العلماء من البلدان الإسلامية إلى اليمن بحثاً عن العلم، ومن بين الذين وصلوا إلى اليمن:

– العالم محمد بن خضر بن غياث الدين محمد الزبيدي، كان عالماً بالفقه والنحو ومتخصصاً بفقه الإمام أبي حنيفة النعمان -رحمه الله تعالى-، وكان دخوله إلى اليمن عام(793ه) وقد تلقاه السلطان الأشرف إسماعيل(ت803ه) بحفاوة وترحاب بالغ، وبعد استقراره في اليمن طلب منه السلطان الأشرف أن يؤلف مؤلفاً في مذهب الإمام أبي حنيفة، وقد أجاز هذا الفقيه لطلبة العلم في اليمن ومنهم المؤرخ الخزرجي، قال عنه: -أي الخزرجي-: “وأجاز لي رحمه الله في جميع ما يجوز له روايته”(44)

– الفقيه محمد بن عبد الرحيم الهندي الملقب بــــــ بصفي الدين(715)، وصل إلى اليمن في عهد الملك المظفر(ت694ه) حيث قربه وأدناه منه وأغدق عليه الأموال، وبعد ذلك خرج الفقيه إلى مكة ومنها إلى مصر ومنها إلى أنْطاكِيَة(45)، ثم منها إلى الشام فتصدر للتدريس والإفتاء في دمشق حتى وفاته(46)

وهؤلاء غيضٌ من فيض، وقطرةٌ من سيل، استقت بعضاً من علمها في اليمن، في عهد دولة بني رسول.

الخاتمة:

– لا يتسع المقام لتقصي أصحاب الرحلات العلمية من العلماء، إذ لا تكاد تخلو كتب التراجم منهم، من رحلة داخلية أو خارجية، مما يفصح عن حرص اليمنيين على التلقي من أفواه العلماء، والإفادة من علومهم، مما اكسبهم اتصالاً علمياً وفكرياً بالثقافة الإسلامية السائدة في مراكز العلم الأخرى من العالم الإسلامي. 

– بهذه الرحلات سواء كانت رحلات داخلية أو رحلات خارجية، استفاد طلاب العلم منها أيما استفادة، وازداد المخزون الثقافي لدي العلماء وطلاب العلم من خلال احتكاكهم بعلماء آخرين، مما جعل اليمن أبان فترة حكم بني رسول بيئة علمية ثقافية يتخرج فيها طلبة العلم سواء كان من اليمنيين أو غيرهم ممن يقدم عليهم من أجل العلم. 

– خدم هؤلاء العلماء المراكز العلمية في اليمن، وهذا ما جعل الدولة الرسولية تحرص كل الحرص على الاستفادة منهم، وتقوم بإرسالهم إلى المدن والقرى لتعليم الناس. 

– قام العلماء بالدور المأمول منهم خير قيام، حتى أصبحت بلاد اليمن في تلك الأيام بلاد علمية جاذبة لمن أراد العلم وسعى في طلبه. 

– شهد عهد الدولة الرسولية نهضة علمية في جميع أنحاء البلاد اليمنية آنذاك.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش:

  1. ينظر: منير الدين أحمد: تاريخ التعليم عند المسلمين، (ص66). 
  2.  ينظر: مجاهد: التعليم في اليمن، (ص102). 
  3.  ينظر: الجندي: السلوك، (2/322، 435). 
  4.  ينظر: الجندي: السلوك، (2/30، 42)؛ الخزرجي: العقد، (2/155)؛ الأهدل: تحفة الزمن، (2/231). 
  5.  هو مفضل بن عمران الحرازي، مقرئٌ فاضل تعلم القراءات وأتقن النحو، تزوج من مدينة تعز وسكن بها وتوفي فيها. ينظر: البريهي: طبقات صلحاء اليمن، (ص26). 
  6.  ينظر: مؤلف مجهول: تاريخ الدولة الرسولية، (ص133، 207)، البريهي: طبقات صلحاء اليمن، (ص26).
  7.  ينظر: الخزرجي العقود، (2/119)؛ العبادي: الحياة العلمية، (ص421). 
  8.  هو الفقيه شمس الدين علي بن أبي بكر السحولي، كانت له اليد الطولى في علم النحو واللغة والعروض، شاعر أبدع في هجاء الزيدية، توفي في إب يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة للهجرة. ينظر: البريهي: طبقات صلحاء اليمن، (ص113). 
  9.  مُلَيْل: بلد في منطقة العارضة من وادي السحول، تقع في جنوبي المَخَادِر بمسافة 2كم. ينظر: المقحفي: معجم البلدان والقبائل اليمنية، (2/1641). 
  10.  ينظر: البريهي: طبقات صلحاء اليمن، (ص113). 
  11. عثمان بن عمر بن أبي بكر بن علي بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله الناشري، المقرئ الشافعي، ولد عام(805ه)، وله مصنفات عديدة منها كتاب عن بني الناشري، حج وجاور وتعلم على علماء الحرم المكي، توفي في إب عام(848ه). ينظر: السخاوي: الضوء اللامع، (5/134)؛ البريهي: طبقات صلحاء اليمن، (ص114).
  12.  هو القاضي أبو الحسن علي بن القاضي أبي بكر بن القاضي علي بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يعقوب الناشري، ولد سنة(754ه)، وحصل من العلوم الشرعية ما يجعله إماماً كبيراً، له مصنفات جيدة وتولى عدة أقضية ومنها القضاء بحيس، وتوفي بتعز سنة (844ه). ينظر: لخزرجي: العقد الفاخر الحسن، “تحقيق علي عبد الله”، (ص346، 347)؛ السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، (2/205)؛ البريهي: طبقات صلحاء اليمن، (ص115). 
  13. إسماعيل بن إبراهيم الشرف الزبيدي الحنفي البومة، شيخ من شيوخ زبيد له علم بارع في النحو والصرف ويعتبر شيخ النحاة في عصره، توفي سنة(837ه). ينظر: السخاوي: الضوء، (2/289)؛ أسامة حماد: مظاهر الحضارة في اليمن، (ص767). 
  14. البريهي: طبقات صلحاء اليمن، (ص115، 116). 
  15. ينظر: البريهي: صلحاء اليمن، (ص42، 43). 
  16.  ينظر: الجندي: السلوك، (2/334)، الأهدل: تحفة الزمن، (2/104). 
  17. ينظر: بامخرمة: قلادة النحر، (5/9)، إسماعيل الأكوع، هجر العلم، (3/1192). 
  18. ينظر: الجندي: السلوك، (2/37، 39)، 
  19.  طبقات الشافعية الكبرى، (8/ 130). 
  20. ينظر: بامخرمة: قلادة النحر، (5/ 350). 
  21.  عثمان بن أبي بكر بن علي بن أحمد بن علي بن يوسف بن علي العامري، نشأ يتيماً، فأهتم بالعلم رغم يتمه حتى أتقن، وعرف من العلوم الشيء الوافر. ينظر: الحبيشي: تاريخ وصاب، (ص301، 302). 
  22.  الحاوي الصغير: من كتب الفقه المنتشرة في اليمن وهو للفقيه: عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني (ت 665هـ/1266م)، من أهل قزوين، امتازت مؤلفاته بالقبول عند فئة المثقفين لجودتها وعمق معانيها. ينظر: السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، (2/137). 
  23.  خراسان: بلاد واسعة أول حدودها بلاد العراق وآخرها ما يلي بلاد الهند، وخراسان من فارس وهي تشمل مرتفعات من الحجر الجيري وبها بعض الأنهار. ينظر: ابن حوقل: صورة الأرض، (1/426)؛ البكري: معجم ما أستعجم، (3/218). 
  24. حَرَاز: صقع واسع غربي صنعاء، ومركزه مناخة في رأس جبل حراز، وتبعد عن صنعاء قرابة 96كم. ينظر: الحجري: مجموع بلدان اليمن وقبائلها، (2/52)؛ المقحفي: معجم البلدان والقبائل اليمنية، (1/440). 
  25.  ينظر: الحبيشي: تاريخ وصاب، (ص302). 
  26.  جَبَأ: بلدة خاربة في جبل المسراح جنوب جبل صبر، وهي عاصمة دولة المعافرة. ينظر: الهمداني: صفة جزيرة العرب، (ص194)؛ الحجري: مجموع بلدان، (1/151)؛ المقحفي: معجم البلدان، (1/276). 
  27.  عثمان بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن إسحاق الغياني السكسكي، عالم محقق، تولى التدريس في مسجد بلدته ومن ثم في بيته بعد أن أعتزل الناس ولم يخرج إلا ليوم الجمعة، توفي عام ثلاثة عشر وسبعمائة. ينظر: الخزرجي: العقود اللؤلؤية، (1/407). 
  28.  جَرَانِع: قرية كبيرة آهلة بالسكان في حصن الشذف وهي جنوب شرق الجند. ينظر: الجندي: السلوك، (2/279).. 
  29.  حصن الشَذِف: هو اليوم خراب وبه آثار أبار كثيرة وهو جنوب شرق الجند. ينظر: الحجري: مجموع بلدان، (2/450). 
  30.  أمثال: الفيروز أبادي والجزري، وغيرهم من أئمة العلم في العالم الإسلامي. 
  31. مثل كتاب تفسير فخر الدين الرازي، الذي جاءت نسخ منه من مصر ومن خراسان أيام الملك المظفر، وكتاب المهمات على الروضة، لجمال الدين عبد الرحيم الأسنوي (ت772هـ) وهو كتاب فقهي وعليه شروحات. ينظر: البريهي: طبقات صلحاء اليمن، (ص183). 
  32.  ينظر: الجندي: السلوك، (2/576، 577)؛ ابن رافع السلامي: الوفيات، (1/437). 
  33.  هو الفقيه أبو يعقوب يوسف بن محمد بن علي بن محمد بن مسعود المقرئ الجعفري الأصابي، كان فقيهاً عارفاً نحوياً، عرف بكثرة رحلاته العلمية، توفي في زبيد سنة أربعين وسبعمائة. ينظر: الخزرجي: العقد الفاخر الحسن، (ص676). 
  34.   ينظر: أسامة حماد: مظاهر الحضارة في اليمن في العصر الإسلامي، (ص727). 
  35.  ينظر: الفاسي: العقد الثمين، (6/134)؛ ابن حجر: إنباء الغمر، (3/82). 
  36.  للمزيد عنه ينظر: الجندي: السلوك، (2/30)؛ هارون: الدر النضيد، (ص749). 
  37. العَرْبِيين: مركز إداري من مديرية السيَّاني وأعمال محافظة إب، وتقع في المنطقة المعروفة قديماً باسم نعيمة صهبان. ينظر: المقحفي: معجم البلدان، (2/1040).
  38. ينظر: البريهي: طبقات صلحاء اليمن، (ص156). 
  39.  ينظر: السخاوي: الضوء، (3/143). 
  40. ينظر: الجندي: السلوك، (2/324)؛ البريهي: طبقات صلحاء اليمن، (ص104). 
  41.  ينظر: الشرجي: طبقات الخواص، (ص54، 55). 
  42.  ينظر: السخاوي: الضوء، (7/194). 
  43. ينظر: المرجع السابق، (9/145، 146). 
  44.  ينظر: الخزرجي: العقد الفاخر، (4/1897، 1900)؛ بامخرمة: قلادة النحر: (6/352)، ثغر عدن، (245، 246). 
  45.  أنْطاكِيَة: مدينة عامرة قرب حلب في الشام، اختلف الكثير من أهل العلم حول الباني لهذه المدينة، وهي من البلاد العامرة التي تتميز بموقعها الهام. ينظر: الحموي: معجم البلدان، (1/213). 
  46.  ينظر: بامخرمة: تاريخ ثغر عدن، (ص253).

سامي منصور

سامي منصور محمد سيف حاصل على شهادة الليسانس من جامعة تعز، كلية الحقوق عام 2009م. حاصل علىٰ شهاد الماجستير بتقدير «ممتاز» مع مرتبة الشرف الأولى، من قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، كلية الدعوة وأصول الدين، بالجامعة الإسلامية. وعنوان رسالة الماجستير (جهود الدولة الرسولية في الدعوة إلىٰ الله في بلاد اليمن). باحث في مرحلة الدكتوراة، قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، الجامعة الإسلامية. لديه بعض الأبحاث العلمية والمقالات في العديد من المواقع المتخصصة.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. مقال أكثر من رائع، كثرة مراجع، وتسلسل في الأفكار،
    تشكرون على جميل النشر، ويشكر الباحث على غزارة معلوماته، وإن التنقيب على آثار علمائنا لهو أهم من التنقيب على الذهب والفضة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى