آثار

المَقاطرة.. صُمود قلعة.. وعودة فَقيِه (2 – 2)

سباقة في المُقاومة.. ومُناضلة بلا مُساومة..

وسقطت القلعة

وحَدها قَلعة المقاطرة بقيت صَامدة في وجه القوات الإمامية، ومعها 12 عُزلة مُجاورة، ليُقَرر الأمير علي الوزير – أمام تلك الاستماتة في الدفاع والمقاومة – أنْ يتوجه إلى تلك النَاحية بنفسه 28 أغسطس 1921م، ومعه مِئات العساكر، وأحد المدافع السريعة، واجتمع له – حد توصيف المُؤرخ مُطهر – «جيشٌ عظيم، رؤساؤه أبطال القتال، وفرسان ميدان النزال» *، وأناب بدلًا عنه القاضي أحمد بن محمد الآنسي، وكان عبر طريق يَفرس مُروره، وبعد ثلاثة أيام كان إلى مدينة التربة وصوله.

وإلى مَدينة التربة وصل أيضًا الشيخ شمسان بن عبدالله المكابري للتفاوض، وبعد أخذ ورد بينه وبين أمير تعز علي الوزير، أرسل الأخير معه لقادة المُقاومة عدة رسائل، وأكمل المُؤرخ مُطهر ذلك المشهد بالقول: «ودارت المُراجعة بين الأمير وبينهم، فانكشف من نهايتها أنَّهم على العصيان مُصرون، وبقلعتهم وما حولها من الحصون مُمتنعون».

نظم الأمير علي بن الوزير بعد ذلك قواته المُتحفزة، التي تجاوز عددها الـ 5,000 مُقاتل، وقسمها لأربعة فرق، ثم وجهها لحصار قلعة المقاطرة، ومن الجهة الغربية أرسل قوات جمة تحت قيادة الشيخ عبدالوهاب نُعمان، وعبدالجليل بن أحمد باشا المتوكل، ومن الجهة الشرقية أرسل قِوات أخرى تحت قيادة حسن بن قاسم الوزير، ومن الجهة الجنوبية أرسل قوات قبلية تحت قيادة يحيى بن محمد الوادعي، وكان مع كل فرقة أحد المدافع، وكانت القيادة العامة من نصيبة.

كشف المُؤرخ حمود الدولة – أثناء نقله لتلك الأحداث – عن وجود طَريق سِري يَقع شمال قَلعة المقاطرة، ووصفه بقوله: «وكان للبغاة من الجهة القبلية طريق ومادة مكتومة مخفية، يسترزقون منها بكرة وعشية، ويجلبون منها ما تدعو إليه حاجتهم الضرورية»، وهو الطريق المجهول الذي لم يكتشفه إلا بعض خواص الأمير، وجعل الأخير يُرسل بفرقة رابعة إلى تلك الجهة، تحت قيادة حاكم العدين حمود بن محمد الدولة، وعززها بالمدفع السريع الذي قدم به.

في تعليقه على جزئية ذلك الطريق السري، لم يستبعد الباحث زيد بن علي الوزير مُعاضدة الشيخ عبدالوهاب نعمان وغيره لثوار المقاطرة، وتساءل: «من العجيب حقًا أنْ تظل هذه الطريق غير معروفة للقادة، وكلهم من أبناء المنطقة، ثم لا يكشـف عنها أحد إلا بعض خواص الأمير نفسه!».

وأكد زيد الوزير امتعاض الشيخ عبدالوهاب نُعمان من الحالة كلها، واستشهد بحادثة أخرى أوردها قريبه المُؤرخ أحمد الوزير، مضمونها أنَّ القوات الإمامية أثناء اجتياحها لقلعة المقاطرة وجدت رسائل من الشيخ عبدالوهاب للثوار، حثهم فيها على الصمود، وبعض من أدواته الخاصة سبق أنْ هربها إليهم، منها مداعته (النرجيلة)، كما لم ينس الاستدلال بما نقلته الوثائق البريطانية حول ذلك.

وأضاف: «كل الوقائع تثبت وجُود تَعاون سري بين المُهاجِم والمُهاجَم، وأن عدم كشـــف الطريق جزء من ذلك التعاون الصـــامت، والحق أنَّ هذا الموقف لا ينطبق فقط على عبد الوهاب، وإنما يشمل بعض مشايخ الحجرية».

وهكذا اكتمل حصار قلعة المقاطرة المنيعة من الجهات الأربع، ليقرر القائد العام الأمير علي الوزير أمام ذلك الاكتشاف الجديد (الطريق السري) البدء بالهجوم الكبير 4 سبتمبر 1921م، وقد تولت الفِرقة الشمالية مهمة اقتحام حصن الجاهلي، والاقتراب من حصون الليم، التي قال عنها المُؤرخ مُطهر: «وهي أربعة حُصون شواهق، لا يمكن الوصول إلى القلعة وحصنها المسمى بالتميدني بدون الاستيلاء عليها، وقد كان الأعداء حصنوها تحصنا باهرًا، وعمروا المتاريس في جوانبها، وأوقفوا فيها رجال القتال، وجميع هذه الحصون يحمي بعضها البعض الآخر».

الفرقة الغربية سيطرت في تلك الأثناء على قريتي الخزفار والقاعدة، ثم التحمت مع الفرقة الشمالية التي كانت قد أتمت قبل أنْ ينتهي ذلك اليوم سَيطرتها على حصون الليم، أما الفرقتان الشرقية والجنوبية فقد نالها – كما أفاد المُؤرخ حمود الدولة – توبيخ الأمير؛ وهو الأمر الذي حفزهما على الجدة في الهجوم، ولم يبزغ فجر صباح اليوم التالي إلا وقد بدأت تلك القوات مجتمعة بهجومها الحاسم، الذي أشرف الأمير علي الوزير على قيادته عن قُرب.

بوصفه أحد قادتها، توسع المُؤرخ حمود الدولة في نقل معارك هذه الجولة، وأفاد أنَّ الأمير علي الوزير انتقل بمن معه من أفراد إلى حصون الليم، تعزيزًا للفرقة الشمالية، في حين تقدمت الفرقة الغربية صوب حصن التميدني، وتقدمت الفرقة الشرقية من جهتها، وكذلك فعلت الفرقة الجنوبية، وأضاف: «وتحرك للهجوم كل متحرك، وتيقنه كل متشكك.. ودارت للحرب الطواحن، واضطرب لحركتها كل ساكن.. وعلت الأصوات، وارتجت لهولها الجهات، وتحركت بالرمي المدافع، فرمى بها الرمي المتتابع، وقهقهت البنادق مبتسمة بثغورها البوارق.. وما ارتفع النهار، حتى ضرب القتام قبابه، وراكم العثير سحابه، وتجلجل من خلاله رعوده، وحان الوعد وموعوده».

وفي الجانب الآخر استمات ثوار المقاطرة في الدفاع المقاومة، وقسموا أنفسهم إلى فرقتين، فرقة ترمي بالبنادق، وفرقة تدحرج الأحجار من الشواهق، وعنهم قال المُؤرخ حمود الدولة: «وكان حينئذ قد تحصن أهل القلعة والتميدني، وانضم إليهم من العزل المجاورة.. من أصر على المضي في بغيه.. فاجتمع من الرجال المسلحين وغيرهم جما غفيرا، ومعهم من يلوذ بهم من النساء والصبيان كثيرا.. وكانوا عازمين على عدم الطاعة، مزمعين على الموت دون تسليم القلعة»

وأضاف مُستنقصًا منهم، موضحًا دور نسائهم البطولي: «وكانوا أهل شدة عقيمة، وأفهام سقيمة، وعقول غير مستقيمة، وطابقت عقول نساءهم عقولهم، وشدة ضلالهن ضلالهم، فكانوا كلما هموا باللين، أقحمنهم على العذاب المهين، وكلما مالوا إلى المسالمة، وبخَنَهم وصلْنَ عليهم بالمشاتمة».

من جهته المُؤرخ مُطهر اختزل ذلك المشهد بقوله: «تقدم جميع الجيش من جميع الجهات، على القلعة، وحصن التميدني، وكان من فيها من البغاة قد أجمعوا على عدم تسليمها أو الموت دونها.. ومن الغريب أنَّ نساءهم كُنّ أكثر منهم جراءة، فإنهم في أثناء الحرب كانوا يسمعون منهن التوبيخ والتقريع، ما يحملهم على معاودة الجد في الحرب، ودوام الاصرار والامتناع».

ومما تحفظه الذاكرة الشفهية أنَّ نساء المقاطرة كُنّ حينها يرددن:

يـــــــا الليمتين كنت حصــــن عالي 

واليــــوم طــــريق للخيـــــل والبغالي

بازدياد الضغط عليهم، انسحب ثوار المقاطرة إلى القلعة، ولم ينتهِ ذلك اليوم إلا بتحقق هزيمتهم، وما كان لهزيمتهم تلك أنْ تتم، ولقلعتهم المنيعة أنْ تسقط، لولا خيانة الشيخ محمد حَسان، والأخير صهر الشيخ القتيل عبدالواسع نعمان، أعطاهم المواثيق بعدم التعرض لهم في حال أعلنوا استسلامهم، وحين أرسلوا له بالموافقة، زارهم ومعه حوالي 250 شخصًا معظمهم من العدين، اخفوا اسلحتهم تحت ملابسهم، وانقضوا على حراس القلعة، وجعلوا بوابتها الوحيدة مُشرعة أمام القوات الإمامية المُتفيدة، وفي ذلك قال أحد شعراء المقاطرة:

قل لابن حسان ذي خان المواثيق والعهود

 وسلم القلعة أمير الجيش يملأها جنود

IMG 4907 المَقاطرة.. صُمود قلعة.. وعودة فَقيِه (2 – 2)

وقد التصقت عبارة (بياع القلعة بعاس) بالشيخ مُحمد حَسان* وغيره من الخونة، وليته – أي محمد حسان – اكتفى بذلك؛ بل شارك الإماميين انتقامهم من مُقاومي المقاطرة، قتلوا أغلبهم، ونهبوا ممتلكاتهم، حتى الملابس انتزعوها من فوق أجسادهم، وتركوهم عرايا، ولم يستثنوا حتى النساء – سلبوا حليهن، ونقودهن. ولم يكتفوا بالقتل، والتنكيل، والسلب؛ بل عمدوا على نسف منازل المواطنين، وهم يرددون: «يا حجرة اليهودي.. روحي ولا تعودي»!

في تلك الأثناء دارت معركة بين أتباع الشيخ حمود البترا، والشيخ عبدالله بن يحيى الصبري من جهة – حسب إفادة حفيد الأخير أمين حسن علي عبدالله الضباب –  وبين القوات الإمامية من جهة أخرى؛ والسبب أعمال النهب والسلب التي مُورست في حق أبناء المقاطرة، اعترض الشيخان المذكوران حينها على ذلك، إلا أنَّهما لم يستطيعا كبح جماح شهوة الفيد التي كانت مُتغلغلة في نفوس مُقاتلي القبائل الشمالية وغيرهم.

في تلك اللحظة الفاصلة، ألقى بعض الثوار أنفسهم من على مُرتفع القلعة الشاهق، وفضلوا الموت على الأسر، تمامًا مثلما فعل أقرانهم في حصون الليم باليوم السابق، وقد وثق المُؤرخ مُطهر الحادثة الأخيرة بقوله: «وألجأ من فيها – أي في حصون الليم – من البغاة إلى التردي من شواهقها، أو الاستسلام إلى أيدي المجاهدين، وعمَّ من فيها القتل والأسر والتردي».

ولم ينس المُؤرخ مُطهر أنْ يصف تكبيرات العساكر حال رؤيتهم لجثث الضحايا، وقد شبعت من لحومهم النسور والعقبان، ونقل بعد ذلك قصيدة للشاعر علي بن عبدالله الشامي يمدح الأمير علي الوزير، جاء فيها:

ما لــلمــــــقــــاطـــــرة الـفيــــــــــــحاء هـاج بهــا

مـوج الضلال فـــأبــدت منك عصيانا

حتـى دعتك بجـيــــــش مـــا قصـــدت به

إلا تــــشـــــــــــيـد لــــــــــلإســــــلام أركـــــــانــــــا

نثرت في القيـــــض هـام المـارقيــن لهـــــا

درًا ومــــن عـــــلـــــــق الأوداج مُــــــرجانـــا

وفي حين لم يَعترف المُؤرخان حمود الدولة وعبدالكريم مُطهر بالعدد الحقيقي للقتلى الإماميين، واكتفى الأول بالقول: «واستشهد من المجاهدين يسيرون، وجرح أيضًا قليلون»، واعترف الآخر بِمَصرع محمد علي هَمَّام أحد أبناء مشايخ لواء تعز الـمخدوعين، وفقدان جثته، إلا أنَّهما أحصيا في المُقابل قَتلى الطرف المُقاوم، وأفادا أنَّ عدد قتلى هذا الطرف بلغ في المعارك الأخيرة حوالي 200 قتيل، والأسرى حوالي 250 أسير.

قام عساكر الإمامة المُتوحشون – كما أفاد المُؤرخ سلطان ناجي – بحز رؤوس القتلى، وأجبروا الأسرى على حملها إلى صنعاء، في رحلة استمرت 30 يومًا، وفي مشهد دموي تكرر بكثافة في تاريخ الإمامة الآثم.

وقد نجا الشيخ شمسان بن عبدالله المكابري من القتل، ومن الأسر، وتوجه – كما أفاد المُؤرخ مُطهر – بعد تحقق هزيمة أقرانه الثوار صوب تهامة، وما هي إلا مدة يسيرة حتى يمم وجماعة من أصحابه خطاهم صوب صنعاء، وفي الأخيرة أعطاه الإمام يحيى الأمان، وأذن له بالعودة إلى بلدته.

ولأهمية تلك الانتفاضة كتب القنصل الأمريكي في عدن ريمون دافيس تقريرًا عنها، وبعثه إلى وزارة الخارجية الأمريكية في وشنطن، ومنه نقتطف: «وقد تمكن أهالي المقاطرة من التصدي للهجوم الأول، إلا أنَّ القوات الحكومية تمكنت في وقت لاحق عن طريق الخديعة، وبعد قتال ضار بالسلاح الأبيض من اقتحام قلعة المقاطرة. ومن المعروف أنَّ المقاطرة من العشائر العربية الشديدة الشكيمة التي قاومت الوجود التركي في اليمن لمدة سبعين عامًا».

وأضاف دافيس: «وبسقوط قلعة المقاطرة تمكن الإمام من استعادة هيبته، ومد نفوذه المباشر على أخصب المناطق الزراعية المُنتجة للبن، التي ستدر عليه مبالغ طائلة يجبيها عملاؤه من عائدات الزكاة، بالإضافة إلى الحصول على موقع استراتيجي يطل منه على المناطق الغربية من محميات عدن، وعلى وجه الخصوص نقطة الحدود البريطانية المعروفة بنوبة دكيم، ومدينة لحج اللتين أصبحتا الهدف الثاني للإمام» [1].

هزيمة سياسية للإمام

عدَّ كُتاب وشعراء الإمام احتلال المقاطرة فتحًا عظيمًا، وتباروا في تسجيل كتاباتهم وأشعارهم التي تمدح الإماميين، وتُسفه وتُكفر المقاومين، وفي ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «وكان الفتح المذكور فتحًا عظيمًا، انتظمت به أحوال قضاء الحجرية، وهابه البعيد والقريب، وتحدثت به الركبان، وأذهل من في قلوبهم مرض ضعف الإيمان، وارتاع له من في عدن من عبدة الصلبان، وقوي به الحق، وانهد به ركن الباطل وانشق».

وقال الشاعر عبدالوهاب بن أحمد في ذلك مهنئًا الأمير علي الوزير:

نـُهني جمـــــال الـــــدين بـــالفتـح إنَّـه

لفتحٌ عظـيـم مُوجب أعظــــــمَ الشكر

نهـضت على اسم الله والله ناظــــرٌ

إليك فنلت الفتــــح بالسيف والقهر

وهذا الشاعر إسماعيل بن أحمد الجماعي قال مادحًا ذات الأمير:

ومــــــــا المقاطرة القصـوى بقــــــاصيةٍ

عـــن باسه بل كساها الذل قُمـصانـــا

وها هـــــي اليوم في أبـــــواب دولتــــه

تعلي الأذان وتشـــكو مُـــــــرَّ مـــا كــانا

من بعــد مــــــا كــــانت الأتراك تاركة

لها وأخلاطـــــها صيــــــــدًا وفُـــــرســــانــــــا

في مجُمل نقده على تلك الدعاية المقيته التي حفلت بها أدبيات من أرخوا لتك الفترة من كتاب وشعراء، قال الشاعر عبدالله البردوني إنَّ هذا الطراز من الشعر الرسمي لا يؤرخ التاريخ من الداخل، ولكنه يجاري دعاية القصر، ولم يكن سوى روائح مناسبات تسترضي الحاكم أو تحاول كسب رضاه، وأنَّه أضعف من أنْ يؤدي دعاية ناجحة، ولو كان الشعب مُغفلًا ما احتاجت تلك السلطة البائدة إلى وفرة الدعاة والدعايات، ولو نجح هؤلاء ما احتاج الإمام يحيى إلى تحريك جندي واحد.

الشاعر البردوني قال أيضًا أنَّ تلك الحرب لا تسمى (فتحًا)؛ لأنَّها وقعت على قطعة من الوطن، ولم يكن تمرد المقاطرة – حد وصفه – إلا دليلًا صارخًا على سوء النظام، وعجزه السياسي، والأهم من ذلك أنَّه اعتبر إخضاع تلك المنطقة هزيمة سياسية لدولة الإمامة [2].

004 المَقاطرة.. صُمود قلعة.. وعودة فَقيِه (2 – 2)

القبيطة.. الوجهة التالية

بالتزامن مع سُقوط قلعة المـقاطرة سبتمبر 1921م كان هناك أكثر من جبهة مُشتعلة في مناطق اليمن المـُختلفة، قوات إمامية توجهت من قعطبة جنوبًا، واحتلت الضالع، والشعيب، والأجعود، والقطيب، وقوات أخرى توجهت من ريمة وحفاش وحراز غربًا، وانتكست في بُرع، ومِلْحَان، وبني سعد؛ وذلك بفعل المُقاومة التي تصدرها أبناء تلك المناطق المسنودون من قبل حاكم صبيا محمد بن علي الإدريسي، المدعوم أصلًا من قبل الإنجليز.

كان لسقوط المقاطرة وقلعتها المنيعة عظيم الأثر في رفع مَعنويات القوات الإمامية المـُشتتة هنا وهناك، وتبارى الشعراء في مدح الإمام يحيى وذئبه الأسود الأمير علي الوزير، ووصفوا ذلك الانتصار بـ (الفتح العظيم)، وجاروا طموحات سيدهم التوسعية، وحفزوه على التوغل جنوبًا، وكتب الشاعر علي بن محمد بن عبدالله (حاكم صبر) قصيدة طويلة عن ذلك، نقتطف منها:

تقـــــــدم فقد ثلت عروش الجبـــــابــــــرة

ودُكت رواسي بغيــهم فهي صـــــاغـــرة

فبـــــاءوا وقد باعوا من الكفرِ دينـــهم

بصـفقة ذل فهي لا شــك خــــــــاســــرة

وتـــــاريـخها حـاميم إنَّ إمــــــــــــــــامنـــــــــــــــا

سيمــلك جل شمسان بعـد المقاطرة

كانت القبيطة (المـُحاددة للمقاطرة)، والواقعة شرقها، كانت الوجهة التالية لذلك التوسع، ولم يعدم الإماميون المـُبررات المـُحفزة لذلك، فأطراف تلك الناحية كانت حد توصيف المُؤرخ عبدالكريم مُطهر: «مُهملة عن الإصلاح، عريَّةٌ عن الضبط التام الضامن للفلاح»، وتفرَّد ذات المـُؤرخ – الذي كان أشبه بالمـُراسل الحربي – في نقل تفاصيل تلك الحملة أو الحملات العسكرية إنْ صح التعبير، مُشنعًا كعادته بالثوار المـُقاومين، مُشيدًا بأنصار الإمامة المـُتفيدين.

في البدء أرسل أمير تعز علي الوزير إلى تلك الناحية بحشدٍ من العساكر، ومعهم أحد المدافع، بقيادة عاملها المُعين الشيخ محمد أحمد نعمان، سيطر الأخير بعد حروب وخطوب على المنطقة، واستقر في منطقة معادن (أقصى حدود قضاء الحُجرية)، فيما انسحب المُقاومون إلى الصبيحة، واستمروا من هنالك بشن الغارات تلو الغارات، وتجريع المُتفيدين وأعوانهم صنوف العذابات.

وعن أولئك الثوار قال المُؤرخ مُطهر مُتحاملًا: «وأصروا على ما هم عليه من الضلال، ودوام الاحتلال، وجرَّأهم على ذلك بُعد العهد بالطاعة، وأنَّهم لا يعرفون لأحدٍ ولاية، مع ما هم عليه من البداوة، وشدة الجهل والعبادة».

وأضاف موضحًا: «شرعوا هُم ومن نزلوا لديهم – يقصد أبناء الصبيحة – في الغزو على المـُجاهدين.. وحين رأى قائد محطة معادن – يقصد الشيخ محمد أحمد تعمان – أنَّ الشرَّ منهم قد أحدق به؛ رفع إلى الأمير مُستمدًا إرسال الجنود إليه، وتلافي الحال، فأسعده الأمير إلى ما أراد».

تعزيزًا للقوات الإمامية المـُرابطة في منطقة معادن، أرسل أمير تعز علي الوزير بحوالي 5,000 مُقاتل، فريقٌ منهم من قبيلتي حاشد وبكيل، تحت قيادة حسن بن قاسم الوزير، وفريق آخر من رعايا تعز وإب بشقيهم المـُتجمل والمخدوع – كما سبق أنْ وصفنا – وكان غالبيتهم من قضاء العدين، تحت قيادة الشيخ حمود عبد الرب، وبعض أولاد علي عبدالله بن سعيد، وآخرين.

تعاضد أهالي القبيطة والصبيحة لمـُواجهة الزُحوفات الإمامية، وصدوها أكثر من مَرة، وحين رأى الإماميون استماتتهم في الدفاع والمُقاومة، اتهموهم بالتقطع للمُسافرين*، والعمالة للإنجليز، وقال المـُؤرخ مُطهر أنَّهم طلبوا الدعم والمـُساندة من الأخيرين، ومن قبيلة الحواشب المـُجاورة، وغيرهم، وأضاف في نقله لتفاصيل المـُواجهة الأولى: «فتقدم المـُجاهدون بعد اجتماعهم إلى وادي طفيح من بلد الصبيحة، وأجلوا من هنالك بحربٍ شديد، ووقف المجاهدون في الوادي المذكور، وانبثوا في جهاته».

طالت مدة بقاء الإماميين في ذلك الوادي دون إحراز أي تقدم؛ فلامهم الأمير علي الوزير على ذلك، وحثهم على التوغل جنوبًا، وأمدهم بالمؤن والذخيرة، وعززهم بمدفع ومجاميع إمامية من لواء تعز تحت قيادة الشيخ عبدالله بن يحيى الصبري، وابن أخيه الشيخ علي هَمَّام. وصلت هذه القوات وكلها حماس لخوض غمار المـُواجهة، فيما آثر قاسم الوزير ومجاميعه القبلية البقاء في وادي طفيح، وتحديدًا في منطقة الزيلة.

استولت القوات الإمامية المُتحمسة على عدد من قرى الصبيحة، وسيطرت على مدينة الفرشة، ليسقط الشيخ علي هَمَّام قتيلًا، مُضرجًا بدماء الخيبة، لاحقًا بولده محمد الذي قتل قبل بضعة أشهر في قلعة المقاطرة، وفُقدت جثته في أحراشها، وعن تلك المعارك الشرسة قال المُؤرخ مُطهر: «فدارت رحى الحرب بين الفريقين في حرارة القيظ، وصبر الفريقان صبرًا عظيمًا.. وطال الأمر والنضال، ولم تُسفر الحال عن المـُراد، وتراجع بعض المـُجاهدين إلى ورائهم، وأعاد الأعداء ما نصبوه من الكمين».

تراجع الإماميون إلى منطقة الفرشة، ولم يعاودوا الهجوم على باقي مناطق الصبيحة مرة أخرى، إلا بعد أنْ انضمت إليهم – بأوامر من أمير تعز – القوات القبلية المُتمركزة في وادي طفيح، ليتمكنوا جميعًا، وبعد حروب وخطوب يطول شرحها من اقتحام قلعة المنصوري، وبعد أنْ قدموا في سبيل ذلك عشرات القتلى، وعن تلك المعركة قال المُؤرخ مُطهر: «فطال العراك، وعظُم الاشتباك، وحمى الوطيس، وتيسر للمجاهدين بعد أهوال اقتحام القلعة، وقد فرَّ من فيها، ومزقوا الأعداء شرَّ مُمزق، وتبدد جمعهم وتفرق، وكانت قتلاهم كثيرة، ومن الجُملة أكثر رؤسائهم، وصاحب القلعة المذكورة، وانحل أمرهم، وبلغ الفارون إلى لحج وعدن».

مارس الإماميون في تلك المناطق جرائم حرب شنيعة – أذلوا، ودمروا، وسلبوا، وعمدوا بعد نهب قلعة المنصوري على نسفها، وتركها قاعًا صفصًا، ولولا الأمراض التي فتكت بهم؛ لطال بقاؤهم في تلك الجهة، انسحبوا مُكرهين، وبقي عدد منهم في منطقة معادن، الحد الفاصل بين القبيطة والصبيحة، وقال المُؤرخ مُطهر عن ذلك: «ولم يرتفع الجُند الإمامي من هنالك إلا بعد أنْ أخرب قلعة المنصوري إلى القرار، وذاق أهل الصبيحة من الأهوال مالم يخطر لهم على بال، ولا دار بالأفكار».

وفي ذات الصدد قال المُؤرخ حمزة لقمان أنَّ أبناء الصبيحة تعاضدوا تحت قيادة شيخ مشايخ أهل شعب عبداللطيف بن عبدالقوي بن محمد الشعبي (والد المناضل فيصل عبداللطيف) لدحر القوات الإمامية، وأفاد أنَّ الأخير قام أولًا بمُراسلة أمير تعز علي الوزير، وطالبه بسحب قواته من بلاد الصبيحيى، وتخفيض الضرائب الجائرة على سكانها، ولكن دون جدوى، وقد كانت نهاية ذلك الشيخ قتيلًا في قضية ثأر.

نال أهالي قبيلة الحواشب المُجاورة – الذين عاضدوا ثوار القبيطة والصبيحة في انتفاضتهم – من ذلك الانتقام الإمامي نصيب، قرر الأمير علي الوزير الهجوم على بلدتهم، جاعلًا من منطقة ماوية مُنطلقًا لذلك، وكلف الشيخ مُحمد حَسان بتلك المهمة، وكان مع الأخير 500 مُقاتل، جلهم من جبل حبشي، وقد أشاد بهم المُؤرخ مطهر بقوله: «وقد كان لهم في وقائع المقاطرة أثرٌ حسن، وإقدامٌ متقن».

تقدمت القوات الإمامية أواخر العام 1921م إلى منطقة الدُرَيْجَةِ، وهناك انضم إليهم عامل قعطبة الشيخ قائد بن صالح، كما تم تعزيزهم بطائفةٍ من الجند النظامي، تدخلت حينها الطائرات الإنجليزية، أصلتهم بقذائفها، قتلت من قتلت، فيما ولى من نجا منهم الأدبار، وقد صور الشاعر الشعبي سليمان عبدالرحمن الكحيلي الصلوي ذلك المشهد في قصيدته الطويلة التي خاطب بها الإمام يحيى، وعرج فيها على كثير من مظالمه ومظالم عُماله، حيث قال:

كم تـــوددنـا وأخـــــلصـــــــنــــا لهــــم

ونشــــــرنـا للخـــــلائـــــق عَـــــدلهــــم

ونعــــتــــــنـــــــا للبـــــــرايــــــا فضــــــلــــهم

ثــــــم جـــــــازونا جـــــزاء المفــتــرين

بعــــد ذا صــــاروا يَلمـــون الجنود

الشــــوافـــع ثُــــم بـــــاقـــــة الــــزيــــود

قصــــدوا عمــدًا لتوسيع الحدود

يبتغـــــون الفــــوز بـاسم الفاتحين

زحفـــــوا مِــقـــــدار ميـــــل أو أقــــــل

وإذا الطــــيار فـــــورًا قـــــد وصــــل

ويقصـــــد الغَـــــازين رمــــيًا بالجلل

نقـــــروا في الحـال خوفًا هاربين

ثم قــــــالـوا مــــــا دَعــــــاكــــم للفرار

حـــــاربوا الطيــــــار رمـيًا بالحجار

يا نـــــواصب أنتـــم حـــزب البــوار

سَلمــــوا الجـــــزية يــــا متيهــــودين

سلمـــــوهـــــا والمـــــدامع تنــــحـــدر

مـــــن غنــــــي وفـــــــقيـــــر مُـــــــفتـــــقر

يــــــا فـــــــؤادي فــارتقبهم واصطبر

إنمـــــــا الله مُــعيــــــن الصــــــابــــــرين

عاود الأمير علي الوزير بعد ذلك السيطرة على أطراف ماوية بنفسه، وفيها استقر لعدة أشهر، ليزور اليمن أثناء مُكوثه ذاك الرحالة أمين الريحاني أبريل 1922م، وقد استقبله في دار الحكومة العتيق ببرود شديد.

تحدث الرحالة أمين الريحاني عن مُعاناة سكان تلك المناطق في ظل حكم الإمامة، ناقلًا انطباعات مُواطنين التقاهم في الحواشب، وماوية، مُستغربًا من تفضيلهم للأتراك والإنجليز على الإمام يحيى، وهذا أحد مواطني ماوية – لم يذكر اسمه – خاطبه قائلًا: «لا شك أنَّ حضرة الإمام رجل كبير قدير، ولكنه ظالم يرهق الرعية بالضرائب المُتعددة، ولا ينصف السُنيين الشوافع في بلاده، ولا يُحسن السياسة مع الإنجليز، فقد استنزل على جنوده هول طائراتهم، ولا يفتح المدارس في البلاد، ولا يعزل الظالمين من عماله مثل عامل هذا البلد، ولا يجود بما رزقه الله، وهو الغني الأكبر في اليمن كله».

الرحالة عبدالعزيز الثعالبي هو الآخر زار اليمن بعد عامين، ونقل انطباعات مُماثلة، ونقل أيضًا جانبًا من تاريخ المناطق التي مرّ بها، وقال أثناء حديثه عن الحواشب: «وقد مررنا في طريقنا بجبل الضلعة الذي تطاحنت فيه جيوش الإمام بجيوش الحواشب، ولولا انضمام الطائرات الإنجليزية لهذه الأخيرة، لكانت طعمة للإمام، ولبلغت عساكره إلى أطراف عدن، والشجاعة مهما كانت لا تستطيع أنْ تُكافح وحدها قوة الطائرات، ولما انتصرت الحواشب عاد الجيشان إلى حدودهما، والتزم الإمام بالمكوث داخل حدوده القديمة، وأنْ لا يعتدي في المـُستقبل على أرض الحواشب» [3].

0400 01 المَقاطرة.. صُمود قلعة.. وعودة فَقيِه (2 – 2)

الفقيه الثائر

كغيرها من مَناطق تعز وإب، دخلت الحجرية نفق الإمامة المُظلم، وتَجرعت جَبروت عمالهم، وعسف عساكرهم، وكانت بين الفينة والأخرى تقوم بها بحركات تمردية مُسلحة، لم يتعمق المُؤرخون المعاصرين في ذكر تفاصيلها، باستثناء المُؤرخين الإماميين محمد زبارة، وأحمد الوزير، الذان تفرَّدا في ذكر حكاية ثورية أبطالها رجلان من أبناء الحجرية، أقدما على قتل مفضل بن أحمد بن مفضل الوزير، أحد أقارب أمير تعز علي بن عبدالله الوزير نوفمبر 1926م، وأتبعاه بعدد من العساكر.

لم يذكر المُؤرخان الإماميان اسم المنطقة التي وقعت فيها تلك الحادثة، في حين أكد الباحث صادق المنيفيى وقوعها في عزلة قدس، منطقة الهجمة صبن، وحول الرديع تحديدًا، وزاد على ذلك بأنْ ذكر اسم من قاموا بتلك العملية، وهما: ثابت نعمان العسر، وولده محمد، وخالف هنا ما ذكره الـمؤرخ علي محمد عبده، حيث قال الأخير أنَّهما – أي أولئك البطلين – يُدعيان دغيش، ومُكرد الزبيري.

وإكمالًا لذلك لمشهد قال المُؤرخ زبارة: «فجهز الأمير – يقصد ابن الوزير – على تلك الجهة، وكان ضبطهم ضبطًا مُحققًا، إلا من تعدوا بالرماية والقتل للسيد، ففروا إلى عدن، ولم يتم إلى الآن ضبطهم».

من جهته قال المُؤرخ علي محمد عبده أنَّ عددًا من أبناء المنطقة هربوا بفعل تلك الحملة إلى عدن، ولأهمية شهادته نوردها كما هي: «وبسبب مظالمه – أي مظالم أمير تعز – عمد أبناء قدس إلى قتل العامل المفضل، عندما لم يجدوا من يستمع لشكواهم، وينصفهم منه، فأرسل أمير تعز علي عبدالله الوزير قوة عسكرية كبيرة لمعاقبتهم.. فهربت كثير من الأسر نساءً وأطفالًا وشيوخًا إلى الجنوب، واستقر غالبيتهم في مدينة الشيخ عثمان».

وهكذا، وفي ذروة تلك المعاناة، وفي ذات العام، وصل الفقيه الثائر حميد الدين بن علي بن عبدالله المكابري إلى قريته الخزفار، وصل عائدًا من غربة أخذت 22 عامًا من سنين عمره، توزعت بين عدن، وجيبوتي، والحبشة، إما عاملًا كأسطى يبني للناس مساكنهم، أو طالبًا للعلم يبني للعقل مداركه، وقد تدرج في الصوفية الشاذلية حتى وصل إلى أعلى مراتبها.

بدأ الفقيه الخزفار فور وصوله بدوره الإصلاحي، وتوعية الناس بأمور دينهم ودنياهم، تمامًا كما فعل من قبل مُصلح اليمن الكبير الشيخ أحمد بن علوان، الذي تأثر به بطلنا الثائر أعظم تأثير، وابتنى – عام وصوله – لأجل ذلك مسجدًا وزاوية، فيما ظل منزله العامر مفتوحًا للرعية المتخاصمين، الذين ارتضوا به حكمًا دون سواه.

كما عمل الفقيه العائد على استصلاح بعض الأراضي، وتوزيعها على الرعايا المـُعدمين، وعن ذلك كتب عبدالله باذيب قائلًا: «استطاع حميد الدين أنْ يكسب قلوب أهل المقاطرة، وأنْ يقنعهم بتسليمه ما في حوزتهم من بصائر، وهي حجج ملكية الأرض، فأحرقها، وجعل الأرض ملكية جماعية لهم، يوزع محصولها بينهم بالتساوي، بقدر حاجة كل فرد»، وقد نفى الباحث عبدالعزيز سلطان المنصوب صحة الجزئية الأخيرة من هذا القول، والمُتمثلة بإحراق حجج ملكية أراضي المواطنين.

حين وجد الفقيه الخزفار أنَّ عُمال الإمام يأخذون على القات ضريبتين، تصدى لذلك التصرف الشائن بقوة، وحرض من فوره المـُزارعين على عدم الدَفع، وكتب إلى أمير تعز علي الوزير مُعاتبًا ومُلحًا بـ «أن ضريبة واحدة تكفي».

تحريض، ولكنه أسعد الإماميين، وصارت الفُرصة مواتية للقضاء على هذا الثائر وللأبد، دمروا المسجد والزاوية 1928م، وذلك بعد مُواجهات محدودة أسفرت عن قتل ثلاثة مواطنين، وعسكري واحد، وألزموا الضحايا بدفع دية الأخير، واقتادوا الفقيه الخزفار صوب مدينة تعز، فيما فرَّ أغلب أقربائه وتلامذته إلى عدن.

وفي تعز، وجه الأمير علي الوزير بحبس الفقيه الثائر في دار النصر، وفي السجن أثر الفقيه حميد الدين الخزفار في أصحابه الجدد، ليتسلل فكره ومنهجه مع خروجهم الواحد تلو الآخر، مُتجاوزًا جبل صبر إلى مناطق عديدة، ليخرج بعد خمس سنوات وقد تضاعف مُحبوه، وتكاثر مُريدوه، وجابت شهرته الآفاق.

الطغاة وعلى مدى التاريخ يَعملون على تَحسين صورهم بتقريب الشخصيات الاعتبارية ذات الحضور الشعبي منهم، وتكليفهم بمناصب ظاهرها خدمة الرعية وباطنها اضفاء الشرعية على نظام حكمهم، وقد حاول الأئمة كسب الفقيه حَمِيد الدِين الخزفار إلى صفهم، وعرضوا عليه بالمراسلة إدارة أوقاف المقاطرة، إلا أنَّه اقتدى بأبي حنيفة النعمان، ورفض ذلك المنصب، بعد رفضهم شروطه؛ الأمر الذي أغضب الطغاة، فأطلقوا عليه لقب (حميد الديك)، وشنعوا عليه أعظم تشنيع، واتهموه بالزندقة والجنون.

عاد الفقيه الخزفار بعد ذلك لممارسة دوره الإصلاحي، ولكن بحذر شديد؛ كون عيون الإماميين تترصد خطاه، أوعزوا لعملائهم اتهامه بتحريف الدين، وتهديد أمن المجتمع، ثم طاردوه من منطقة إلى أخرى، ليقع في الأخير بين أيديهم 1937م، بعد أنْ خسر أحد أفضل مُريديه، وكانت نهايته تماما كنهاية أبي حنيفة.

أسوأ لحظات عُمر الفقيه حميد الدين الخزفار آخرها، سُجلت فُصولها الكئيبة في دهاليز القلعة بصنعاء، السجن الذي نفاه الإماميون إليه؛ لاعتقادهم أنْ اختلاف المذهب وبُعد المـَوطن سيجعل تأثيره محدود، ولن يتكرر ما حدث معهم بتعز، بصعوبة استطاع الفقيه الثائر ترويض محيطه الاجتماعي الجديد، وبفطنته كسب ثقة الأغلبية، وكان من أبرز رفقائه الشيخ صالح المقالح والد الشاعر عبد العزيز المقالح، وسيطه عند الإمام يحيى فيما بعد، إلا أنَّ ملك الموت كان أفتك وأسرع.

ودع الفقيه حميد الدين الخزفار الناس والحياة يوم 20 أبريل 1942م، عن 64 عامًا، وظلت سيرته الطيبة على ألسن محبيه، يلهجون بذكره وكراماته على الدوام، ويثنون على عطائه وتضحياته كيدًا للطغاة الحكام، الذين عملوا على تشويه سمعته، واحتقار نضاله، وختموا ذلك باتهامه بـالشيوعية، ولنا أنْ نتخيل روحه ترفرف هناك في الجنة التي طالما تغنى بها في أشعاره، حيث قال:

تزحزح يا فتـــــى فالســـــــــعي غـــــــالي

وشمر واجتهـــــد هــيــــــــا تـــــــــــــــــلفـــــلف

تحـرك وارتـــــقـي نحـــــــــو المعــــــــــالي

وســــــــابق ســـــــــــوف ينــــدم من تخلف

مـــــــقـامات العـلى فيــــــها المجــــــالي

فيـــــــا سعــــــــــــد الـــــــــــذي فيـــها ترفرف

جنان الوصــــــل فــــــــلا قيـــــــل وقـــال

 ســـــوى العشـق الغـزير هيا تحفحــــف

خلال المئة عام التي سبقت انتفاضة المقاطرة، قامت في المناطق الوسطى عدة حركات تحررية، لم ترضَ بالظلم، وقارعت حكم الأئمة، وتبنت خيار مقاومتهم، وما ثورة المقاطرة إلا امتدادًا لذلك التاريخ الحافل بالنضال بلا مُساومة [4].

الهوامش:

1* توسع المُؤرخ حمود الدولة في ذكر أسماء المشايخ والأعيان الذين رافقوا الأمير علي الوزير في حملته تلك، وقال: «فنشر أوامره النافذة في الجهات، وجلب عرائف المُجاهدين المرتبين في القضوات، وحثهم بالوصول إليه.. فوصل إليه من قبائل أرحب وعرائفهم من كان في قضاء القماعرة، ومن كان بمعية حاكم العدين، والمُرتبين مذيخرة.. ومَراتب صَبر.. فتأهب معه من السادات حاكم العدين السيد حمود بن محمد، ومن معه من المجاهدين.. وأهب عامل تعز صنوه الأمجد، السيد عبد الجليل بن أحمد في عصابة نافعة من قضاء تعز.. وتأهب من المشايخ، كل ذي عقل راسخ، فالشيخ عبد الله بن يحيى عبد الجليل – من مشايخ صبر، ولقبه (الصبري) – في عصابة نافعة من أهل بلاده.. والشيخ محسن بن علي باشا، وصنويه الشيخ حميد بن علي، والشيخ ناجي بن علي.. وعامل مقبنة الشيخ عبد الله عثمان، وبمعيته جماعة من أهل صبر.. وعامل ناحية صبر الشيخ أحمد بن عبد العزيز المجاهد، في عصابة نافعة من أهل ناحيته الأماجد».

2* وفي رواية مُتصلة ومُختلفة، ذكر الباحث زيد بن علي الوزير أنَّ الشيخ عبدالنور حسان أو نور الدين حسان كان هو وشيخ العدين حمود عبدالرب أول من اقتحما قلعة المقاطرة، وأنَّه – أي عبدالنور – لقي مصرعه قبل أن ينتهي ذلك العام في منطقة المنعم بجبل حبشي، ولم يُعرف قاتله، ونفى – أي زيد الوزير – حادثة غدره بالثوار السابق نقل تفاصيلها.

3* اتهامات الإماميين في هذه الجزئية للأسف الشديد كانت صحيحة، ولكنها حقٌ أريد به باطل، وبالفعل جُبل بعض أبناء الصبيحة – خلال تلك الفترة – على امتهان التقطع، وإلى ذلك أشار الرحالة أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب، ونقل عن أحد أبناء الحواشب قوله: «انظر إلى ذلك الجبل، وراءه الصبيحة أشر العرب، وهم دائمًا يعتدون علينا نحن الحواشب المـُحافظين على الأمن.. أما الصبيحة يا حضرة الأمير فهم يحاربونا لأنَّهم لا يحبون الأمن». الرحالة عبدالعزيز الثعالبي تعمق أكثر في ذكر تلك المثالب، ومن ضمن ما قاله: «دخلنا وادي الطنان، وهو مضيق طويل تكتنفه الجبال من الشمال إلى الجنوب، فينخفض تارة، ويصعد أخرى، وهو طريق مُخيف في اليمن بالنسبة للقوافل والمسافرين، لا يمرون فيه إلا وأصابعهم على لولب البنادق، استعدادًا لإطلاق الرصاص، فقد اتخذته قبائل الصبيحة مكمنًا للصوصية». وأضاف: «والصبيحة اسم لبطن من العرب، وهم عريقون في الوحشية والسذاجة، تتفرع منه أنجاد كثيرة، منهم: المخدومي، والمنصوري، والبعسوسي، والحميدي، والجبري، والحريمي، والغليبي، والمطرفي.. وجملة هذه القبائل لا يزيد عددها عن ألفين نسمة، وهم ينقسمون إلى قسمين: قسم منهم آخذ في أسباب التمدن والترقي، وهم فريق المخدومي والمنصوري، فالأولون عمّروا أرض مرسه، والأخيرون أرض المشاري، وبنوا المساكن، وفلحوا الأرض، وزرعوها، أما بقية الفرق فباقون على سذاجتهم، يسكنون الجبال.. ولا يحترفون شيء غير قطع الطرق عن المسافرين، وسلب أمتعتهم، مسكنهم الغابات، ومنامهم على الأرض تحت الأشجار، وهم يأكلون مرة واحدة في اليوم والليلة..».

[1] كتيبة الحكمة، مطهر، ج1، ص 284 – 285 / ج2، ص 255 – 256 – 279 – 280 – 283 –  284 – 285 – 286 –  288  / زورق الحلوى، الدولة، ص 216 – 217 – 218 – 219 – 220 – 221 – 227 – 228 – 229 – 233 – 234 – 235 – 236 – 237 – 238 – 239 – 241 – 242 – 243 – 247 – 248 – 249 – 250 – 251 – 252 – 253 – 254 – 301 – 442 / أئمة اليمن، زبارة، ج3، ص 64 / حياة الأمير، الوزير، ص 165 – 626 / التاريخ العسكري، ناجي، ص 106 – 107 / اليمن الجمهوري، البردوني، ص 94 –  103 – 104 / اليمن المعاصر من القبيلة إلى الدولة، د. عبدالعزيز قائد المسعودي، 2004م، ص 151 / أحداث المقاطرة (1920م – 1921م)، د. عبدالعزيز قائد سيف، مجلة (اليمن الجديد)، العدد الثالث، السنة التاسعة عشر، مارس 1990م / المقاطرة كما هي.. وثوارها يتساءلون، سمير حسن، صحيفة (الصحوة)، العدد 895، 9 أكتوبر2003م.

[2] كتيبة الحكمة، مطهر، ج2، ص 289 / التاريخ العسكري، ناجي، ص 106 – 107 / اليمن الجمهوري، البردوني، ص 103 – 104.

[3] كتيبة الحكمة، مطهر، ج2، ص 281 –  333 – 334 – 335 – 336 – 337 – 338 – 339 / حياة الأمير، الوزير، ص 176 /  ملوك العرب، أمين الريحاني، دار الجيل، بيروت، ط8، 1987م، ص 95 – 92 – 93 – 101 – 104 / الرحلة اليمنية، عبدالعزيز الثعالبي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1997م، ص 43 – 46 – 47 – 51 / تاريخ القبائل اليمنية، حمزة علي لقمان، ج1، ط1، دار الكلمة، صنعاء، 1985م، ص 47 – 48 / لمحات من تاريخ حركة الأحرار، عبده، ص 84.

[4] أئمة اليمن، زبارة، المجلد الثالث، ص 158 / حياة الأمير، الوزير، ص 251 / حصار صنعاء ريبورتاج صحفي حي من أرض الأحداث، عمر الجاوي، مؤسسة صوت العمال، عدن، 1975م، ص 41 / فنون الأدب الشعبي في اليمن، عبالله البردوني، بدون تاريخ، ص 71 – 76 / لمحات من تاريخ حركة الأحرار، عبده، ص 74 / معالم تاريخ اليمن المعاصر، المسعودي، ص 151 / مجلة (اليمن الجديد)، مصدر سابق / صحيفة (الثقافية)، العدد 210، 25 سبتمبر 2003م، نقلاً من الباحث عبدالعزيز سلطان المنصوب أوردها فيما بعد في كتاب (الرسائل) للشيخ حميد الدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى