أدب

المحبوبة العذرية: قراءة لا نسقية

هل المحبوبة العذرية بخيلة؟

عايشتُ كتب الأدب عن قرب، ولازمتُ الشِّعر العربي عن كثب، وكلما قرأتُ لاقيت فيضًا طائلًا من معاني بخل المحبوبة، فهي شرسة الطَّبع، هاجرة، قاسية، جافة، قلبها كصم الجنادل، لا ترفق بمحبوبها ولا تنيله شيئًا.

تضن عليه بالكلمة، واللقيا، والسَّلام والإيماء والإشارة، فهي صارمة، قاطعة حبائل ودها، متكبرة، متعجرفة، مُخلفة، تصد ولا تبدي، تضل ولا تهدي، تمني ولا تفي، مماطلة، كذوب، غضوب، ظلوم، لا تبذل غير جفوة وهجر ونفور، تجزيه بغلظة القول، لتزيده كلفًا، وشوقًا بها وهيامًا، وتحرق قلبه دنفًا وصبابة، وتولعه سقمًا، ووصبًا، وتضرم النَّار في قلبه؛ حتى تدفعه إلى الجنون والخبل، وتنعم به في ذلة الوجد مجنونًا مشوقًا معذبًا، وهي مع ذلك ممدوح بخلها.

وإن تصفحت ديوانًا من دواوين الغزل العذري لاسيما في العصر الأموي فسترى احتشاد تلك المعاني، وإن طالعت كتابًا من كتب النَّقد الأدبي لشعراء الغزل لاكتظت نفسك، وامتلأت بتلك الصور المتواترة عن قسوة المحبوبة وصلفها.

المحبوبة العذرية المفترى عليها

ولكن إذا عايشت الشِّعر عن مطاولة، تبين لك أنَّ المحبوبة العذرية مظلومة، فهي مفترى عليها، وما هو إلا طمع الشَّاعر فيما لا تسطيعه، ولا تراه في شعره إلا راغبًا في ازدياد من الوصال، ولا يقنع منها بعللها وأسبابها التي تحول دون وصله، وهذا في المحبة ممدوح من الرجل..

أما هي فمعذورة، ممنوعة من أهلها، عليها رقبة، من دونها سلب النفوس ونار حرب توقد، يمنعها حياؤها وصونها، وتعففها، وأن تشين أهلها بكلمة، ويمنعها الواشي والعذول، ويمنعها أنها تخاف على من تحب، وتخشى عليه البطش، ويمنعها الوجل، وخشية الريبة والشبهة، فهي المخدرة، وربيبة الصون، يمنعها أنها تحب أن يؤتى إليها، ويمنعها أن يُظن بها الظنون، وتمنعها المهابة، والتقاليد والأعراف، وتأبى عليها عزتها وأنفتها، وكريم منبتها، فلا تبدي شيئا مما تحب، وتتكتم تصونًا ولو كانت تتلهبُ اشتياقًا.

العذرية قراءة لا نسقية4 المحبوبة العذرية: قراءة لا نسقية

حالتان من المحبة والصد

والمحبوبة هنا لها حالان: إمَّا أن تكون محبة للشَّاعر على الحقيقة، ووقع في نفسها ما وقع في نفسه، وإما أن تكون غير محبة له، ولم يقع في نفسها، فهي راغبة عنه؛ الأولى تحب أن تبذل وتحب أن تصل محبوبها بما تستطيعه نفسها، تحب أن تراه، وتطمئن على حاله، وتؤانسه، وتبدي له الودادة كلها، وتحب أن ترفه منه بنظرة، وتطيب منه بحديث، ومع هذا تمنعها الموانع كلها، والأخلقُ بها أنها تحب ألا تكون هي الطالبة وإنما مطلوبة مرغوبة، مبذول لأجلها.

وإما الثانية فهي كهريرة التي صدت عن الأعشى فقد علقت رجلًا غيره، وإنما صدها عن مكالمة الأعشى، وإعراضها، لأنها راغبة عنه، لا تحبه، وحق لها ألا تبذل ــ على استحياء ــ إلا لمن تحب وتأمن، فأولى به أن ينصرف عنها ولا يشكوها في شعره ويظلمها بأنها معرضة هاجرة، فنفسها منصرفة عنه، وقلبها مشغول بغيره.

الرغبة المكتومة في الوصال

الوصل نعيم المحبين، وغاية العاشقين، فكيف لقلب المحبوبة أن يطيق الهجران، والصدود وكيف تطاوعها نفسها في الصرم والبين؟

يقول ابن حزم: ” ومن وجوه العشق الوصل، وهو حظُّ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد طالع”، وقال: “وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه، والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه، وكمال الأماني، ومنتهى الأراجي”.

وقال: “وما في الدنيا حالة تعدل محبين إذا عدما الرقباء، وأمنا الوشاة، وسلما من البين، ورغبا عن الهجر، وبعدا عن الملل، وفقدا العذال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافيا في المحبة”.

فكيف للمحبوبة على رقة طبعها وسلامة قلبها، أن تتمتع بهجر وتعذيب من تحب أعني من تحب حقًّا لا من يدعي محبتها؟ إنما هي تُقطع نفسها وتُعذب قلبها قبل أن تعذب نفسه، فقلباهما قلب واحد وإن تقاسما الأجساد.

هي برغم كل الموانع، تحب أن تقاسمه الخوف، والفرح، وتبث له ما في نفسها، وتأمن به، وتحب أن تلتقيه ويتنازعان الأحاديث، وأن تتدلل عليه، وهي تبذل استطاعتها غير ملمومة ولا معتوب عليها.

العذرية قراءة لا نسقية3 المحبوبة العذرية: قراءة لا نسقية

بذل المحبوبة العذرية في الشعر القديم

وأدلل على مقالتي بأنَّ المحبوبة باذلة ما تستطيعه وما تقدر عليه برغم كل القيود والحدود بأبيات من الشعر الأموي والجاهلي وهو المشهور في تلك المعاني من بخلها وصدها، وكذا…

ولأنني أنطلق من النص لن أتطرق إلى محبوبات عمر بن أبي ربيعة، والعرجي وغيرهن مما عرف عنهن من جرأة وبذل فوق ما تطيق الحرَّة العربية.

فهذا المنخل اليشكري يستعمل الواو العاطفة التي تفيد المشاركة بقوله:

وأحبها وتحبني

ويحب ناقتها بعيري.

والنابغة يقول:

أيام تخبرني نُعم وأخبرها

ما أكتم الناس من حاجي وأسراري

واستخدم النابغة “أيام” نكرة لبيان كثرة الأيام وعظمتها، وقدمها لبيان جلالها، وأنها أيام معظمة في نفسه، وبدأ بالفعل “تخبرني” للدلالة على أولية الأخبار منها، ولم يقل لنا بماذا تخبره؛ فهي تخبره بكل شيء، وإتيانه المضارعة بالتاء وما فيها من استمرارية، واستعماله لحرف العطف الواو وما فيه من دلالات.

وها هو أبو ذؤيب ينقل شكوى محبوبته وعتابها له:

ألا زعمت أسماء ألا أحبها 

فقلت بلى لولا ينازعني شغلي

وقول ابن ميادة:

موانع لا يعطين حبة خردل

وهن دوان في الحديث أوانس.

ويكرهن أن يسمعن في اللهو ريبة 

كما كرهت صوت اللجام الشوامس.

والفقيه عروة بن أذينة يقول:

وحديثها الحسن الجميل وعقلها

ذاك الأصيل إذا أردت محالها.

فكل يتغنى ببعض البذل من محبوبته إما بالحديث والنظر أو اللقاء، والمؤانسة، والافتخار بمحبتها له، وعتابها له، وبشكواها الغرام، والحديث بالأسرار، مع العفاف والتصون.

إن التي زعمت فؤادك ملها 

خلقت هواك كما خلقت هوى لها 

فيك الذي زعمت بها كلاكما

يبدي لصاحبه الصبابة كلها.

وهو يخبرنا عن حال محبوبته معه، ووجلها من الإفضاء وتفضيلها للتستر والخفاء:

قالت (وأبثثتها وجدي فبحت به)

قد كنت عندي تحب الستر؛ فاستتر 

ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها:

غطى هواكِ وما ألقى على بصري.

وكل يتغنى بحبها البذل وخوفها الرقيب، وخوفها الواشي، ومحبة التستر والخفاء، وإلمام الزيارة، وإمطال المواعيد، بغير إرادة منها.

وهنا جرير يشدو بأن تجنب محبوبته عزيز، وهي تبذل له بقدر، وتوسعه بالزيارة وإن رآه لمامًا، فيقول:

بنفسي من تجنُّبه عزيز

عليَّ ومن زيارته لمام

وها هي المحبوبة لما لامها الشاعر، وعتب عليها، قد باحت، وبثت ما في نفسها على حذر:

فإذا لمتها قالت وعيشك إننا

حراص على اللقيا ولا نتفرق 

فإن كنت مشتاقًا فسر نحو بابنا

فنحن إلى ما كان من ذاك أشوق.

وكثير بن عبد الرحمن:

وأعجبني يا عز منك خلائق

كرام إذا عد الخلائق أربع.

 دنوك حتى يذكر الجاهل الصبا

ودفعك أسباب المنى حين يطمع.

وجميل العذري يبوح بقول محبوبته:

وتقول بت عندي فديتك ليلة

أشكو إليك فإن ذاك يسير

العذرية قراءة لا نسقية2 المحبوبة العذرية: قراءة لا نسقية

وقوله يعترف ببذلها وجودها وإن كان يسيرًا زهيدًا:

ولا بفيها ولا هممت به

ما كان إلا الحديث والنظر 

عشية قالت: لا تضيع سرنا

إذا غبت عنا وارعه حين تدبر

وقوله:

تجود علينا بالحديث وتارة

تجود علينا بالرضاب من الثغر

وبثينة العذرية نطقت بالشعر وليست شاعرة، وجاشت نفسها على منعتها وتصونها فقالت ترثي جميلًا:

وإن سُلُوّي عن جميلٍ لساعةٌ

من الدهر ما حانت ولا حان حينها 

سواء علينا يا جميل بن معمر

 إذا مت بأساء الحياة ولينها.

وقيس بن ذريح في هذا السياق يذكر موقف محبوبته المتقلب، وقد باح بأنه لاقى منها تنويلًا، وأنها منته بعض الأماني.

كأنني يوم ولت ما تكلمني

أخو هيام مصاب القلب مسلول

تمنينني نيلا وتلوينني به

فنفسي شوقا كل يوم تقطع

ووضاح اليمن يقول:

إذا قلت يوما نوليني تبسمت

وقالت معاذ الله من فعل ما حرم 

فما نولت حتى تضرعت عندها 

وأعلمتها ما رخص الله في اللمم

وقول المتوكل الليثي الشاعر الأموي في المعنى نفسه ويعترف بجودها ودنوها على ما تعللت به:

حباها الله وهي لذاك أهل

مع الحسب العفافة والجمالا 

دنت حتى إذا ما قلت جادت 

 أجدت بعد بخلا واعتلالا

ويقول توبة عن محبوبته ليلى الأخيلية ليبرأ ساحتهما من قول الوشاة، على رغم ما عرف عنهما من عذرية وعفة:

علي دماء البدن إن كان زوجها

 يرى لي ذنبا غير أني أزورها

ويصف توبة كيف ارتاب من صدها وإعراضها على غير عادتها من التبسط والمؤانسة:

وقد رابني منها صدود رأيته

وإعراضها عن حاجتي وبسورها

والقطامي التغلبي في محبوبته أميمة:

قامت تريك وتجلو من محاسنها

برد الغمامة تسقي بلدة حرما.

وهذا فيض من غيض وقليل من كثير، ولو كان ثمة متسع لسردت لك من النصوص المُعجبة مما يستبد بك الطرب فيه؛ حتى تملأ الفكرة قلبك، إنصافا لحال المحبوبة العذرية، ودفعا لحال الظلم عنها فإنها وكما قيل:

ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر

حبيبًا ولا وافي إليك حبيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى