أدب

كتابُ الأغاني أدب حياة أو بوصفه رواية

لا يهمس العنوان – ولا أعسر من صوغه – بنغمة الخُيلاء.

منذ طَمي الحداثة والغربُ ما فتئ يزجّ بنا في إكراهاتٍ محرِجة: مفارقات ومقارنات، ولم نعد نحن.

وسواء ابتسمنا لتقاذيفه أَم كشَّرنا فإنه ينجح، بما له من سلطة النموذج، حين يضعنا أمام مقابلات هو أحد قطبيها والدافعُ لتشغيلها.

نأمل في الخروج من الظلمات؛ ظلمات الحداثة.

الخروج لا يعني الهتاف مع فرانز ڤـانون “هيا يا رفاقي، لقد ولّت اللعبة الأوروبية وإلى الأبد وعلينا أن نجد شيئًا آخر”(1). هذا ضربٌ من التخلي الخاسر فضلاً عن دعائيته الخواء.

كذلك ينتاب الأُذنَ شعورٌ بالتبرم من صياح الخطيبي ذي النبرة الغنائية” عندما أرقص أمامك، أيها الغرب، اعلمْ أن هذه الرقصة رغبة قاتلة”(2).

لا، فالوصية الأزلية: لا تقتلْ. والمأثور القادم من أول النبْع يقول برفق وعمق: الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها.( لنُعلّق تمحيص الأسانيد الآن ونعتبر بالفحوى) والتنزيل الإلهي يوصي «لا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى».

الغرب نهرٌ هائل منذ هوميروس وحتى آخر فيلسوف أو شاعرٍ يحظى بالتَّقدير، فعلامَ نُحرَم خير الغير؟! لنغترف وننهل ونتعلل، وبالطبع نزيح، غير ساخطين، القذى وما تعافه النفس- النفسُ التي لها كونٌ أصلي مشيد بالثقافة الأولى: القرآن المجيد والمأثور النبوي والأدب منذ المعلقات، ووصايا الآباء. وإنّ لها، كذلك، انفتاحات رائعة لا تتخلى عنها. إنها نفسٌ مضيافة غيرُ حقود ولا ضَجور، لكن غير مشاع. ليست حفرة ولا مستنقعًا تقبل كل ما يُلقى فيها وعليها. إنها قادرة، ومتعهدة قدرتَها كل حين، على اللفظ والصد.

نفسٌ لا تعير لسانها لأحد.

إنَّ الرواية، وَفْقَ هندستها النَّمطية، لَهيَ من آثار النُّقاد أكثر مما هي من آثار المبدعين الكبار. فالكاتب القدير يضيق ذرعًا بكل نموذج ولا يريد إلا تجربته التي لا سابق لها “إنه لا يمضي أبدًا في شأنٍ بدأه غيرُه”(3) قولةُ بروتس عن شيشرون نصْب عين الكاتب العظيم، أو الذي يسعى للعظمة. لذا نجد عظماء الكُتَّاب ليس لهم أعمال كثيرة. العبقرية ليست ولودًا. والعرب تمتدح المرأةَ النَّظور، ترى ذلك نُبلًا وكرامةَ محتد.

لكن ليس الكاتب امرأة تلد، وليس متأكدًا من عبقريته، الحال التي تجعله دائم الشَّك منخذلاً، وربما أسرف في الكتابة بصورة هذيانية حظّها من العقم كبير، وربما صار كليلاً وإن كتب العديد من الكتب كحال الفيلسوف الألماني فيشته: كان برَّاقًا في شبابه وأمسى كابيًا في كهولته. نقيضُ كانط ذي الشيخوخة الوهّاجة بأعظم الكتب في تاريخ الفلسفة.

يأتي الكاتب الكبير فيهشّم القواعدَ غير هيَّاب، ويحرز النصر. عندئذٍ يتهافت النقاد لصياغة ترسيمات أخرى تُضاف لتلك الأوتاد ( هكذا يُنضِّد العالمَ بالقواعد) ويكتب كتبًا مُسْقِمَة تتحدث عن فنّ الرواية. أيْ تضع الأدب في طريق ذات أشواك.

هكذا، وبلا ملل وبلا تنكُّف، يظل الناقد ناقدًا، بمعنى ذلك الباحث عن العظام إثر الولائم الكبرى.

لندع الناقد ونرى المبدع:

“مع سيرفانتس تشكّل فن أوروبي كبير وهذا الفن ليس سوى استكشاف ذلك الوجود المنسي… الرواية هي إنجاز أوروبا الأدبي”(4)، بهذا الحسم يتحدث كونديرا عن جينالوجيا (نَسَب)الرواية، والوجود المنسي المحبَّب إليه هو حالة التفاهة التي تلازم الإنسان، حالة الضعف، حالة الهزيمة، إذ “لا تستدعي الشخصيات الروائية أن نحبها لفضائلها، تحتاج أن نفهمها، وهذا أمرٌ مختلفٌ تمامًا… أبطال الملحمة ينتصرون، أو يحتفظون حتى الرمق الأخير بعظمتهم حين يُهزَمون. أمّا دون كيخوتِهْ فهُزم وبلا أية عظمة… الحياة بوصفها هزيمة، ويبقى لنا محاولة فهمها. وهنا يكمُن سبب وجود الرواية”(5)، يتابع في مكان آخر “تعتبر غارغانتوا – بنتاغرويل لرابليهْ روايةً في شكلٍ غير نهائي إنها روايةٌ معجزة لا مثيل لها، كُتِبت في وقت كان فن الرواية فيه لم يؤسَّس بعد… ولم يكن قد حُدِّد معياريًا بشكل واضح… ما إن شرعت الرواية تفرض نفسها بوصفها فنًّا مستقلاً حتى ضاقت حريتها الأصِيلَة؛ جاءت العقوبات الجمالية التي تعتقد أنها قادرة على تحديد ما يستجيب وما لا يستجيب لهذا الفن (ما يعد أو لا يعد رواية) وبدأ يتشكل جمهور سرعان ما أصبحت له عاداته وتطلباته. وبفضل هذه الحرية حوت أعمال رابليه إمكانيات جمالية هائلة تحقق بعضها ضمن التطور اللاحق للرواية، في حين لم تتحقق بقية الإمكانيات أبداً”(6).

ومثل هذا الحديث، عن رابليه، يتحدث الروائي البولندي فيتولد غومبروفيتش في يومياته.

كانت الرواية، وربما قبل أن تأخذ هذا الوسْم، طليقةً متعددةَ الأسلوب: “نثر وأبيات شعرية وفكاهة وخطابات علمية ساخرة وتأملات ومجازات ورسائل ووصوف واقعية وحوارات ومونولوغات وإيماءت..”.

يُهدِينا كونديرا مصباحًا لنتعرَّف عمقَ الرواية، به نقدّر مدى إخلاص روايةٍ ما للوجود المنسي. وينبّهنا أنَّ الروايةَ لا كوابح لها.

لكن كيف نستطيع الاطمئنان إلى أنها “فن أوروبي محض” ومنذ أوائل القرن السَّابع عشر؟ من أهدى رابليه وسرفانتس إلى كتابةٍ على هذا النَّحو؟ بالتأكيد لا يجهل كونديرا، وإن لم يفصح، الملاحمَ والقصص الأساطيرية التي شاعت خلال القرون الوسطى، لكن عيبه أنها لم تضيء الجوانب المنسية الهامشية من الوجود الإنساني. لن نجد في قصص الفروسية من يتحدَّث عن مأساة زوال ضرس.

لكن كونديرا ذو عين غربية. إنه لا يوجّه نظره إلا صوب تاريخه. ولو فتح عيونًا أُخرى لوجد أنَّ الأدب العربي، وبعيدًا عن الفِخار والتباهي، احتوى هذا العزيزَ على قلب الروائي التشيكي الفذ.

كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني سخيٌّ بالمواقفِ الوجودية المنسية.

في هذا الكتاب الضخم المهم العظيم نثرٌ للحسد والغيرة والجُود والتَّضحية وحب الشُّهرة والحكمة والتَّعاسة والهزائم الوجودية والموت بوصفه ظلالاً يوشك أن يجثم علينا كشجرة هائلة تهوي بنا في ليلٍ سرمدي…، في الأغاني أحاديث عن التَّفاهة، وعن بؤس الذَّات كحالة الشَّاعر نُصَيب مع لونه الأسود وكونه عبدًا ومثله عنترة، وكل هذه الحالات تسفر عن قلق كبير، والمهم جماليًّا وروائيًّا أنها ضمن حكاية أو خبر كما يحبّذ القدامى. إنها شخوص من لحم ودم وضمن مواقف معيشة.

وليس الهامش والمنسي هو ما يستعرضه كتاب الأغاني وحسب، بل المثالي والطاهر والبطولي أيضًا.

خليل البحر يترجم رائعة الشَّاعر ألفرد لورد تينيسون 4 كتابُ الأغاني أدب حياة أو بوصفه رواية

إنه كتاب حياة.

لقد كان أكثر من روائي غربي يشيد بأهمية “ألف ليلة وليلة” ومقدار تأثرهم بهذا الكتاب (لنتذكر إشادات بلزاك وتولستوي وبورخيس)، حتى ليمكن القول: إنَّ حرية الشكل والأسلوب لدى رابليه وسرفانتس لا تتبرأ من مديونيتها لحكايات شهرزاد.

هذا الكتاب تم في أفق الأدب العرب.  وإن كان محتَقَرًا من قِبَل الثقافة العالِمة فذلك لا ينفي أنه استمد نموذجه من نماذج شائعة ومعتَرَف بها حينذاك، وبالطبع له تطويره، وكل عمل كبير لا يعني أنه الأول. “ألف ليلة وليلة” أدباً عامياً هكذا اعتبره الأوائل ولم يُخطئوا، لكن أجد أن كتاب الأغاني إلى حدٍ ما هو النسخة الاستباقية العالِمة لهذا الكتاب، مع التأكيد على جميع الفوارق الصُّلبة.

أظنني جاوزت الحد .لا. لم أشطط. ما أعنيه أن كتاب أبي الفرج لو خَليَ من الأسانيد التي تضفي عليه مهابةً لكان شبيهًا بقصص الديكامرون لجيوفاني. إسقاط ضال؟- لا. جرِّدوا الأغاني من الأسانيد، وأعيدوا كتابته بفصاحة معاصرة، وانثروا الأبيات لتظهر كأنها أشعار مترجمة، حينها ستعثرون على رواية لا نظير لها!

يا للخزي!  لماذا نعمد إلى مذبحة كهذه؟ أمن أجل أن يقال لدينا رواية عظمى؟ أمن أجل أن نقول لقد سبقنا الغرب؟ أمن أجل أن نقرأ هذا الكتاب الجليل بشغف كما نقرأ غارسيا ماركيز ؟ يا لبؤسنا إذن! يا للعار!

أجل إنه لعارٌ كبير أن نهجر كتبنا الأولى أو نتمنى لها صيغة أخرى أو نقحمها في سباق. ليكن الغرب حيثما كان. لا شأن لنا في الرهانات، حتى لو كانت مُربحة. نسعى إلى الحياة ونزعم أنَّ الأدب يهدي إليها بصورةٍ أفضل. إذن سنقرأ الأدب وليكن آتيًا من أي فجٍّ فهذا لا يهم، وباللهفة ذاتها نلتفت إلى إرث الآباء ونصونه بالتَّعلم منه دونَ إكراه.

يمكن للغة الأغاني أن تُحدِث جفوة ونفورًا عند قارئ سيء الحظ تعوّد على الروايات ذات الفصاحة المُحدَثة، لكن يجب أن نتعلم كيف نقرأ لنعثر على العجائب بين أيدينا ومن حولنا. وما نبحث عنه بعيدًا يقبع في القرب. وإنَّ الأغاني لتحدٍّ كأي كتاب عظيم، ويجب خوضه. وإنه لعون كبير على ابتكار تراكيب جديدة لا تنتمي إلى فصاحة اليوم المستهلَكة. إنه يساعدنا، ومثله الأدب العربي القديم، على اكتساب ملمح يخصنا. كما يمثّل التراثُ إزعاجًا للوضاعة.

قال ديفيد هربرت لورنس: “الكتاب المقدَّس وهوميروس وشكسبير روايات كبرى تجعل الشَّجرة (الجسد) كلها ترتعش بفيض جديد من الحياة “(7) إنها رواية لأنها تهز الجسد كاملاً ولا يجعله ينمو في ناحية واحدة (كالناحية المثالية) كما لأي فلسفة أن تفعل. إن لورنس يحذرنا من الفلسفة لأنها ذات اتجاه واحد، والاتجاه الواحد يفضي إلى درب مغلق دائمًا. وحدها الرواية كتاب الحياةِ المشرق.

لكن لا أية رواية، بل تلك التي تخلُق الحياة. والحياة هي إقامة علاقةٍ مع الأشياء من حولنا، أية علاقة. فبدون علاقة لا توجد حياة. أن تدخل المتجر وتشتري قبعة وحين تلبسها تشعر أنَّ هالة ذهبية فوق رأسك فتلكم هي العلاقة-الحياة.(8)

إننا نجد كتاب الأغاني مليء بالمُثل والمواعظ والتقويمات الأخلاقية ومليء كذلك بالحديث عما درجت تسميته بـ الفحش والبذاءة، وكل ذلك في سياق الحكي.

وإنَّ الأغاني ليهز الشَّجرة كلها، جذعها وفروعها وجذورها، كما يتمنى لورنس. وهذا ما لم يرق للإمام ابن الجوزي فقد قال “.. إنه (الأصفهاني) يصرح في كتبه بما يوجب الفسق، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى كل قبيحٍ ومنكر”(9)، وشيخ الإسلام يشارك الإمام ابن الجوزي إرادة الطُّهرانية والاتجاه الواحد والاشمئزاز من إنْماءِ الجسد كاملاً، قال الذهبي “رأيت شيخنا تقي الدين ابن تيمية يضعفه (أي الاصفهاني) ويتهمه في نقله ويستهول ما يأتي به، وما علمتُ فيه جرحًا إلا قول أبي الفوارس: خلط قبل أن يموت”(10).

من النافل، التأكيد على أن الأغاني لم يأت على كل شيء وأغلَق. فهو لا يغني عن الكُتّاب الكبار من كل الحضارات كما لا يغنون عنه.

هو واحدٌ من الكتب التي تجسّد أنطولوجيا التبعثر؛ ذلك أنه لا ينتهج خطًّا واحدًا، ولا يطرق موضوعًا واحدًا ولا يشغَل زمنًا واحدًا ولا يعرض شخصيةً واحدة حتى وهو يبسط أخبار شاعر بعينه. هنا نلتقي فيلسوفَ الشَّميلة والتشذر والانبثاث: جيل دولوز. فالكتابة، كما يعرّفها، خطوطُ هروب،” قضية صَيران، فهي دائما غير مكتملة، دائما في طور الإنجاز “(11).

“في الصيرورة لا يوجد ماضٍ ولا مستقبل ولا حتى حاضر، لا يوجد تاريخ، في الصيرورة يتعلق الأمر بالأحرى بالالتفاف”(12)،” الأشياء لا تبدأ في الحياة إلا عند المنتصف”(13)، “القانون هو قانون التشظية “(14).

إننا نلفي الأغاني روايةً عظيمة شذرية متشظية التفافية، لا تحفر ولا تمكث ولا تطيق الثواء، دائما عابرة وجوّالة، ولا يحصرها زمن. تنقلات، ترحّل مباغت، استباق وتقهقر. الحديث عن عمر بن أبي ربيعة ليس عنه وحده ولا عن مجايليه وأقرانه وخليلاته، بل يصعد إلى زمن الجاهلية ثم يهبط إلى زمن العباسيين، وحين يفرغ من أخبار عمر الشاعر نظن أنه أزاحه إلى غير رجعة، لكن إذا به يعود في أخبار شاعر آخر كنُصَيب، والعرجي، والمجنون، وغيرهم.

إنها كتابة متاهية غنية بالحياة وكشفِ المعتم الوجودي. وهي ليست مغلقة ولا مثبِّطة، بل رفّالة دائمة الصعود والنزول، دائمة الحركة يميناً شمالا، شمالاً يمينا، ظَهراً لظهر، وجهاً لوجه، وظَهراً لوجه ووجهاً لظهر.. عودة وبدء، ومن المنتصف كل مرة.

خليل البحر يترجم رائعة الشَّاعر ألفرد لورد تينيسون 1 كتابُ الأغاني أدب حياة أو بوصفه رواية

إنها نابضة بالحياة لا تتوقف عند نقطة.

كل الأخبار، الدقيق والجليل، على السطح، لا انحفار ولا هرمية. مسطحات.. مسطحات هذا ما نعثر عليه في الأغاني وهذا ما تقوله مجمل فلسفة دولوز: الحياة عبارة عن مسطحات محايثة، لكن بلا ثبات.

كان دولوز سيُقبل على هذا السِّفْر العظيم بشغف.

إن هذا الكتاب التراثي الرائع مثالُ الأدب المتطاير الخلّاق. رحّال بلا إقامة.

وإن الأغاني ليتجاهل التأريخ. لا نعرف زمن نهاية معظم شخوصه ولا زمن ولادتهم. ما الحاجة إلى النهاية إذ لا بداية ولا نهج ولا مسار. فقط، تعرّجات وتمفصلات وانقطاعات ووثبات.

تبدأ الحياة من المنتصف. ذلكم درْسُ دولوز ودرْسُ كتاب أبي الفرج الأصفهاني ودرسُ الأدب العربي القديم عامة. لا تغيب عنا مقامات الحريري فهي تجسد نزعَ التوطين وخطوطَ الهروب.

وكتاب الأغاني ، وهذا مُثمّنٌ جدًا، ليس رواية تتثبّت وتدور في محور فرد بوصفه بطلاً وشخصية نموذجية الأمر الذي يفضي إلى أنانية كلبية تؤذي فيلسوفًا كبيرًا مثل ليفيناس، وتؤذي الحياة.

لو تأملنا الرواية الغربية فإنّا نجدها مثابرة على تضخيم نزعة الأنا المنكفئة على ذاتها، المحترزة من الآخر، بل غالبًا لا مكان للآخر إلا بوصفه جحيمًا كما كَتبَ سارتر ذات مرة. الرواية الغربية تنمّي الإحساس بأن الآخر مدمر، ولا بد من تأمين عزلة كئيبة. وليفيناس عمل على إعادة الاعتبار للآخر بوصفه ذلك اللامتناهي الذي يدعّم الوجود: أثرُ الله.

كتاب الأغاني روايةُ مئاتِ الشخوص وليس الشعراء وحدهم، بل خلفاء وأمراء وأصدقاء ومغنين وشيوخ قبائل ونساء أشراف وبغايا وإمَاء ومستهترات وكل هؤلاء لا يطوفون حول شخصية واحدة.

عادةً يغيب الشاعر ويحضر هذا الخليط.

واستئناسًا بلفيناس، وإن كانت فلسفته مهتمة بالآخر- الإنسان، نجد كتاب الأغاني، وكتب التراث عمومًا، ذلك الآخر الذي لا يمكن تحديده أو اختزاله في معرفة، إذ المعرفة سلطة وإذن ضالة وعدائية.

هذا الآخر-التراث هو ربّ الدار الذي بات مطروداً. إنه الضعيف والبائس والفقير من حيث لا يملك قوةً قهرية علينا.

الآخر-التراث يُنادينا دون هيمنة، يجود بالخير ونحن معرِضون، يتوسلنا أن نقبل عطاياه.. إنّه يدعونا للتعرف إليه، لكن دون موضعته ضمن مفاهيم تدّعي الإحاطة والكلية.

التراث هو آخَرُنا الذي يجب النظر إلى وجهه المسكون بالنبل وبالموت الوشيك لا سيما في عصر السوشيال ميديا والريبوتات والمجاز التقني وضياع الإنسان وتموقعه ضمن الافتراضي.

إنها مسؤوليةٌ كبرى يضعنا التراث إزاءها، مسؤولية أن نلتقيه وأن نُحسن وفادته وأن نبرّه مرةً أخرى.

إنه الأب المُبعَد، يلوّح لنا بيدٍ واهنة ووجه كسِيف، يلوّح بلا حول.

كيف يكون آخراً وهو الأب؟! هذا نتاجات الزمن الحداثي الفائق؛ عصر الفراغ.

لنؤي من لا حيلة له، فهو شرط الكينونة.

الهوامش:

  1. عبد الكبير الخطيبي، المغرب العربي وقضايا الحداثة، منشورات الجمل2009، ص150. 
  2. عبد الكبير الخطيبي، في الكتابة والتجربة، منشورات الجمل 2009، 158. 
  3. شكسبير، مسرحية يوليوس قيصر، دار المعارف الطبعة الثالثة، ترجمة عبد الحق فاضل ومصطفى حبيب. 
  4. ميلان كونديرا، فن الرواية، المركز الثقافي العربي2017، ص13، 14. 
  5. ميلان كونديرا، الستارة، المركز الثقافي العربي 2015، ص14. 
  6. ميلان كومديرا، لقاء، المركز الثقافي العربي 2011، ص73، 74. 
  7. مقالتي لورنس(لماذا تهمنا الرواية، والرواية والخلق) ضمن كتاب نظرية الرواية في الأدب الإنجليزي الحديث، ترجمة أنجيل بطرس سمعان، الهيئة المصرية العامة للكتاب1994. 
  8. نفسه ص214. 
  9. تصدير كتاب الأغاني إعداد لجنة نشر كتاب الأغاني بإشراف محمود أبو الفضل إبراهيم ،الهيئة المصرية العامة للكتاب 1970، ص30. 
  10. نفسه ص31. 
  11. جيل دولوز، منقد ومشفى، منشورات الجمل 2023، ص31. 
  12. محاورات دولوز، ترجمة أحمد حسن، المحروسة 2018، ص42. 
  13. نفسه ص65. 
  14. جيل دولوز، منقد ومشفى، منشورات الجميل 2023، ص32.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى