أدب

بين طياتِ الغياب: بوحٌ عابر

يحتشدُ الغياب، يطوفُ بنفسك… شيئًا فشيئًا: يسُدُّ جميعَ الفُرَج، وبعدُ نمتلئ به، لكيلا نرى سواه، لكيلا نعرف غيره، ولكيلا نشعر إلا به؛ ثُمَّ.. وبالرغم عنك، تنبعثُ في قلبك رناتٌ من الذِّكرى، وتعبثُ بقلبك طيوفُ الراحلين، وهُزءً بكل الحضور، تثبت لك، يومًا بعد يوم، ومرةً بعد مرة: إنها الغائبة، والوحيدةُ الحاضرة.. بكل سطوتها، تفل الجموع من حولك، وتبدد عن روحك تلك الأشباح، لتُقعِدكَ وحيدًا معها، ولتختلي بها… فإلى أن تأمنوا عيون الكاشحين، وعذل العاذلين.. وكيدَ الحاسدين، ستحتضن الذكرى كل يوم، وستعبثُ بكَ كل ساعة.. ولربما التقيتم، على تلك الطلول، ستقفُ حينها، تُقلِّبُ عينك، تجوِّلُ بصرك، تدندنُ لنفسك “قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل” تكرر.. “وقوفًا بها صحبي… لا تهلك أسىً” فإلى تلكَ الذكريات، وإلى أيامِ الصِبا، وإلى شيءٍ من الطمأنينة الغائبة: آهٍ لَكم أُحِبُكِ!

❃❃❃

f26ff7f126 بين طياتِ الغياب: بوحٌ عابر

على هامشِ الحياة، وفي حاشية الأيام، تمرُّ عليك لحظاتٌ خالصةٌ للذكرى، تلوذُ حينها بالصَّمت غيرةً على الكلمات.. حفاظًا على الذكرى، تحاولُ شيئًا ألا تبتذل.. مُحلِقًا في سُبحاتِ خيالك، صامتًا، تندمُ على لحظاتِ صمتك، “إن النَّجمَ ليسَ كالقمر، إنك تصفُ الصَّمتَ بالكلام، ولا تصفُ الكلام بالصَّمت” يا ليتكَ تكلمت.

على المرءِ منَّا أن يستمرَ أبدًا بالتعبيرِ عن مشاعره لمن يحبهم، سواءً أكان سيعبرُ لهم عنهم أو عن غيرهم، إن كان يحبهم.. فليتكلم، وليأخذ حظه منهم، وليأخذوا حظهم منه، سيأتي يومٌ يندمُ فيه جميع من آثروا السكوت.. وإلى أن يستحكم النَّدم، لن يفيد أحدًا عضّ الأيادي والأصابع! فاختصروا، وعضوا على أحبابكم بالنَّواجذ.

على أنَّ ما يراه المُتأملُ من طغيان الصمت: يُثِبتُ أنَّ حبال الودِّ تظل ممدودة وإن كانت ساكنة، فإن حصلَ في مرةٍ ازورارٌ عَسَّرَ الوِصال من بعده، فلا يقطعنَّ أحدكم حبله، فإنَّ كثير ممن قرروا الذهاب، عمّا قريب.. سيفكرون بالعودة، أفضِّلُ كثيرًا أن أُبقيَ البابَ مفتوحًا.. فمنَ الحقِ أحيانًا أن يصمتَ مَن أسبلَ جفنه، وتعلقت بغيرِ حبلٍ روحه، ليصمتَ إلى غيرِ أمد، فإلى أن تلمسَ روحَه السبيل، وتفتح المواقفُ عينه، لربما، لربما التفتَ يطلبُ شيئًا مِن أثرِ الماضي، وفرحةُ الوصولِ حلوة، وخيبةُ الردِّ مُرَّة، أفيرضى أحدكم أي يردَ حبيبه وقد أتاه؟ أم يرضى أن يسحق المرُّ قلبه؟

فهلا شيءٌ من الرحمةِ آنذاك يلف روح المسكين، يُعيذها من أنيابِ الحسرات وآلامِ الفوت.. فهلا؟

لا أزالُ أتعوذُ من الفقد، كُلنا يخشى هذا، وأنا أخشاهُ في العابرِ السريعِ عبوره، فكيفَ بمن أسكنته جزءً من روحي؟ الفقدُ مُر، وإن الرحمات لهواطلٌ آنَ ذاك، وإنَّ العينَ لتدمع وإنَّ القلبَ ليحزن.. وإنّا للفراقِ لمحزونون.

❃❃❃

7e99feb0b9 بين طياتِ الغياب: بوحٌ عابر

الشاعِرُ يسكِنُ قلبَه خياله، يعيشان متناغمانِ في حياتهما فترة ليست بقصيرة، وفي سماء تستعصمُ بالبُعْدِ عالية، يعيشانِ السُّرورَ والهناء، والبؤسَ والشَّقاء، والوصلَ والفراق، يعيشانِ حياةً متكاملةً غنية، لا يُكَدِرها إلا ما يصفوُ له خيال الشَّاعر، ولا يُسعدها إلا ما يريدهُ خيالُ الشاعرِ أن يفعل، الشاعرُ يختزلُ في خياله قوةً جبارة تسمحُ له بتحويل كم الذكريات الهائل إلى صورٍ وآياتٍ فنية مبهرة، ولا يرسمُ مثل هذه الصور إلا القلب، ولا يرسمها القلبُ إلا وهو يعيشها حقًّا وحقيقة.. ليخرجَ القلبُ بعدَ حياته الخصبةِ الحلوةِ تلك لدواعيه.. للواقعِ المحسوس، ليصطدِمَ بالواقعِ الأسودِ الذي يعيشه العالـمُ أجمع، ليصطدِمَ بكلِ سوءاتِ هذا العالم، تهدمه، وشيئًا فشيئًا.. يسخط، يسخطُ، على كلِ شيء.

“الشعراءُ دائمو الولعِ بالطيف” بل حقيقة… الشعراء لا يملكون سوى الطيف، “فلو كانت الأحلامُ ما يبتغي الفتى فوالله ما الأحلامُ إلا غنائِم”.

أُقَدِرُ أنكم بدأتم القراءة تنتظرونَ خبر الغيابِ والفراق المر الذي استهليتُ به، وعلّي أعود، وعلَّكم تقدرون أني أكتبُ ما تمليه عليَّ نفسي لا ما يمليه القارئ، هكذا تستحلونَ ما أكتب – إن فعلتم! –

بعد جولات القلب وصولاته في سراديب الحياة الواقعية البائسة، يِحنُ لفسحِ سماءِ خياله، فيغازلها علها تبتسم، ويبدأها التحية.. علها ترد، لكنما تأبى، ربما لحالِ نفسه، ربما لفكر عقله، ربما لسوادِ حظه: تأبى! فتتقطعُ حبالُ وصله، ويعييه مر الفراق، وتحطُ السوداوية من عزمه، وتثقلُ الذكرى كاهله، وبدل أن تدفعه، تسقِطه.. فيُخذل، وإلى محاولاتٍ أُخرى كثيرة، تختطفهُ الحياةُ كلَّ مرة.

أَجَل أَيُّها الرَبعُ الَّذي خَفَّ آهِلُــــــه

لَقَد أَدرَكَت فيكَ النَوى ما تُحاوِلُه

وَقَفتُ وَأَحشائي مَنازِلُ لِلأَســــى

 بِهِ وَهوَ قَفرٌ قَد تَعَفَّت مَنازِلُـــــــــه

❃❃❃

أحسبُ أن معارفي كُثُر، وأصحابُ ودي ليسوا بقليل، لكنما “خُلقتُ ألوفًا لو رجعت إلى الصِّبا لفارقتُ شيبي موجعَ القلبِ باكيًّا” هذا أنا، لو أن عدوًا لي غادرَ عداوته لافتقدتها منه! وأنا كذلكَ أعرف الكثير من الأشخاص معرفة سطحية.. عشت مع بعضهم فترة من الزمن خالطته وخالطني، استعذبتُ نفسه، واستطابَ صحبتي، لربما فترة من الزمن، قبل أن تحول بيننا حوائل الدنيا، وتتراكم فوق كل منا الشواغل، شيئًا فشيئًا، نبتعد.. بعد فترة، عدنا غرباء، سنة الله.. لربما من الطبيعيِّ جدًّا أن النَّاسَ لا تبقى، والكلُ إلى زوالٍ لا بدَّ صائر؛ بعدَ مرورِ الزمنِ على كِلانا، شخصٌ ألتقيه، يقول عن ذلكَ “العابرِ” كذا وكذا، ويأخذ في الحديث عنه وعليه طرائقًا في الكلام.. تحاوِلُ اسكاته، فتأخذه ثورةُ “حريةِ الكلام” ويشتمُ “العابرَ” مرة أخرى، ولسان حاله يقول: أنتَ لا تعلم ما أحدثَ من بعدك!

أعرفُ عن نفسي أن الناس عندها في درجاتٍ ثلاثة، الأولون، هم الذين أحبهم حبًّا جمًّا، بعدهم ببونٍ بعيد.. طبقةُ العامة، للعابرين، وأبناء السبيل في حياتي، هؤلاء أحبهم، وأُقدِرُ وجودهم، وبعدُ ببونٍ الدركُ الأسفلِ من الناس عندي هم الذين أكِنُ لهم من الكره، ما أُكِن للأولينَ من الحُب..

يأتي رجل لفضح فلان الذي ما عرفته إلا بالخير، زاعمًا أنه “يفضفض” زاعمًا أنَّ فلانًا فيه ما فيه مما ذكر.. زاعمًا كذا وكذا، ليتكلم وحَسبْ، نافخًا صدره بكل غيضه على فلان.. رافعًا عقيرته بسبه وشتمه ولعن أمه وأبيه!

أنا ما شأني ليسّودَّ هذا الذي كان عابرًا عندي! لِم تشوهُ صورةً كانت ذاتَ يومٍ.. ناصعة الجبين! أنتَ إن فعلت: فعلتَ أمرين اثنين، الأول.. أني لم أعد لآمنكَ على ظهري.. الثاني، أنك زدتني حبًّا وعطفًا على المذموم، وخرجتَ أنت بصورة المجرم.. عندي على الأقل!

بين طياتِ الغياب: بوحٌ عابر

كثيرًا ما أحبُ تكذيب الواقع زاعمًا أن ما أراه كذبة كبيرة.. كمثال مؤسف، بسيط

“دمشق” همتُ بها، أحبها، وأحب أهلها، وعلى أن زياراتي إليها كانت زيارات صبي، إلا أنهُ متى ما كان الرجل من دمشق، يكون عندي بمنزلة! أحبها، ولأهلها عندي صورة حسنة غاية في الحسن، ولربما أطلقتُ على من أحبهم لقب “الشَّامي” ولو كان من المغرب! هذه قناعتي حول الشام..

بعض الأصدقاء يشاهدون أحيانًا “مقابلات الشارع” في دمشق.. أسمع دناءة الأسئلة، أسمع قذارة الأجوبة.. انظر للشارع، مَن هؤلاء! أهؤلاء أهل دمشق؟ أهؤلاء نساء دمشق، أين رجالها؟ أين كذا أين كذا.. فالآن، بكلِ بساطة، تقريبًا، ولولا بقايا الحب، لكنتُ أمقتُ الشارعَ الدمشقي.

-وربما ليسَ موضعًا حسنًا لأُبررَ للفسادِ المستشري في عمومِ الشام، لكنما الحربُ تفعل أكثر من ذلك-

لا تشوه صورةَ شخص أحبه.. ولو أنه فسد، ولو أنه فسق، ولو أنه فعل ما فعل، أنا إن التقيته أعلم منه عنه، أفعل بعدها ما يحلو لي في النظر في شأنه، أنت تسكت عن رأيي في شخص من الأشخاص، فعلَّ مجردَ ذكريات هذا معي، أثقلُ عندي من عشرةٍ مثلك! فاصمت.. هذا ما يتحتم على كل عاقل فعله.

لَقَد أَحسَنَ الدَمعُ المُحاماةَ بَعدَمـــــا

 أَساءَ الأَسى إِذ جاوَرَ القَلبَ داخِلُه

دَعا شَوقُهُ يا ناصِرَ الشَوقِ دَعـــــــوَةً

فَلَبّاهُ طَلُّ الدَمعِ يَجري وَوابِلُـــــــــــــــه

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. المقال فخم جدا من حيث المعاني والألفاظ ..جميل الأسلوب راقي العبارات.. إبداع وعمق في تقديم النصيحة والإصلاح…الحروف صيغت بدفء المحبة وتزينت بالنقاء وتطيبت بالحنين …. بارك الله فيك وسخر قلمك لما يحبه ويرضاه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى