أدب

مشاهداتي في عدن

نزلتُ مدينة عدن عازمًا السَّفر إلى مصر، فسحرتني هذه الحورية البحرية رغم ما علق بها من الأوساخ والأكدار. وقد أمضيتُ عشرة أيام فلزمني غرامها. عجزتْ صنعاء الغليظة عن لَفْتِ قلبي، وكيف أحبها وهي التي أماتتني دون تعلل بأدنى المسرَّات.

أمَّا عدن فإنني أدين لها بالحياة التي أحسها وثَّابة في كياني، ولطف أهلها ودماثة أخلاقهم، وتنوع مدنها، ومناظرها، وأطعمتها.. كل هذا جعلني مأخوذًا بها.

ثمَّة سحر خفي يسري تحت الأشياء.

وقد أجملت انطباعاتي في هذه الفِقَر:

· النُزُل

في عدن الفنادق نظيفة أنيقة، المبيت فيها باهظ الثَّمن. سألتُ رجلًا عجوزًا في كريتر عن فندق فأجاب بابتسامة تَعْجب من مجازفتي «الجزّارين.. هناك في الخلف». هي مُفزِعة ومُنْكَرَة بالنسبة لنا، عامَّة النَّاس.

نزلت فندقًا فور وصولي، ودفعتُ عشرين ألف ريال. لم أقتنع في البدء فطوفت على فنادق أخرى في منطقة الشَّيخ عثمان التي وصلت إليها مساءً من صنعاء، فكانت أقل مستوى، وبالسِّعر نفسه.. فعدتُ إلى فندق الرَّيان، الفندق الأول، بعد أن جبت شوارع صغيرة حاملًا متاعي أبحثُ عن زهادة. نال مني التَّعب فنمت.

في اليوم الثاني نزلت بنسيون عامًا؛ لوكندة ذات أسرَّة مصفوفة لعشرات النُزَلاء. إنها شبيهةُ عنبر أو ثكنة. لا حظوة للمجال الخاص. والمكوث فيها مكوثٌ مقلق طوال الوقت؛ قلقٌ على الأشياء، وقلقٌ على النَّفس.

اللوكندات: تبعث الرِّيَب. لكن لبثتُ خمس ليال لم أصادف رهبةً ولا اعتداءً. يا لعدن الطَّيّبة!، غيرَ أنَّ الروح مشرعة للضوضاء وللصخب الشوارعي وللناس الهمل من شباب وكهول وشيبة. تَتَلَّفْتُ وشارفت الهلاكَ النفسي.

في اليومِ الخامس زرتُ كريتر أبحثُ عن مكتبةٍ فعثرت على فندق شعبيٍّ نظيف، زهيد الثمن، فانتقلت إليه وأنا أشعر ببهجة غامرة. أطلعني المسؤول على غرفة ذات ثلاثة سُرُر، فرفضتها لِسعتها التي أرهبتني: لا جرم أنَّ الروح تَضِل داخل هذه الحجرة المفرطة السعة، ستعلْق بالسقف والجدران وتسيح على الأرض ولا يسعني تجميعها؛ حينها رفضت وآويت إلى غرفة تضمني بلا تبرّم.

· البحر

مُغوٍ هو البحر: رائحته، سعته، ضخامته، سطوته، رزانته، رأفته، عطاؤه. يجلو ناظري، ويمدد أناي.

لم ألتقِ البحر من قبل، وكنتُ أجد ريحه ولمَّا أراه. الحديث عن البحر يأخذ صيغة روحية شعرية، ولم أعزم على الحديث بأسلوب الأعماق. لذا سأدع البحر، وأرى الشَّاطئ: على طول السَّاحل (ساحل أبين)؛ أول ما يلفت الانتباه طينته السَّوداء التمرية، وكثرة الشباب من لاعبي كرة القدم. لم أشهد هذا الإقبال على الكرة في ذمار وصنعاء. وإنهم ليلعبون في كل باحة وساحة، صغارهم وشبابهم.

وتلفت الانتباه القِبابُ الصغيرة الممتدة على طول الشط لمتعاطي القات، ولفت انتباهي أيضًا وجود نساء قد أسفرن وجوههن، ويتعاطين القات إلى جوار الرجال. والأولاد، في بعض المشاهد، يلهون بين أيديهم، أو على السَّاحل يغدون ويروحون إلى تلك العرائش أو القُبب المطمئنة.

أمَّا النساء الفتيّات فإنهن يتحلقن حلقًا حلقًا على طينة الشاطئ، وبعضهن قد اصطحبن مُسَجّلة (إم بي ثري)، ويغنين بها مرجعات أصواتهن مع صوت أصالة أو شيرين. وإنهن جميعًا لا يتخلين عن عباءاتهن السود، وهن جميعًا يكشفن وجوهًا صبيحة.

لا فضول، ولا انتهاك.

نرى خيولًا للتصوير، وباعة، وفتيات يقدن عربات الشواطئ الصغيرة، تحت ضحكات مرفرفة.

في عدن2 مشاهداتي في عدن

*المكتبات

تفتقر عدن إلى المكتبات. وجدت، بعد بحث مستقصٍ، أربعًا في كريتر: مكتبة خالد بن الوليد، ومكتبة الجيل الجديد، فلم أجد فيهما ما يختلف عنهما في صنعاء: كتبًا للفلسفة والأدب الروائي بطبعات مصرية شعبية غير مأمونة، وكتبًا مصورة لروايات شهيرة كالجريمة والعقاب، وكتبًا في النَّحو واللغة والبلاغة والأدب العربي القديم. وكلها، تقريبًا، ذات طبعات رديئة أو تحقيقات رديئة. والثالثة مكتبة الحاج عُبادي وقد صارت قرطاسية وكتبها في الطب النِّفسي وفي القانون وأخرى علاها التراب في رفوف مظلمة، لم يكن فضولي براغب في تعرُّفها، وهي قليلة ومهملة.

والرابعة مكتبة دار الآثار السَّلفية، ولم أجد فيها كتابًا واحدًا في الأدب العربي. فيها كتب تعليمية تتعلق بالنحو والبلاغة، وفيها كتب كثيرة في العقيدة والحديث، وأقل منهما في الفقه. وجميعها كتب صقيلة لامعة مريحة للنظر مشوقة للقراءة من سيمائها.

ثمَّ عثرت على مكتبة الإمام الشَّافعي في الشَّيخ عثمان، وهي لا تختلف عن مكتبةِ الآثار.

وفي المنطقة نفسها دار ابن الجوزي، وهي أفضلهن طرًّا: تتوفر على العِقد الفريد، والكامل للمبرد، والمزهر للسيوطي، والفروق لأبي هلال العسكري، ومقامات الحريري طبعة دار المنهاج تصوير عن الطبعة الأميرية المصرية سنة 1300 هجرية، وهي طبعة رائعة وضافية بشرح المفردات على الطريقة القديمة. وقد اقتنيت المقامات وشرعتُ فيه وسأرجئ الحديث عنه لمناسبةٍ أخرى. وفي دار ابن الجوزي كتب أخرى في الأدب وفيها عدد من الدواوين لفحول الشُّعراء؛ أمثال النَّابغة والأعشى وابن أبي ربيعة وأبي فراس. وفيها، بطبيعة الحال، وفرة من كتب الحديث والعقيدة والفقه.

لم أجد مكتبة تجارية أخرى غير هاته. فزرت كلية الآداب ودخلت مكتبتها؛ فألفيتها نظيفة ومرتبة ومفهرسة جيدًا، إلا أنَّ الكتب الأدبية والفلسفية شحيحة للغاية. لم أعثر على رواية، باستثناء قصة لا أتذكر اسمها لألكسي تولستوي طبعة دار رادوغا!

لا أثر للجاحظ وابن قتيبة وبقية الجهابذة من الأدباء والشُّعراء، لكن هناك كتب لباحثين عرب أو يمنيين (لم أهتم) حول إشكاليات اللغة وحول الألسنيات. لم أجد نقَّادًا غربيين كرولان بارط ودريدا وإيكو. وفي الفلسفة، ثمَّة كتب قديمة رثة مطموسة العناوين لعلها محاورات أفلاطون، لكن لا نجد فلاسفة حداثيين ولا ما بعد حداثيين، أمثال فوكو.

تتوفر مكتبة كلية الآداب في عدن على إصدارات كثيرة لمركز دراسات الوحدة العربية. الجابري نعثر عليه بيسر. وحين سألتهم عن إصدارات المنظمة العربية للترجمة لم يعرفوا عنها شيئًا، ولم أجد لها كتابًا. ثمة حضور لكتب الجغرافيا وعلم الاجتماع الميداني والإحصائي. ولقد تعاملوا معي بلطف بالغ. غادرتهم شاكرًا.

يتحسر صاحب دار ابن الجوزي أنَّ عدن أصبحت شحيحة المكتبات، رغم أنَّ أهلها أهل علم، كما قال. وإني لم أرَ شخصًا واحدًا يقرأ كتابًا طوال عشرة أيام.

وقد التقيت أحد السفسطائيين على طريقة محمَّد شحرور في صرف المعنى الوضعي لمفردات العربية والتلاعب البياني بها، وإهمال الموروث الذي قعَّد القواعد بناء على فهم اصطلاحي خاص، فلم يرق لي طرحه، وإنه لذو خُلقٍ حسن.

في عدن3 مشاهداتي في عدن

· المساجد

حضور زاخر للمساجد في عدن، الدروس بين الصلاتين لا تكاد تنقطع. ومعظمها غاصة بالمصلين. وهذا ما لم ألحظه في صنعاء وذمار.

استمعت إلى دروس في الفقه والحديث وفي النَّحو، ولقد سمعت أيضًا بعض الدروس في الآداب والنعم العامَّة وكان الشيخ يستحضر نماذج كثيرة من آثار السَّلف.

قصيرةٌ هي المآذن ومضلعة، بعكس تطاول مآذن صنعاء ومخروطيتها. إلا أنَّ نوافذ المساجد هنا ذات نمطٍ ديني، أعني ارتفاع النَّافذة ذي الطِّراز القُوطي.

· الشَّارع

قذرةٌ هي شوارع عدن الصَّغيرة: شوارع الأسواق. طوال عشرة أيام لم أجد برميل نفاية واحد، باستثناء ما يضعه بعض التجار أمام محلاتهم وهم نُدْرة. لم ألحظ عمّال النظافة كثيرًا. صنعاء أشدُّ نظافة.

بَيْدَ أنَّ الشَّوارع الرئيسية رائعة: منظمة، مشجرة، لامعة، نظيفة. تحل الغبطة، رغمًا، كلما عبرت أحد هذه الخطوط وهي كثيرة. يقولون إنها هندسة بريطانيا. شارع المُعلا جذبني وأدهشني بطراز مبانيه الفكتورية الجديدة على ناظري ومخيلتي. قالوا ما زالت كما تركها الإنجليز.

زرتُ المُعلّا لأن صديقًا كريمًا حفزني لزيارتها، قال “إنها أجمل منطقة في عدن ولي فيها ذكريات صِبا، زرها يا زبن زرها، وإن لم ترُق لك فاعذر تفضيلي الجمالي فلعلّه قائم على ترددي إليها صبيًّا”. وقد استجبتُ ولم أخب. وما أخرني عن زيارتها إلا خشيتي من التشديدات الأمنية؛ فهي قريبة «التواهي» وهناك مجلس قيادة الجنوب كما يُسمّى، وأنا من الشمال! الأمر الذي يعرضني للتساؤل والحجز.

إن المُعلّا لا تشدد أمنيًّا فيها لذا دخلتها، وكنتُ أجوب الشَّارع مصورًا يمنةً ويسرة، ولم أدرِ إلا بالعسكر وقد اجتذبوني وأخذوني إلى مبنى حكومي مجاور. فزعتُ وكتمت وأظهرت سذاجة ريفية ألَانتْ قناتهم، وقد ساءلني الضابط كثيرًا وفتّش هاتفي، فلم يجد ما يبرر شكوكهم، وانتهينا بالضَّحك. فغادرت مبنى المحافظة واعتذاراتهم تشيعني، وأنا أشكرهم وأعجب لتجنّبي منطقة التواهي كي لا أقع، فوقعت في المُعلّا!

سائقو الفرزة قنوعون ودودون . راكب واحد يكفي. في صنعاء، لا يتحرك الباص إلا ممتلئًا وسائقه شجع ملحاح. وهذه الفئة من أهل عدن ذات ذوق محبب في السماع؛ فلا أثر لفناني صالات صنعاء المنتفخة أشداقهم بالقات الفقراء إلى الصوت والكلمة والمهارة الفنية. هنا نسمع أساطين الفن العربي. وإنهم لأنيقون في تعاملهم ولا يتعاطون القات بالكثرة نفسها. الشَّارع العدني يكاد يخلو من القات. لعله غلاء الموسم. لا أعرف. لكن رأيت كثيرًا من الشباب يتعاطون التنباك، وسمعت واعظًا يحذّر من انتشار المخدرات والأفيون ومن الجرائم الناجمة عنها. ومن يمشي غافلًا يزجرونه “هيه شارب شيْ.. مَحَبّبْ”. وهذه ليست شائعة في صنعاء.

والنساء يركبن في المقعد الأول من الباص الصَّغير ويحرصن على ذلك، والرجال في الخلف. صنعاء ترد الظاهرة إلى طبيعتها الأولى فتجعل المرأة في الخلف.. ذلك أيسر لهن.

في عدن4 مشاهداتي في عدن

· المعالم- الأطعمة

قلعة صيرة: شاهقة، مهيمنة، تغري بالتَّعالي وتعزِّز الكبرياء. النزر منها إلى المدينة والبحر تكاد تكون نظرة نسرية متغطرسة. لنحذر الغرور. هذا البناء الحجري المحكم يُدهش من الخارج أكثر منه من الداخل، فهي خواء ولا أثر فيها غير الجدران العارية. لا أثاث، لا نقش، لا أبواب. لا أعرف ما حالها قديمًا.

وكذلك الكنيسة ذات الطراز الفكتوري: منيفة، مغلقة، بلا تاريخ ولا دليل، والمرفق الصحي التابع لها يطابق مرافق كليلة الآداب بصنعاء؛ أي أنها قذرة.

لم أتمكن من زيارة الصهاريج، ولم أعرف معالم أثرية أخرى باستثناء بعض المساجد التي يبدو عليها القدم. لم أكن أسأل كثيرًا، وقد كنت أجوب المدينة وحدي، وغالبًا يستحوذ عليّ الخجل من الاستفسار والسؤال.

أنا القادم من الريف، ومن صنعاء وهي أكثر من الريف قليلًا، لم أعتد على تعدد المطعومات، وقد فاجأتني عدن بوفرة مائدتها. في اليوم الأول دُهشت لرؤيتي رؤوسًا ناضجة معلقة عند مطعم شعبي، سألت عنها فقال الرجل العجوز: هذه رؤوس كباش وتيوس والسعر مناسب وعليّ الاختيار. أكلت رأسين وقد خبت لأني توقعت لحمًا غريضًا. هناك لحم آخر.

شهدت أنواعًا عجيبة من الأسماك، بالنسبة لي أنا ابن الجبل: الشروخ والشص وأبو مقص والجمبري… هذه كانت تظهر لي زواحف ممتعًا رؤيتها وسط الحشد. لكني سأفزع بالتأكيد لو عثرت عليها في فراشي.

ورأيتُ الاختلافات البسيطة لأنواع الحوت التي ألفنا رؤيتها؛ كالعربي والمرجان وأبو عين والديرك، ويزعمون أنَّ لديهم سَلْمون. لم أذقْ جميعها. تناولت الدجاج والأرز المضغوط والدجاج الفحم والأرز البرياني، لم أطعم مثله قبل. قيل إنَّ البهارات الطرية الكثيرة المختلفة هي ما تُجوّد الطعام. والوجبات السَّريعة، وهي متعددة، يكثرون لها من السوائل، فأعجب كيف يُحكمون الأكل! وقد جربتها فافتضحت وخجلت ولم أعد.  والفواكه هنا كبيرة وطيبة وغزيرٌ ماؤها.

في كل شارع صغير نجد الشَّاي بالحليب ذا مذاق يحفز الذهن ويبعث انسجامًا. لكن هذه “المقاهي” لم تستهوِني كثيرًا؛ لأنها خليطة بالمطاعم أو بمقصف عصائر، باستثناء (مقهى سكران) وهو لا يحظى بأيِّ سحر وفقًا لانطباعاتي. إنني أسجّل ما رأيت.

في عدن6 مشاهداتي في عدن

· المنتجعات

عدن معسّلية عُظمى. أجد ريح المعسّل في كل شيء: في البحر معسل، في المنتجعات معسل، في الشارع معسل، في البيوت معسل، في الفنادق معسل، في المتنزهات معسل، في المصارف، في الحافلات، في مكاتب السفريات، معسل معسل معسل، رائحة الحلوى معسل، العطور معسل، رائحة البشر معسل، الفواكه معسل، الطعام معسل… لقد سكنت رائحة المعسليات أنفي ولم تبرحني. الهواء تعسّل.

المعسلة تثير الغثيان.

وعدن رائعة الجو هذه الأيام، والسحب لا تفارقها وإن لم تمطر، والهواء عليل. الغربان قد حُشرت هنا، تحوم فوق المدينة والبحر وتحط على الشرفات والنفايات.. ولا تكف عن النعيق.

· الودودية

نحن -أبناء الجبال- نتميز بالجلافة والغلظة وخشونة الطباع في الغالب، لكن أبناء عدن طيبون، كما لو أنهم جُبلوا على اللطفِ والوداد.

يتحدثون بلطف، ويرشدون الضَّال بحرص ومحبة: أسأل عن مكانٍ ما، فينهض اثنان أو ثلاثة ليدلوني الطريق. يعرفون لهجتي فيرحبون بي كثيرًا، وصادفت من يشكو لي ظلمنا لهم منذ الوحدة، وفي معرِض إبراز ما قمنا به من طمس للحياة في عدن يؤكد أننا إخوة، وإنما السياسة هي الملعونة.

كم هم رفقاء، ونصحاء!

أقبل على البائع فلا ألمح الجشع. وإنه ليرشد ويحيل إلى الأنسب والأصلح وَفْق رؤيته. بائع السمك يحذرني من شراء أكثر مما أقدر على أكله، ويدلي بنصائح هضمية. لا يهمهم تنفيق البضاعة على حساب الضرر وإن لم يحدث. النصيحة، هنا، بضاعة.

وفي المعاملات الحكومية تزدهر الرشاوى، والعامة تندد بهذا الخلق السيء تنديدًا. وهم أناس بلا فضول، وهذه خصلة ثمينة. لم يسألني أحد من أنت؟ ولماذا أتيت؟ رغم مكوثي في الخارج إلى ما بعد منتصف الليل.

وهم يعانون كثيرًا، كسائر اليمن، يعانون أيضًا ضعف تغطية الهاتف وتغطية الانترنت. لكن يظهر لي أنَّ هذا مكسب اجتماعي؛ فالجولات مليئة بالنَّاس ليلًا يلعبونَ الضمنة. لم يفْردْهم النت ولم يعزلهم. ضعف الإنترنت يحفظُ الأواصر.

أطفالٌ حمقى هم العساكر، أصحاب رعونة. رأيت واحدًا منهم، وهو شاب نحيف أسمر له سيماء الخرق، يهاجم الباص، لأنه ارتكب مخالفة تافهة، وأخذ في زعزعة وانتزاع لوحة الجمرك ببندقيته!

وداهمت سيارة المرور برجالها سائقًا مغلوبًا وجهه يجسد المعاناة والانخذال، لمخالفة تافهة أيضًا، فتقافزوا منها شاهرين سلاحهم، محيطين بالباص الصغير، محيطين بالدّبْدُبي اللطيف! نسور على حمامة. إنهم أطفال استخفهم حملُ السلاح. تراهم مبتسمين عُجبًا بأنفسهم، وهم يحملون البندقية في وضع متأهب!

والأهالي يضيقون ذرعًا بهم.

 إنَّ عدن ساحرة آخذة.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. مقال جميل وقلم رزين مكتوبٌ بحكمهٍ
    وانا ابن عدن وكتبت عنها بشكل جميل صورتها بأفضل صوره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى