أدب
أخر الأخبار

24 ساعة في مطار فرانكفورت العالمي

 

من أدب الرحلات:

 24 ساعة في مطار فرانكفورت العالمي

     يتذكرها/ عبدالسلام علي البعداني

     القاهرة صيف1989:  

في الصباح الباكر غادرت (جراند هوتيل) الفندق العتيق في قلب مدينة (القاهرة).. كان موظف استعلامات الفندق قد أخبرني في الليلة السابقة أنه بإمكاني الحصول – في أي ساعة أشاء- على سيارة أجرة من أمام الفندق لتقلني إلى مطار القاهرة. كانت الشوارع شبه خالية من البشر في تلك الساعة المبكرة نوعا ما بالنسبة لمدينة تسهر حتى الفجر، وتبدأ نشاطات كثيرين من سكانها قبيل الظهر، وفي أثناء الطريق إلى المطار طارت حقيبتي (بسبب عدم إحكام ربطها) من على السقف الحديدي للسيارة المسرعة جدا؛ فتوقفنا وعدنا لأخذ الحقيبة الطائرة من الطريق والسائق في غاية الإحراج ويتمنى لو تنشق الأرض فتبتلعه؛ لكنني هونت الأمر عليه فلم يكن فيها ما يستحق الخوف عليه من الكسر، وفوجئت به بعد وصولنا المطار يعتذر عن أخذ الأجرة وهو يردد العبارة المصرية الشهيرة: (ما تخلي يا بيه!) فألححت عليه بإصرار أن يأخذها فتناولها مني وهو ما يزال يكرر العبارة: (ما تخلي؟)، وكنت ظننت لحظتها أن الرجل محرج مما حدث للحقيبة وأراد تعويض تقصيره في المحافظة عليها! ولم أكن يومها قد فهمت هذه المجاملة المصرية الشهيرة في مثل هذه الحالات، وفي زيارة للقاهرة بعد سنوات طويلة سمعتها من أحد الباعة في شارع 26 يوليو فأحببت المزاح معه فقلت له: ( خلاص شكرا )وتظاهرت بالانصراف.. لكنه سرعان ما تراجع وأخذ النقود، وعندما سألته عما سيفعل لو كنت تركته ومشيت صارحني أنه لم يكن ليدعني أفعل ذلك بأي حال!

وفي بوابة مبنى المطار المخصص لشركات الطيران الأجنبية؛ وقفت في طابور من المسافرين؛ أغلبهم من الأوروبيين؛ بانتظار التفتيش اليدوي استعدادا لإنهاء ترتيبات السفر إلى مطار (فرانكفورت) الألماني المحطة قبل الأخيرة في طريث طويل من القرية إلى صنعاء فالقاهرة وينتهي ببلاد الاغتراب في أمريكا، وهنا لاحظت نوعا ما من التباطؤ في إدخال المسافرين.. لكن أبرز قضية كانت تشغل رجال الأمن المصريين هي السؤال عن كميات الدولار التي يحملها المسافرون؛ لكن ليس كل المسافرين.. فقط الشرقيون منهم أما الأجانب فقد كانوا يدخلون بسهولة! ويبدو أن أحدهم لمح سحنتي الشرقية؛ فقد اعترضني بعد اجتيازي البوابة رجل أمن مصري بلباس مدني بحركة استعراضية مفاجئة، وبلهجة حادة تعمد الإرباك فيها سألني عما أملكه من الدولارات:

        – معاك دولارات؟

 كانت هذه القضية قد شغلتني في أيامي الأخيرة في القاهرة؛ بعد أن عرفت أن ما معي من دولارات معرض للمصادرة في المطار بسبب عدم تسجيلي لها عند دخولي مصر! لم يكن أمامي من حل إلا الاستعانة بالله، ثم قمت بتوزيع ما لدي من الدولارات (300 دولار) في جيوب ملابسي، وبعضها دسسته في الشنطة.. ولذلك لم تربكني مفاجأة الشرطي المصري عندما سألني؛ إذ أجبته بثقة:

        – طبعا معي دولارات!

      فلم يكن من الحكمة إنكار وجود دولارات مع مسافر إلى أوربا!

 وعندما استفسر عن كميتها أخبرته بهدوء عن جزء منها مما وضعته في متناول اليد.. لحدسي بأنهم يبحثون فقط عن الأشخاص الذين يحملون كميات ضخمة!

أنهيت الإجراءات الروتينية في مكتب الجوازات، وفي قاعة المغادرة الأخيرة؛ كان المسافرون على طائرة الخطوط الألمانية (اللوفتهانزا) قد بدأوا يتجمعون.. بينما كان أحد أعضاء طاقم الطائرة يقف وسط القاعة وهو ينظر باستمرار إلى ساعة اليد التي يحملها، وقد بان على وجهه ضيق ظاهر بسبب التأخير الواضح في تجهيز المسافرين! واتخذت لنفسي مقعدا بين المسافرين، وعرفت من ملامح بعضهم أنهم من رجال الأمن الألمان السريين إذ كانوا يجلسون على المقاعد وكأنهم مسافرون لكن الإرهاق البادي على وجوههم، وأجسامهم العريضة الخشنة، والنظارات السوداء الكبيرة التي يلبسونها كانت تدل بسهولة على مهامهم الحقيقية!

عندما أقلعت طائرة (اللوفتهانزا) الألمانية كان الزمن متأخرا خمس عشرة دقيقة عن الموعد المقرر! ولا شك أن مثل هذا التأخير (البسيط) كان مزعجا للألمان المشهورين بالانضباط.. بينما اعتبرته جزءا من ملامح العالم الثالث (وكلنا في الهم شرق!).

وفي الطائرة (الإيرباص) اتخذت مقعدا بجانب مسافر سوداني اسمه (مصطفى)، كان متجها إلى أمريكا أيضا لزيارة شقيق له يعيش هناك.

كانت الضيافة رفيعة المستوى في الطائرة الألمانية محل اتفاق في الرأي بيني وجاري السوداني.. ولذلك لم يتردد (مصطفى) بلهجة حازمة في الإعلان عن عزمه على تغيير الطائرة التي سوف يستقلها من (فرانكفورت) إلى (أمريكا) وركوب طائرة (اللوفتهانزا).. وبالنسبة لي لم يكن ذلك متاحا لي؛ فالتذكرة المخفضة يصعب تغييرها!

أثناء الرحلة فوق البحر الأبيض المتوسط كانت السحب البيضاء العملاقة تملأ الفراغ تحتنا تأكيدا لما قرأنا أنها سبب في تسمية البحر باسمه، وعرض فيلم من أفلام الجريمة اعتبرتها بداية غير موفقة ونحن نسافر إلى بلاد تكثر فيها الجرائم وتتعدد فيها عصابات المافيا.. فملت على جاري قائلا: [هكذا من أولها؟].. ولأن العرض لم يكن مترجما فقد انصرفت إلى تأمل الفضاء خارج الطائرة.

بعد عدة ساعات من السفر هبطت طائرة (الإيرباص) في مطار صغير – نسبيا- لكنه مغروس وسط غابة من الأشجار الخضراء والطبيعة الخلابة.. ظنناه في البداية مطار (فرانكفورت) واستغربنا عدم دعوتنا لمغادرة الطائرة، فنهضت من مقعدي واقتربت من الباب الخلفي للطائرة الذي كان مفتوحا لأشاهد المنظر الجميل خارج الطائرة.. سألت مضيفة كانت تقف بجوار الباب عن اسم المكان فردت بأدب ظاهر بالإنجليزية:

– هذه هي ميونيخ!

18 24 ساعة في مطار فرانكفورت العالمي

غمرني ارتياح عميق لجمال الطبيعة في ميونيخ.. بينما كانت زخات مطر خفيفة تتساقط بوداعة خارج الطائرة وتصيبنا ببعض رذاذها البارد، وتنسينا الحر الشديد الذي عشناه في القاهرة؛ فاستعدت نشاطي بعد سفر طويل ممل! وعندما عدت إلى مقعدي كان جاري (مصطفى) يمسح وجهه بفوطة مبللة بماء ساخن لإعادة الانتعاش إلى جسمه.. فاتني أن أصنع مثله لسبب بسيط وهو أن كنت أجهل الفائدة من ذلك، ولذلك لم آخذ لنفسي (فوطة) عندما وزعت علينا، واكتفيت بطلب علبة مشروبات غازية.

بعد حوالي 3 ساعات ونصف الساعة منذ خروجنا من مصر وصلنا إلى مطار (فرانكفورت) العالمي.. ورغم أن بعض المغتربين السابقين لي حدثني عن اتساعه وفخامته؛ لكنني لم أكن أتخيل – حقيقة- أن يكون بهذه الضخامة والإبداع والإتقان! بل لا مقارنة بينه وبين مطار (ميونيخ) أو حتى مطاري (القاهرة) و(جدة) السعودي! فمطار (فرانكفورت) يعد أحد أكبر مطارات العالم بأجمعه.. وهو يكاد يتوسط خطوط الطيران الأوربي، ولذلك فهو محطة ترانزيت مهمة، وملتقى الخطوط العالمية.

لم تستغرق إجراءات دخول المطار أكثر من دقائق؛ وبعد أن سلمني ضابط الجوازات جواز سفري تبعت ركاب الطائرة إلى مكان استلام الحقائب.. ووضعت حقائبي فوق عربة مخصصة لذلك، وبدأت أسير على غير هدف محدد.. لا أدري كيف أتصرف! وفي حياتي لم أشعر بالغربة مثلما أحسست بها في تلك اللحظات(!) فقد كانت المرة الأولى التي أجد نفسي فيها وحيدا في مكان كهذا.. وفي أحد المصارف قمت بتغيير عدد من (الدولارات) إلى ما يقابلها من ماركات ألمانية لاستخدامها عند الضرورة، وبدأت أبحث عن مكان مناسب أستقر فيه حتى يحين موعد السفر.. ولسذاجتي ظننت أنني سأجد – بسهولة!-  من يساعدني على ذلك! وبدا شعور بالارتباك ينتابني عندما استوقفت شابا ظننته من ملامحه أنه يمني واتضح أنه عماني سرعان ما تركني ومضى لحاله(!) ثم استوقفت شخصا آخر ظننته عربيا فحدثته بالعربية فظهر أنه هندي.. وكنت كلما أكتشف خطأ توقعاتي يزداد ارتباكي.. وبدأت أجد صعوبة في التنقل بين كتل المسافرين وأنا أدفع أمامي عربة الحقائب التي كنت أستخدمها لأول مرة(!)

 بدأت السير على غير هدى فوجدت سلما متحركا والناس ينزلون فيه فتبعتهم، وبدأت في الهبوط مستخدما السلم المتحرك للمرة الأولى في حياتي، وكاد توازني يختل عندما أخطأت في وضع العربة على الدرجة المناسبة في السلم المتحرك.. ثم تكرر ذلك مرة ثانية عندما أردت الخروج من مجال السلم المتحرك فسيطر عليّ ارتباك كبير وشعور بالحرج كأي ريفي يزور مكانا فخما لأول مرة في حياته، وبدأت أحس بالإرهاق والضيق من السير على غير هدى في هذه الصحراء الجميلة المزدحمة بالبشر والمعارض والمكاتب؛ ولا سيما بعد أن اكتشفت أن الدور الثاني الذي نزلت إليه يؤدي بدوره – أيضا- إلى شوارع مسفلتة مثلما كان عليه الحال في الطابق الأعلى(!) ثم تكرر المشهد نفسه عندما لمحت طابقا سفليا آخر فهبطت إلى الطابق الأسفل بحثا عما أظنه المخرج الحقيقي للمطار، وحينذاك اكتشفت – كما تهيأ لي- أن المطار مكون من ثلاثة طوابق متشابهة في كل شيء، وهي على هيئة دوائر يعلو بعضها بعضا.. وينفتح كل طابق منها على المنطقة المحيطة به عبر بوابات آلية تؤدي إلى شوارع واسعة.. وهو الأمر الذي أربكني وجعلني أخشى الاقتراب منه فأخطئ الطريق وأضل في هذه المدينة الغريبة!

  فكرت في استئجار غرفة في فندق المطار فوجدت أسعارها غالية جدا فقررت البقاء في المطار حتى موعد السفر في اليوم التالي، وكنت مهيأ نفسيا لهذا المآل من قبل، وقمت بجولة طويلة في أرجاء المطار لمدة ساعة ونصف؛ حتى وصلت إلى المكان الذي تستأجره شركة (بانام) الأمريكية حيث سنكمل في اليوم التالي إجراءات السفر إلى (واشنطن).. اتخذت مكانا قريبا للجلوس حيث شاهدت مجموعة من الرجال سمر الوجوه يبدو عليهم أنهم (عرب)؛ لكنني تحرجت من سؤالهم خشية تكرار ما حدث لي من إحراج عندما كنت أستوقف أناسا وأحدثهم بالعربية قبل أن أكتشف خطأ تصوري!

جلست بالقرب من أولئك الرجال، وقد نال مني التعب أكثر فأكثر(!) وبعد دقائق سمعت أحدهم يحادث زميله باللهجة المصرية اللذيذة.. كانت فرحتي لا توصف(!) بعد أن انهزمت نفسيا في أول امتحان للغربة(!).. تعرفت عليهم بسرعة، وسهّلت طبائعهم المصرية السمحة مهمة التعارف بيننا فكانوا فرجا كبيرا لي!

كانوا ثمانية عسكريين مصريين من ضباط القوات المسلحة.. انتهوا – كما استنتجت- من قضاء إجازة في أوربا، ويستعدون للعودة إلى (مصر).. أكبرهم برتبة (عميد) أسمر نحيف على غير عادة المصريين، وهو أكثرهم حديثا وحركة.. بينما كان الشخص الذي بدأت معه التعارف أكثرهم ودا ولطفا ممتلىء الجسم كأي مصري في سنه.. أما البقية فقد كانوا أصغر سنا – ورتبا بلا شك كما بدا من علاقتهم مع بعضهم بعضا- وكانت تبدو عليهم ملامح الجدية والقوة الجسمانية، ومعظمهم كان متدينا فعندما رأوني اتخذ مكانا منزويا للصلاة سارع بعضهم للصلاة معي!

كان الجلوس مع الأشقاء المصريين فرصة لي لأستعيد توازني.. وأكثر من ذلك استعدت ثقتي بنفسي، فقد وجدت أناسا أفهمهم ويفهمونني، وبادلوني الود والاهتمام على الطريقة العربية، وعندما علموا جهة سفري أطلق العميد صفير إعجاب: أمريييكا! كانت عقدة الإعجاب أو الافتتان الشرقي بأمريكا واضحة في صفيره التلقائي وتعبيرات وجهه الواضحة! وزال عني التوتر مع امتداد حبال الحديث بيني ومجموعة الضباط المصريين.. وانهالت عليّ أسئلتهم واستفساراتهم حول أخبار (مصر) التي يبدو أنهم انقطعوا عن أخبارها تماما (لم تكن الثورة الإعلامية قد بدأت بعد)؛ بعد أن عرفوا أني قدمت منها بعد قضاء 10 أيام فيها! وكانت أبرز الأخبار التي قلتها لهم – بعد استبعاد ذات الطابع السياسي- متصلة بما حدث أثناء امتحانات الثانوية العامة في مصر.. والضجة الإعلامية التي صاحبت صعوبة أسئلة بعض المواد مثل اللغة الفرنسية؛ حيث طلب من الطلاب الممتحنين أن يكتبوا موضوعا تعبيريا بالفرنسية يتخيل الطالب نفسه فيه أنه حصان يجر عربة حنطور.. وقد رأيت الاستهجان على وجوههم من غرابة السؤال، وعلق أحدهم قائلا:

 – إيه الخيبة دي؟

وطالت الجلسة اليمنية- المصرية المشتركة بسبب تأخر الطائرة المصرية المفترض قدومها من (روما) إلى (فرانكفورت).. وكانت فرصة للأشقاء المصريين للتنكيت على حالهم؛ فعندما أبدى بعضهم تذمرهم من التأخير؛ قال أحدهم بقرف ظاهر:

– أنتم السبب! مش أنتم اللي عايزين تركبوا (القطر)!

كانت إشارة ساخرة إلى (القطار) المصري المشهور ببطئه وتخلفه عن المواعيد!

انضم إلينا مصري آخر؛ يتجاوز عمره الستين؛ سمع حديثنا مرتفع النبرات بالعربية فجاء وجلس بيننا.. كان هو – أيضا- ينتظر الطائرة المصرية للعودة إلى (القاهرة) بعد إجازة قضاها عند شقيقه المغترب في ألمانيا منذ عشرين عاما والمتزوج من امرأة ألمانية، وأضاف القادم الجديد حيوية إلى جلستنا.. بعد أن تحولت إلى جلسة أنس من الطراز العربي..

وحدثنا القادم الأخير عن إسلام زوجة أخيه الألمانية بعد عشرين عاما من الحياة مع زوجها المسلم، وقراءة طويلة في الإسلام وأساسياته، معلقا أن هؤلاء القوم لا يتخذون قرارات مهمة مثل هذه إلا بعد تفكير طويل ودراسة عميقة.

بعد حوالي سبع ساعات؛ أعلن الميكرفون الداخلي للمطار عن قرب وصول الطائرة المصرية.. أبدى بعضهم تشككه من صيغة الإعلان وهل يعني الوصول أم شيئا آخر! لكن الرجل العجوز كان على دراية باللغة الألمانية، فأكد وصولها وفسر الإعلان قائلا:

  – (نخ) بالألمانية معناها (نحو)!

     وللحال ردّ عليه العميد المصري بتلقائية أبناء النيل وهو يلاعب أصابع كفيه متحسرا أو متشككا:

  – يا خوفي لتكون (نخ) معناها.. متأخرة!

     انفجرت موجة من الضحك العنيف كانت تعبيرا عن سعادة المصريين بقرب الرحيل بعد ملل الانتظار وتعبه، وبدأت أشعر بالأسى بسبب قرب افتراقنا.. كلهم كانوا سيسافرون وسأبقى وحدي حوالي (18) ساعة أخرى حتى يحين موعد سفري إلى بلاد الاغتراب التي لا أعرف عنها شيئا!

بعدما رحل المصريون؛ قمت بوضع حقيبتي الكبيرة في محل للأمانات، وأبقيت شنطة صغيرة فيها بعض الأدوات الخفيفة.. تناولت طعام العشاء في أحد المطاعم القريبة المنتشرة في المطار.. ثم اتخذت لنفسي مقعدا أتأمل من عليه أحوال الناس المارين أو المنتظرين مثلي.. وما أكثرهم!

كان أول ما لفت نظري أشكال (الكلاب) الغريبة العجيبة(!) وهو أمر سوف يتكرر – كثيرا- في أمريكا وبريطانيا.. ولست أعلم – حقيقة- سر غرابة أشكال الكلاب وهل هي ناتجة عن طبيعة البيئة أم أنها نتيجة جهود علمية في التهجين واقتناء السلالات الغريبة(!) وقد رأيت كلبا غريب الشكل وكأنه مأسورة طويلة وقوائمه قصيرة جدا!

     وعندما أظلم الليل – حوالي العاشرة مساءً-خفت حركة الناس، وبدأت لسعات قارصة من برد الشمال تؤذيني، ومنعت عني النوم عندما حاولت النوم مستلقيا على مقعد طويل؛ كنت ألبس ثيابا صيفية بعد أن قرأت في صحف القاهرة – قبل سفري- أخبارا عن موجة حر شديدة تجتاح أوربا.. لكن الأمر لم يكن – كما ظهر- يشمل ألمانيا التي تقع شمال أوربا.. أو أنها إحدى مقالب تنبؤات الإرصاد الجوية.. المهم أنني دفعت الثمن من راحتي، فنمت نوما قلقا متقطعا قبل أن أفاجأ بطلوع النهار بشكل سريع: الساعة الثالثة فجرا.. فالليل في تلك المناطق يكون قصيرا في الصيف!

    في النهار؛ عادت الحركة في المطار إلى حيويتها، وبدأ عدد المسافرين إلى أمريكا يتزايد بجوار مكتب (البانام).. وقرب الظهيرة بدأت الحركة تدب في المكتب نفسه! كنت قد تناولت وجبتي الإفطار والغداء في المطار؛ كما تجولت في بعض أجنحة المطار الذي كان يضم أنواعا من النشاطات مثل معارض السيارات والحوانيت والمطاعم وكلها في غاية الفخامة.. وقد لفت نظري وجود مجموعة من الإيرانيين – الفارين من بلدهم والممنوعين من دخول ألمانيا- وقد اتخذوا لأنفسهم شرفة مرتفعة في المطار يعيشون فيه وكأنهم في منازلهم كما يبدو من ثيابهم التي غسلوها ونشروها حيث يقيمون!

كان من ضمن الذين جلسوا بالقرب منا بانتظار بدء إجراءات السفر؛ شاب أمريكي في العشرينات من عمره، فهمت أنه جندي من حقيبة الجيش التي كانت معه، كان قصير القامة على غير الطبيعة الجسمانية للغربيين، مفتول العضلات بشكل بارز لا يتناسب مع طوله.. ورغم ذلك كان يمثل سلبية العلاقات الاجتماعية في الغرب بشكل مزعج.. فقد حدث أن كانت تجلس بالقرب منه فتاة أمريكية في العشرينيات كانت تقرأ في كتاب.. وقد تعرضت الفتاة لمغازلة سمجة من عدد من السكارى – عرفت أنهم أتراك للأسف الشديد-، بل لقد زادت المغازلة عن حدها حتى وصلت إلى حد التحرش، وحتى اضطرت الفتاة للتنقل إلى أكثر من مقعد هربا من السكارى، قبل أن ييأس هؤلاء منها وينصرفون..

وفي كل تلك اللحظات ظل الجندي الأمريكي يراقب الموقف ببرود شديد مع أنه كان يستطيع أن يضربهم بسهولة؛ بل كان يكفي أن يقف أمامهم ويريهم عضلاته المنتفخة ليدفعهم للهروب.. لكن يبدو أن ذلك لا يحدث إلا في الافلام الأمريكية فقط!

مع اقتراب موعد السفر؛ ازدحمت المنطقة المحيطة بمكتب (البانام)، وظهر رجال أمن يفتشون المسافرين والحقائب بدقة؛ فقد كانت حادثة (لوكيربي) ما تزال ساخنة في تلك الأيام.. ولاحظت أن عملية استكمال إجراءات السفر والتفتيش كانت تتم على نمطين: حيث كان الأمريكيون يقفون في صف لوحدهم ويحظون بطريقة تفتيش سهلة.. بينما وقفت مع غير الأمريكيين في طابور لوحدنا وتم تفتيش حقائبنا بدقة ظاهرة(!) لكن العملية كانت تسير بسلاسة واضحة، وفي نفسي كنت سعيدا بتلك الدقة!

انتقلنا إلى القاعات الداخلية في المطار؛ حيث تجمع المسافرون إلى (واشنطن) في قاعة ضخمة بانتظار الموعد الجديد المعلن على الشاشة للطائرة الأمريكية المتأخر عن الموعد الأصلي ساعتين ونصف بالتمام والكمال! كان معظم المسافرين عائدين من إجازاتهم الصيفية، وقد جاءوا منذ الصباح لاضطرارهم لإخلاء فنادقهم قبل منتصف النهار.. ليتجنبوا دفع أجور يوم آخر، وقد أرهقهم الانتظار وتأخير السفر، وتعلقت عيونهم بلوحة مواعيد السفر الإلكترونية التي كانت تظهر حركة الطائرات المغادرة بانتظار وصول اسم طائرتهم إلى المربع الأخير التي تعني قرب السفر.. وبانتظار ذلك كانت القاعة الضخمة قد تحولت إلى ساحة مولد على الطريقة الأمريكية؛

ففي إحدى الزوايا كان عدد من الموسيقيين يعزفون ألحانا شعبية خفيفة جذبت اهتمام المسافرين، وغالبا فإنها كانت تعزف ألحانا شعبية تثير أشجانهم للوطن..  وكانت مفارقة فكلهم سيعودون إلى وطنهم وأنا مهاجر من وطني لوطن لا يعلمه إلا الله!

وأخيرا أعلنت لوحة الإعلانات الإلكترونية عن اقتراب موعد إقلاع الطائرة الأمريكية؛ فضج الأمريكان بالتصفيق والصفير.. كان واضحا أنهم قضوا ساعات مملة بانتظار السفر.. ولم يدروا أن هناك واحدا بينهم قضى أكثر من 24 ساعة في المطار على كرسي حديدي!

بدأنا في الدخول إلى طائرة الجامبو (747) العملاقة.. وهي المرة الأولى التي أسافر فيها على هذا النوع الضخم من الطائرات رغم أنني سمعت عنها كثيرا لكن لم أتخيل أن تكون بهذا الحجم.. كان جوف الطائرة عريضا طويلا وغير ممتليء بالمسافرين.. فاتخذت مقعدا بجانب إحدى النوافذ، وجلس بجانبي أمريكي متقدم في السن نسبيا!

كانت زحمة الحركة المتواصلة للطائرات الواصلة والمغادرة شديدة في مطار (فرانكفورت) بسبب موسم إجازات الصيف؛ كما بدا واضحا عندما رأيت طائرة (البانام) التي كنا فيها تقف في طابور خلف ثلاث طائرات اخرى بانتظار دورها في الإقلاع وكأنها في فرزة سيارات.. وعندما بدأ الإقلاع بدت طائرة البوينغ (747) كطائر عملاق يفرد جناحيه الضخمين في الفضاء.. منطلقا بكبرياء.. يشق الفضاء بقوة؛ حتى استوى على بساط الهواء متجها صوب الغرب.. ذكرني شكلها بصورة الطائرة العملاقة التي رأيتها في مسلسل الاطفال/ عدنان ولينا الذي كنت أتابعه قبل سنوات بإعجاب شديد!

من خلال النافذة؛ كنت أتأمل بصمت ونحن نشق الفضاء.. وأتساءل عن اسم البلد الذي نعبر أجواءه.. وعندما ظهر البحر استنتجت أننا الآن قد اجتزنا حدود بريطانيا ودخلنا في مجال المحيط الأطلسي الذي بدا تحتنا كصحراء من الماء لا حدود لها ولا نهاية. كانت متاعب الساعات الطويلة التي قضيتها في مطار (فرانكفورت) ومن قبلها سياحة عشوائية لمدة عشرة أيام في القاهرة قد نالت مني.. بينما كانت مشاعر القلق تكبر في نفسي في بداية رحلة طويلة إلى العالم الجديد الذي يقبع هناك بعيدا.. بعيدا وراء المحيط!

بعد ساعتين من إقلاع الطائرة؛ بدأ توزيع الطعام.. كان الجوع قد استبد بي فتناولت الطعام بشوق كبير.. لم تكن الضيافة في الطائرة الأمريكية قابلة للمقارنة مع مثيلتها الراقية في الطائرة الألمانية.. وبدا لي المضيفون – رجالا ونساء- كأنهم مجموعة من العسكر – أو العاملين في المطاعم الشعبية- يتعاملون مع الركاب ويقومون بتوزيع الطعام بطريقة جلفة غريبة عما توقعته في شركة عالمية! وبمجرد سحب أدوات الطعام من أمام الركاب؛ قام عدد من المضيفين والمضيفات بالتجوال بين صفوف المقاعد لبيع أو تأجير بعض الحاجيات مثل سماعة أذن للاستماع إلى الموسيقى أو ما يدور على الشاشة التي كانت تعرض أفلاما! كان الحماس الآن باديا بوضوح على وجوه المضيفين والمضيفات وهم يقومون بمهمتهم هذه على العكس مما حدث عندما كانوا يقدمون لنا الطعام(!)

ساءني أن يدفع الراكب مقابل استخدام (سمّاعة) في شركة عالمية لكن يبدو أن مقتضيات السوق الأمريكية تفرض نفسها في هذه الطائرة!

كان التعب والإرهاق قد بلغ مني مداه، فنمت دون أن أدري؛ قبل أن أستيقظ على حركة بجانبي.. ظننت أننا وصلنا فالتفتت عبر النافذة فوجدت صحراء الماء ما تزال تحتنا دون نهاية، ووجدت وجبة طعام أخرى كانت قد وضعت أمامي أثناء نومي دون أن أشعر.. تكونت الوجبة الخفيفة من (سندويتش) لحم بارد مدخّن وقطعة شوكولاتة.. لم أستسغ طعم اللحم.. واكتفيت بأكل الشوكولاتة رغم شعوري بالجوع! وقضيت ما تبقى من ساعات الرحلة الثمانية في  تأمل ما حولي والفضاء من النفاذة، أما على شاشة السينما فقد عرض في المرحلة الأخيرة من الرحلة فيلم – لم أتمكن من استيعاب قصة الفيلم إلا أنه عن رجل آلي يشترك في مطاردة إحدى العصابات وكاد يتحطم في الأخير تماما قبل أن ينقذوه، ومع أن عددا من أجزائه الحديدية تحطم إلا أن ذلك لم يمنعه في نهاية الفيلم من رفع قطعة من جسمه الحديدي لتحية العلم الأمريكي على أنغام السلام الوطني للولايات المتحدة! كان البعد الدعائي واضحا في الفيلم على عادة كثير من الأفلام الأمريكية التي تحرص على دس الرموز الأمريكية أو عبارة (هذا بلد حر)!

* * *

رغم أننا كنا قد غادرنا مطار (فرانكفورت) الساعة الرابعة مساءً؛ فقد وصلنا (واشنطن) في السابعة مساء بتوقيت العاصمة الأمريكية بعد طيران متواصل لمدة 8 ساعات لأننا كنا نسير عكس اتجاه توقيت جرينتش، ولم يكن ذلك مفاجئا لي فقد أخبرني جارنا المغترب هذه الحقيقة وكأنه يروي إحدى العجائب:  سوف تسافرون قرب المغرب، وتصلون واشنطن قرب المغرب في نفس اليوم!

هبطت الطائرة في مطار (دالاس) الشهير في العاصمة واشنطن دي سي، ولم أتمكن من تبين أجزائه الخارجية فهو لا شك مطار كبير، وقبل أن أغادر مكاني في الطائرة لمحت من النافذة طاقم المضيفين والمضيفات خارج الطائرة وهم يتحدثون بطريقة صاخبة كما يبدو من حركاتهم(!) وتأكيدا للملاحظة التي لحظتها عليهم من قبل؛ فقد كان رجل وامرأة منهم يتمازحان بطريقة جلفة؛ فقد كانا يضحكان بهستيريا ثم يخبط كل واحد منهما كفه بكف الآخر بطريقة ملفتة للنظر!

انتقلنا إلى قاعة في المطار لإنجاز إجراءات الوصول؛ ورغم أنني كنت من أوائل المغادرين للطائرة إلا أنني لم أعرف ماذا أصنع وإلى أين أتجه؟ فوقفت حائرا لحظات حتى فوجئت ببقية الركاب يتجاوزونني ويقفون طوابير طويلة أمام عدد من النوافذ فصار موقعي نهاية الطابور فتأخرت كثيرا في الخروج؛ الأمر الذي جعل صاحب القرية المكلف باستقبالي يرسل رجلا أمريكيا من موظفي المطار يسأل عن اسمي(!) فلما وجدني أخذ مني أوراقي وأنهى المعاملة في ثوانٍ من خارج الطابور وحتى اليوم لا أدري كيف استطاع إقناعه.. كانت لفتة مريحة بالنسبة لي؛ فإحدى أكثر الأشياء التي أكرهها في حياتي هي الوقوف في طابور طويل إذ أصاب بحالة من الإحباط والضيق النفسي، وأطمأنت أيضا أنني لست وحدي؛ إذ كنت أخشى ألا أجد من يستقبلني فأضطر للخروج من المطار وحيدا في مدينة غريبة!

في قاعة الوصول الداخلية تقدم مني شاب في الثلاثينيات من عمره.. ظننته أمريكيا للوهلة الأولى، لكنه مدّ إليّ يده مصافحا وهو يقول بلهجة البلاد:

– حيا الله من جاء.. معرفتنيش يا عبد السلام؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى