أشتات

المقاربات السيكولوجية للجماعة (ج5)

تتمخَّضَ المقاربات النَّفسية الاجتماعية لأنماط القيادة عن ثلاث نماذج متباينة المرجعيَّة والمهام، وإن تشابكت المهام واقعيًّا، بيد إنها تظل مختلفة بنيويًّا. القيادة إحدى عوامل الصَّلابة في الجماعة، إن لم تكن أكثرها صلابة وأهميَّة، ما يترتب عليها احتقاب مسؤوليات جمَّة، ومنح عطايا معنوية مؤسِسة في الآن وبانية في الاستقبال. مرجع القائد الفكرة المتجسدة في المجموع، التي بها كانت الجماعة، وإليها حجها وطوافها. هذه المرجعيَّة العصية على التَّدمير المادي، المستعصمة بحبال الروح، تتجذر في يفاع الأرض ووديانها، وتناطح جبال البقاء، ما يتعذر نزعها، أو انتزاعها، مشكلة مناعة الثبات العام، وفي أعماقها جدارها الصلد، وحراك القائد الذي يمدها حياته، ويستمد منها وجودها.

أنماط القيادة:

1-يبرز نموذج القيادة الأوتوقراطية في سلم النَّماذج، لقدرته على توطين الجماعة واستمرارها اقصى مدة ممكنة. يعمل القائد في إطار هذه المرجعيَّة على تحديد منطق وقواعد ومعايير الأهداف، ويستبد بإنتاج القرار. لا تستطيع أن ترى الجماعة هذا الاستبداد في الغالب الأعم، فضلًا عن نقده، أو الانقلاب عليه. وذلك لعوامل الهالة الدِّينية المتصف بها القائد، مع عوامل النُّصوص الواصفة، من سمعٍ وطاعةٍ، وعدم مناكدة، أو مخالفة. في الجماعات الكبرى التي تمتدُّ عمرًا، وتخلّد تاريخًا، طالما يلتقي نموذجها الأوتوقراطي والارتباطية الدينية الثيوقراطية، ليغرف من المقدَّس، ويستند إليه، حتى يستحيل القائد مقدسًا، وما يفرِغ عنه من أوامرٍ ونواهي. إنَّ تضخيم القيادة تضخيمٌ للفكرة، وبالتَّالي تضخيمٌ للجماعة ذاتها. يتمُّ تحديد المواقع وأدوار الأفراد، وطبيعة الأنشطة والتَّقنيات، وما يتناسب وقدرات كل فردٍ وخياله، كما يوزع المهام ويتابع عمليات الإنجاز الفردي. يعمل على تحديد مجموعات العمل، ويختار أفرادها، ويفعّل ديناميتها ويراقبها، مع تقويماتٍ دائمة، وإصدار الأحكام والتَّقديرات، ثمَّ إنه لا يشارك في أي عملٍ أو مهمة، لأن مهمته مركزيته، وأوامره ونواهيه، ومشاركته حضوره في الذهنية، وكلماته.

2- يأتي نموذج القيادة الفوضوية أو السَّائبة في الدَّرجة الثَّانية من السلم، إذ يقتصر دور القائد بإخبار المرؤوسين بالمهام، تاركًا لهم حريَّة التَّصرف، فلا يحدد منطق أهداف الجماعة ولا قواعدها ولا معاييرها ورمزيتها، ولا يتميز بحضوره بين أفرادها. الأنشطة والمهام والأدوار رهن الأفراد، كذلك الاقترحات لصيغ الإنجاز والأنشطة، وتوفير الوسائل والتقنيات. غير معني بتوزيع الأدوار والمسؤوليات وطبيعة الإنجازات، ولا يتخذ أي قرار، كما لا يتدخل في تشكيل مجموعات العمل ولا يحدد أدوارها وأنواع أهدافها وإنجازاتها. لا يقوم بعملية المتابعة والمراقبة والتقويم، وإصدار الأحكام والتقديرات، ولا يشارك في أي دور أو مهمَّة عمل.

ثمة سؤال يثور من فوره: علامَ إذن هذه القيادة التي تعادل الصفر؟

هناك إجابتان، وشرح مقتضب.

الأولى:

تبرز هذه القيادة في فضاءاتٍ إدارية عدة،  قيمتها فيمن يملكها لا فيما تملك، واضعًا إياها عنوة على رأس هذه الإدارة أو تلك. 

الثانية:

تبرز هذه القيادة وما نحنُ بصدده، في الجماعات الصُّغرى، وقد تحضر في الجماعات الكبرى بنسبة معينة، ومردها المرونة والحرية، والقدرة على الحركة.

في المجمل القيادة الفوضوية تنفي بدرجة ما كمال الديمقراطية، وكمال الأوتوقراطية، وتتخللهما بتفاوت. لعل وجه التفلت فيها، واقعية حصولها، ولا واقعية تشكلها، وإن تشكلت فمن زاوية نظرية ونظرية فقط، ما يعني أن الإجابة الأولى لا تقر بحقيقة وعي من يملكها، وإنما بحقيقة المتحصل وما ينتج عن تلك القيادة.

3- في الدرجة الثالثة من السُّلم يأتي نموذج القيادة الديمقراطية، ما يشف عن تداخل القيادة الفوضوية ما بين النُّموذج الأول والثَّالث.

في النُّموذج الديمقراطي يتكون منطق الجماعة وأهدافها ومعاييرها وقواعدها، وذلك عن طريق انبناء تفاعلات حوارية بين القائد وأفراد الجماعة، حتى إذا ما أُنتِج القرار أُنتِج جماعيًا لا فردانيًا. الأهداف العامَّة للمهام والأدوار والأنشطة تحدد من طرف القائد وأفراد الجماعة بالتناوب والتبادل، كما لا يتدخل القائد في تقسيم المهام، بل تُنجَز عملية التقسيم تلقائيًا. لا يتدخل القائد في تشكيل أفراد مجموعات العمل، وضبط طبيعة المشاركة، بل يترك الاختيار للأفراد بحسب المؤهلات والرغبات. يعمل مع الأفراد على تحديد معايير التقدير والحكم والتقويم، ويشاركهم في مختلف المهام.

السيكولوجية للجماعة ج5 المقاربات السيكولوجية للجماعة (ج5)

أهم نتائج منطق نموذج القيادة على دينامية الجماعات:

على مستوى التَّفاعلات الاجتماعية، نجد القائد في النُّموذج الأوتوقراطي يستحوذ على أكبر عدد من الاختيارات، ممسكًا قرارات الرفض بيده، وبالتالي فالاختيارات تبقى خارج أفراد الجماعة. بينما نجد القائد في النموذج الديموقراطي يتمتع بنسبة من التبادلات والتفاعلات، لتحديد الاختيارات، وإنتاج القرارات، دونما احتكارٍ للقرار، أو للاختيار.

على مستوى بنية الجماعات وانسجامها الداخلي، في النموذج الأوتوقراطي كل أفراد الجماعة يرمون المسؤولية ومحددات الإنجاز والقرارات والنتائج على القائد. في النموذج الديمقراطي تتحدد شبكة العلاقات التفاعلية الدينامية لتنتج القرارات، وتتخذ المبادرات، وتحدد المسؤوليات، في إطارٍ جماعي.

على مستوى التواصل وبناء المواقف، في الجماعات الأوتوقراطية، نجد نسبة عالية من النفور المبطن تجاه القائد، ونسبة ضعيفة من التبادلات الاجتماعية تجاه الأعضاء، مع نسبة عالية من التنافسية والعدوانية، ونسبة ضعيفة من الوعي بالمهمة كما أن الإنجاز يرتبط بحضور القائد، وذلك من خلال تعليمات مبنية على المنطق الداخلي، أو المنطق التناسلي، من الأول إلى الوسيط وحتى صاحب المهمة. سرعان ما تنحل الجماعة وتتلاشى أهدافها مع غياب القائد.

محددات القيادة الفعالة للجماعة:

ثمَّة فرضيتان، الفرضية الأولى وهي لفيدلر (1) Fidedler :”عندما يكون القائد مندمجًا اجتماعيًا مع أفراد الجماعة، ومكسّرًا لقاعدة المركز والسُّلطة، ويتمتع برمزية معنوية وجدانية، وعندما تكون المهمة محددة بدقة والسياق ملائم جدًا، وكلما ركز القائد على فعالية الأفراد فستكون النتائج جد مرضية، والقيادة فعالة ومنتجة “الفرضية الثَّانية، وهي لدوراند توراني (2) Durand Touraine  :” عندما يستطيع القائد تكييف مواقفه وسلوكاته مع استثمار الأفراد أعضاء الجماعة، ومع محددات الانسجام والتكاملات الدينامية، مع منطق التفاعلات التنافسية والصراعية، فإن قيادته ستكون فعالة ومنتجة”.

محددات القيادة الفعالة للجماعة:

أولًا: الضوابط المؤسساتية للقيادة الفعالة:

1-احترام الهيكلة التراتبية للمراكز والأدوار والمهام. 

2-احترام القوانين والمعايير والقواعد وضبط المسؤوليات والانضباط للأوامر.

لها نموذجان يعبران عنها:

1- نموذج القيادة العسكرية. 

2- نموذج القيادة الإدارية.

ثانيًا: الضوابط المرتبطة بهويَّة الجماعة والأهداف والسِّياق:

1-القيادة تكون نتيجة الخبرة/الكاريزما/قوة الشَّخصية/ والاستقطاب الوجداني لأفرادِ الجماعة، والقدرة على تدبير المهام والعمليَّات لبلوغ الهدف.

نموذجها:

1-نموذج القيادة التربوية. 

2-نموذج القيادة الرياضية.

ثالثًا: الضوابط المرتبطة بنموذج القيادة الجماعية:

١-تقويم القيادة على مبدأ توزيع المسؤوليات القيادية. 

2-التواصل الفعال والحوار. 

3- تعتبر المشاركة أهم أسلوب في القيادة الجماعية. 

4-السياسات/ القرارات تخضع لمنطق تشاركي جماعي. 

نموذجها: القيادة في الهيئات السياسية الكبرى. 

في الجزء السادس نتطرق إلى ظواهر الصراع في الجماعة، وظواهر التغيير والتغير(3).

الهوامش:

  1. فرد فيدلر (13 يوليو 1922 – 8 يونيو 2017) هو عالم نفس أمريكي اشتهر بتطوير نظرية القيادة الموقفية، والتي تنص على أن فاعلية القائد تعتمد على مدى ملاءمة أسلوب القيادة الخاص به للموقف.
  2.  Durand Touraine هو عالم اجتماع فرنسي ولد في باريس عام 1927. يعتبر أحد أهم علماء   الاجتماع الفرنسيين في القرن العشرين، وساهم في مجالات متعددة من علم الاجتماع، بما في ذلك العمل والمجتمع الصناعي والمجتمع المعاصر. 
  3. للاستزادة الرجوع إلى محاضرات أ.د حميد بودار (قضايا سيكولوجية) أكاديمية نماء للعلوم الإسلامية والإنسانية https://www.namaeacademy.com/.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى