أشتات

بين الذاكرة التاريخية والنسيان

مفهوم الذاكرة التاريخية؟

تعتمد الذاكرة التاريخية على آثار الأحداث الماضية بالإضافة إلى ذكريات الأفراد. يأخذ في الاعتبار تجاربهم وعواطفهم. ومع ذلك، يمكن أن تكون الذاكرة التاريخية جماعية أيضًا. وبالتالي، فهي مجموعة من الحقائق والأحداث الماضية التي تبقى في ذاكرة الشعوب. ووفقًا لذلك، يناقش هذا المقال أهمية الذاكرة التاريخية ومتى يكون التذكر واجبًا؟ حيث إنه لا توجد أمة بدون ذاكرة ولا ذاكرة بدون تاريخ. ومع ذلك، هناك من يرى عكس ذلك. وبحسبهم، فإن الذاكرة التاريخية هي عائق في وجه الحداثة، وبالتالي فهي تمنع الأمم من التطور بسبب الارتباط العميق غير الضروري بتاريخها.

عادة ما يتم تناول الذاكرة على أنها مخزن التاريخ ولها القدرة على جلب الماضي والرجوع إليه بناءً على سياق الحاضر، ويتم قراءة الكتابات التاريخية قراءة موضوعية على أنها أحداث تاريخية قد وقعت، في حال أن هذه الكتابات التاريخية تعبّر عن عين الذاكرة سواءً كانت هذه الذاكرة في الماضي أو ذاكرة الحاضر أو ذاكرة قائمة على أساس القومية، أو الجماعة أو الطائفة أو الهوية.

 

هل الذاكرة فردية أم جماعية؟

وكما يذكر المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني بأن المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف في كتابه الذاكرة والتاريخ قسّم التاريخ إلى قسمين: الأول هو تاريخ الذاكرة الجماعية والثاني هو تاريخ المؤرخين(1) ، لكن كما يوضح كوثراني بأن امتزاج الذاكرة مع الرواية والثقافة الشفوية بل والعادات والتقاليد تُصعّب من حرفة المؤرخ حينما يدوّن عن الأحداث التاريخية(2) ، وكذلك نأخذ بعين الاعتبار بأن الذاكرة ليست فردية، حيث أن الفرد محكوم بالذاكرة الجمعية لمجتمعه، فكما يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي هالبواش بأن لا ذاكرة بدون جماعة، فذاكرتنا الخاصة التي لا تتقاطع مع الجماعة تُنسى، لكن حينما تتقاطع ذاكرتنا مع الآخر نستطيع تذكرها واستعادة التفاصيل وتفاعلاتها. ويقدم هالبواش أمثلة وتبريرات لمفهومه حيث يقول “فقد نذهب في نزهة إلى لندن غير مرة.. في كل مرة بصحبة رفيق، قد يكون معماريًا أو مؤرخًا أو رسامًا، سيهتم كل منهم بلفت انتباهنا إلى معالمها من الزاوية التي يعتني بها.”(3) ليؤكد هالبواش بذلك فرضيته بأن الأحداث الأسهل للتذكر هي التي تحدث مع الآخر. ويوضح هالبواش بأن الذاكرة الجمعية والفردية لا تتداخلان، لأن لكل ذاكرة استقلاليتها وخصوصيتها.

 

هل يمكن التلاعب بالذاكرة؟

وتكمن الإشكالية في التعامل مع الذاكرة بأنه يمكن التلاعب بها، فبحسب بول ريكور إنه بالإمكان تعبئة الذاكرة لأجل غرض الهوية أو ما يُراد منها(4) ، وفي نفس الصدد يرى المؤرخ الفرنسي أنطوان بروست بأنه إذا كان لديك ذاكرة، فسيكون لديك تاريخ(5) ، لكنه تاريخ غير موضوعي تماماً، كون الذاكرة تجلب معها شحنة عاطفية كما يتم تعديلها أو إعادة صياغتها وفقاً للزمن اللاحق والتي بإمكانها استثمار الذاكرة بطريقة مغايرة(6) .

 

هل تتقاطع الذاكرة مع التاريخ؟

واستناداً إلى ما سبق فإننا نخلص بأن الذاكرة والتاريخ يتقاطعان، فهناك ذاكرة وهناك تاريخ، ولا نعني بذلك بأن عدم امتلاك الذاكرة يقودنا إلى صنع تاريخ موضوعي، فلا تاريخ دون ذاكرة، لكنهما خاضعين لتأثيرات مختلفة، فالتاريخ ليس إعادة سرد الذكريات أو محاولة لسد فجوات الذاكرة بالخيال، بل هو البناء الموضوعي المتقاطع مع الذاكرة الكائنة والمتكوّنة.

وجدير بالذكر بأن المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني من أوائل من انبرى للنقد التأريخي عبر الذاكرة وذلك في كتابه الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي والمنشور عام 2000م من دار الطليعة، أو عبر تناوله لنماذج مثل الخلافة واتفاقية سايكس بيكو وذاكرة الطوائف اللبنانية.

 

وجيه كوثراني الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل

 

متى يكون التذكر واجباً؟

اُخترع مصطلح “Duty of historical memory” وهو ما قد يترجم بـ”واجب الذاكرة التاريخية” أو “واجب التذكر” وهو مصطلح حديث تم اختراعه في الفضاء العام الفرنسي. حيث يقدم نفسه كواجب أخلاقي أو سياسي أو حتى قضائي. يتجسد واجب الذاكرة التاريخية في كونها شاهدة على أحداث الماضي ويحافظ على الذاكرة حية لكيلا يتم التلاعب بها. وكما قال إيلي ويزل (Elie Wiesel)، “الجلاد يقتُل مرتين؛ والمرة الثانية بالنسيان”(7). وفي هذا الصدد، فإن المثال الصارخ للذكريات التاريخية الحية هو الإبادة الجماعية التي حدثت خلال النكبة الفلسطينية عام 1948 والتي كانت تُعتبر دائمًا جزءًا هامًا من الذاكرة التاريخية العربية الجماعية. ومع ذلك، يرى البعض أن وجود ذاكرة تاريخية حية يمكن أن يكرس الكراهية بين الناس ومثال على ذلك استمرار تذكر المجازر التي حدثت للبوسنيين في حرب صربيا والبوسنة تجعل شعلة الكراهية مستمرة، وبالتالي فإن الكراهية تقف في وجه الحداثة.

لكن في ذات الصدد؛ يمكن للذاكرة التاريخية أن تمنع حدوث بعض الصراعات مرة أخرى لأن الأشخاص الذين لا يعرفون ماضيهم مجبرون على إعادة إحيائها ويمكن أن يعيشوها مرة أخرى مع المزيد من الفظائع الشنيعة(8) . لذا فإن تذكر الأحداث التاريخية يحارب اللامبالاة. أي أن معرفة أهوال الحروب لا يمكن أن تجعلنا غير مبالين عندما يعيد التاريخ نفسه. وقد كشفت دراسة (Schoen Consulting) التي أجريت في كندا أن هناك علاقة واضحة بين اكتساب المعرفة عن الهولوكوست ورفض النازية الجديدة أو معاداة السامية. وهي ما تقودنا إلى أن النسيان قد يكون خطراً فعندما ننسى، نصبح عرضة للخطر. لذلك، فإننا نجازف بتكرار أخطاء الماضي. وبالمثل، فعندما لا نشعر بالقلق حيال حدث تاريخي يبدو بعيدًا بالنسبة لنا، يمكننا الانغماس في اللامبالاة التي تقودنا إلى النسيان(9) . ومع ذلك، هناك من يجادل بأن التاريخ لا يكرر نفسه أحيانًا بسبب الاختلافات في السياقات والأوقات. فبحسب رأيهم، من الضروري التوقف عن التفكير في الذاكرة التاريخية، وبدلاً من ذلك، بناء ذاكرة جديدة تناسب الحداثة.

 

بين الذاكرة التاريخية والنسيان فوزي الغويدي

 

دور التقنية الحديثة في الحفاظ على الذاكرة التاريخية:

بيد أن الثورة التقنية سهلت الوصول إلى الذكريات التاريخية من قبل الجميع بسبب التقنيات المتطورة التي تنشرها وتجعلها تحت تصرفنا. على سبيل المثال، يمكن للأشخاص العثور على أفلام وثائقية أو سرد تاريخي مرئي متاحة على YouTube. من خلال هذه التقنيات، يمكن سرد الذكريات التاريخية. ومع ذلك، يرى البعض أن التقنيات الحديثة المستخدمة لإحياء ذكرى بعض الأحداث التاريخية يسهل على الجميع الوصول إليها. لذلك، فإن الفئات الأقل نضجًا من المجتمع قد “تستلهم” من هذه الذاكرة التاريخية القديمة الكراهية وتقدم على الانتقام وما حدث في مذبحة مسجدي نيوزيلندا عام 2019م لخير دليل على ذلك.

 

ما هي أهمية الذاكرة التاريخية؟

وخلاصة القول؛ قد تختلف الآراء حول أهمية الذاكرة التاريخية. أي أن البعض يعتقدون أنها مهمة ولا تتعارض مع الحداثة بينما يعتقد البعض الآخر أنها كارثية وتعيق الحداثة. لكننا نحتاج الذاكرة التاريخية لأن إحياء الذكرى التاريخية لا يتعارض مع الحداثة. يمكننا أن نحتفل بالتاريخ وفي نفس الوقت نذهب للحداثة. تحفزنا الذاكرة على الذهاب إلى الحداثة. بالإضافة إلى ذلك، فإن معرفة أن أسلافنا قد صنعوا حضارات عظيمة من شأنه أن يشجعنا على بذل المزيد من الجهود لبناء ذلك الحضارة من جديد. قد يقول أحدهم أن الذاكرة تتعارض مع الحداثة لأنها تحافظ فقط على الأفكار القديمة والجامدة ولا تقبل أي أفكار جديدة. أُجيب: “الذاكرة تعلمنا من أخطاء الماضي وتسمح لنا بالترحيب بالأفكار الحديثة بعقول منفتحة وواعية. وأخيراً والأهم من ذلك، يقول بول ريكور: إنه لا توجد هوية بدون روايات تاريخية، ولا توجد روايات تاريخية بدون نسيان بعض الأحداث ، مؤقتًا على الأقل ، فعندما تكون حالة من السلام داخل المجتمع ؛ فإن أحداث أخرى قد تعرض المجتمع للخطر إذا ما تم نسيانها، وهو ما يقودنا إلى نقاش آخر عن ما يتوجب نسيانه وهو ما يحتاج إلى إفراد مقال آخر له.

 

الهوامش:

  1. وجيه كوثراني، التاريخ والذاكرة التاريخية: دراسة نماذج: سايكس بيكو، الخلافة، ذاكرات طوائف لبنان، مجلة اسطور ع4، يوليو، 2016م، ص13-24. 
  2. المرجع نفسه.
  3.  ا موريس هالبواش،
  4.  الذاكرة الجمعية، ترجمة نسرين الزهر(بيروت: بيت المواطن للنشر والتوزيع، 2016)، ص53
  5. وجيه كوثراني، مرجع سابق، ص14.
  6.  Antoine Prost, Douze leçons sur l’histoire(Paris:Seuil,1995),p.51 Prost, p.113
  7.  جاك لو جوف. تاريخ جديد. (باريس: Retz Cepl ،1978). ص 55.
  8.  دبليو تشرشل. مذكرات ونستون تشرشل. (القاهرة: دار المرفأ. 1991م) ص70.
  9.  كوثراني، مرجع سابق، ص 120.

فوزي الغويدي

باحث ماجستير تاريخ مهتم بتاريخ اليمن الحديث والخليج والعلاقة بينهما.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ما شاء الله عال العال
    هذا المقال اثرانا كثيراً بالمعلومات
    الشكر موصول للباحث فوزي الغويدي
    ننتظر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى