أشتات

طوفان الأقصى.. بين فلسطين واليمن

الحدث:

قيام حركة المقاومة الإسلامية حماس، في السَّابع مِن أكتوبر الماضي، باختراق الحواجز الإسرائيلية والهجوم على المستوطنات القريبة مِن غزَّة، والقواعد العسكرية الرَّابضة على حدودها، وأسر ما أمكن مِن الصَّهاينة، والاشتباك مع الجنود الإسرائيليين، ثمَّ العودة إلى غزَّة.

الدَّوافع:

تساءلنا جميعًا ما هي دوافع حماس للقيام بعملية طوفان الأقصى في هذا التَّوقيت، بمعنى أنَّنا لا نتساءل عن لماذا تقاوم حماس المحتل وتسعى لتحرير فلسطين فهذا سؤال نتفق على إجابته، لأنَّ مقاومة العدو المحتل:

– منطق فطري مغروز في البشر والحيوان على حدٍّ سواء. 

– منطق عُرفي تعارف عليه البشر وامتدحوه وجعلوه قيمة عليا لهم. 

– منطق عقلي فلا يقبل العقل البشري أن يمنح ما يملكه هبة مِن الله لمَن يغتصبه مِنه. 

– منطق عدلي فردُّ العدوان بعدوان مماثل مِن العدل والقصاص المأذون به. 

– منطق المسئولية فالإنسان مسئول عن الدِّفاع عن أهله وماله ووطنه ودينه. 

– منطق أخلاقي فمِن الأخلاق الإباء والنَّخوة والغيرة.

إذن نحن لن نتساءل ابتداء لماذا يقاوم الفلسطينيون عمومًا، وحماس في مقدِّمتهم، إسرائيل فهذا محلُّ اتِّفاق العقلاء والنَّاس الأسوياء.

نحن نتساءل: لماذا قامت حماس بهذه العملية في هذا التَّوقيت بالذَّات؟

ولكي نجيب عن هذا السًّؤال ينبغي أن نقدِّم بين يدي الإجابة بهذا المقدِّمات:

1- أنَّ الإنسان في إطار المعارك السِّياسية والعسكرية لا يمكن أن يفصح عن كلِّ ما يعلم، وأن يفسِّر كلَّ ما يفعل، طالما وأنَّه يقوم بالأساس بما يجب عليه.

2- أنَّ الفئة التي تقوم على ثغر مِن ثغور الإسلام، وتتصدَّى له سياسيًّا وعسكريًّا، هي بالأساس تتعامل مع الواقع، والمسلم إذا تعامل مع الواقع وتنزيل الأحكام الشَّرعية عليه إنَّما هو مجتهد (قد يصيب وقد يخطئ)، فهو (ليس معصومًا)، ومِن ثمَّ فهو كما جاء في الحديث بين الأجر (إذا أخطأ)، والأجرين (إذا أصاب). والمجتهد بالأساس يقدِّر ثلاثة أمور: الواقع الذي يعيشه، والشَّرع الذي يستند إليه، وتركيب الفتوى (أي تنزيل ما يعلم مِن الشَّرع على ما ينزل مِن الواقع).

3- أنَّه ينبغي الالتفات حاليًّا لنصرة حماس وأهل غزَّة عمومًا، حتَّى مع افتراض وقوع خطأ في التَّقدير والاجتهاد، لأنَّ هذا هو الواجب اليقيني المتعيَّن، فأن نقول: إنَّ حماس أخطأت.. هو تقدير اجتهادي ظنِّي أيضًا مِنًّا، فقد يكون الصَّحيح عند الله تعالى أنَّها أصابت. فإذن ينبغي العمل بالمتيقن وهو نصرتهم ودعمهم وإسنادهم ورفدهم بالمال والأنفس والحيل والدَّعوات.

4- أنَّ ما سنورده حول اختيار حماس لهذا التَّوقيت هو قراءة مِنَّا وليس علمًا قطعيًّا، ولا يعرف سبب قيام بحماس بهذه العملية في هذا التَّوقيت سوى قياداتها العسكرية والسِّياسية.

توقيت عملية طوفان الأقصى:

إنَّ أيَّ عمل عسكري ينبغي أن يستند إلى عدَّة معطيات للقيام به ومِنها:

1- وجود الشَّرعية القانونية والأخلاقية للقيام بهذا العمل: والفلسطينيون يمتلكون هذا الحقَّ، باعتبار الكيان الصًّهيوني كيان محتلٌّ يجب مقاومته وجهاده حتَّى يخرج مِن فلسطين. 

2- وجود القدرة المادِّية لإيلام العدو: وهذه القدرة هي ما أشار لها القرآن الكريم بقوله تعالى: ((وأعدوا لهم ما استطعتم..))، فالقدرة التي توقع الإيلام في العدو مهما بلغت مطلوبة كي لا يقرُّ له قرار. وكلُّنا يعلم أنَّ انتفاضة الأقصى انطلقت في بداياتها الأولى بالحجارة ثمَّ بالعمليات الاستشهادية، وشيئًا فشيئًا حتَّى أجبرت إسرائيل بالانسحاب والخروج مِن غزَّة. 

3- وجود الفرصة المواتية: وهو ما ظهر مِن نتائج عملية طوفان الأقصى في اليوم الأوَّل، مِن خلال حصيلة الأسرى والقتلى والمكاسب. 

4- الخروج بأقلِّ الخسائر: وفي الحقيقة فإنَّ ما قمت به إسرائيل، مدعومة بالولايات المتَّحدة الأمريكية والدُّول الأوربِّية، عقب عملية طوفان الأقصى هو مِن قبيل مضاعفة الخسائر على حماس بشكل كبير جدًّا لتحطيم صورة النَّجاح الباهر الذي حقَّقته بهجومها في السَّابع مِن أكتوبر. 

5- النَّتائج المأمولة: أي أن تكون لديك نتائج مأمولة مِن العملية العسكرية خلافًا لمجرَّد إيلام العدو، وفي طوفان الأقصى يمكن القول: إن كتائب القسَّام حقَقت عدَّة نتائج إيجابية مِن عملية طوفان الأقصى.

الآثار الإيجابية لطوفان الأقصى:

1- كسر هيبة العدو في نفوس الفلسطينيين والمسلمين عمومًا. 

2- قذف الرُّعب في نفوس الصَّهاينة.. حيث بات الكثير مِنهم يفكِّر بمغادرة إسرائيل في ضوء التَّطوُّرات التي تشهدها قدرات كتائب القسَّام العسكرية، حينًا فحينًا. 

3- إفشال حركة التَّطبيع التي انطلقت، منذ عدَّة سنوات، بين إسرائيل ودول المنطقة، بهدف وأد القضية الفلسطينية وتسويق فكرة التَّعايش مع الصَّهاينة لدى شعوبنا. 

4- أسر عدد مِن الصَّهاينة في سبيل المقايضة بهم مع دولة الكيان الإسرائيلي على الأسرى والأسيرات الفلسطينيين. 

5- تعزيز روح المقاومة لدى الشَّعب الفلسطيني وبيان أنَّ بمقدوره إذا ما فكَّر وقدَّر وابتكر واجتهد أن يعدِّل ميزان القوى بوسائل جديدة في المعركة. 

6- ترسيخ مبدأ المقاومة في وعي الجيل الفلسطيني الذي يمكن لعملية السَّلام وحلحلة أوضاعه المعيشية أن تنسيه قضيَّته ورسالته ومهمَّته ووظيفته، فدماء الشَّهداء قبل أن تروي الأرض تروي بذور الانتقام في نفوس الأطفال والشَّباب. 

7- كشف عوار الجيوش العربية التي تنطلق مسعورة أمام شعوبها لتقتل وتفتك في حين أنَّها أمام العدو الحقيقي للأمَّة حارس أمين له. 

8- تكبيد إسرائيل خسائر اقتصادية كبيرة على صعيد الاستثمارات والتِّجارة والأعمال. 

9- إحراج سلطة محمود عبَّاس، ومنظَّمة فتح، وكشف أدوراهم التَّعجيزية والتَّآمرية للشَّعب الفلسطيني.

الأقصى.. بين فلسطين واليمن3 طوفان الأقصى.. بين فلسطين واليمن

الآثار السَّلبية لطوفان الأقصى:

لا شكَّ أنَّ غالب أفعال بني آدم ينتج عنها جانب سلبي، لطبيعة الحياة التي لا تكتمل. وخصوصًا إذا كان الأمر يتعلَّق بالصِّراعات المسلَّحة والمعتركات السِّياسية والاقتصادية، بل والفكرية.

والآثار السَّلبية على عدَّة مستويات:

1- آثار متوقَّع حدوثها بشكل يقيني. 

2- آثار متوقَّع حدوثها بشكل ظنِّي راجح.

3- آثار متوقَّع حدوثها بشكل ظنَّي مرجوح. 

4- آثار غير متوقَّعة بالأساس.

والآثار السَّلبية مِن حيث وقوعها ودفعها على عدَّة مستويات:

1- ما يمكن دفعه كلَّه. 

2- ما يمكن دفع جُلِّه. 

3- ما يمكن دفع بعضه. 

4- ما لا يمكن دفع شيء مِنه.

فما كان في طاقتك أن تدفعه فعليك قدر المستطاع دفعه ما أمكن، كلَّه أو جلَّه أو بعضه، وما لا يمكن دفعه عنك إطلاقًا لا يدخل في التَّكليف أساسًا. وهذا كلَّه يعتمد على طبيعة المعركة والصِّراع الدَّائر، وميزان القوى عند الطَّرفين، وقدرته على الاستقراء والتَّنبُّؤ والاستشراف،

وما جرى نتيجة طوفان الأقصى مِن آثار سلبية يمكن مناقشتها في ضوء هذه المعايير مجتمعة لا منفردة. وليس مِن العدل والإنصاف مجرَّد جردها وعرضها دون وضعها في السِّياقات المحيطة بالقضيَّة بكلِّ أبعادها.

الدُّروس المستفادة مِن طوفان الأقصى:

1- أنَّ مقاومة الاحتلال الصُّهيوني سيظلُّ قدرًا محتومًا تقوم به طائفة مختارة مِن هذه الأمَّة، ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس، تصديقًا لأحاديث الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم. 

2- أنَّ العدو الإسرائيلي تسري عليه عوامل الضَّعف والخلل والفشل، إذ ليس هو باستثناء عن بقية الدَّول. فضلًا عن أنَّه بالأساس كيان لا شرعية له، لا دينية ولا منطقية ولا قانونية. وما يمارسه مِن ظلم وعدوان وإجرام سيعجِّل بزواله بقدرة الله تعالى الذَّاتية أو بفعله مِن خلال عباده المؤمنين.

 3- أنَّ الإنسان مهما حوصر، ومهما كُبِّل، لن يعجز وهو صاحب الحقِّ عن أن يقاوم ويدفع عنه الحصار والتَّكبيل، وأن يهزم خصمه الظَّالم وعدوَّه الفاجر. 

4- أنَّ التَّفكير الإبداعي والابتكاري هو نتاج الحاجَّة فالحاجة أمُّ الاختراع، فكتائب القسَّام أبدعت وابتكرت طرقًا في التَّحصين والدِّفاع، والهجوم والكرِّ، بما فاجأ ويفاجئ العالم. 

5- أنَّ الحقَّ الذي وراءه مطالب لا يضيع، وأنَّ المطالب بحقِّه لا ينبغي له أنَّ يملَّ أو يكلَّ، فواجبه الشَّرعي والفطري والأخلاقي أن ينتزع حقَّه ويردع الظَّالم عن ظلمه.

المسارات المستقبلية لطوفان الأقصى:

عملية طوفان الأقصى عملية خطيرة بكلِّ المعايير، وهي تمثِّل تهديدًا وجوديًّا للكيان الصُّهيوني إذا ما استمرَّت حماس وكتائب القسَّام على هذا المستوى مِن التَّطوُّر والتَّحوُّل وكسب القوَّة والإمكانات، حيث أنَّ هذا يعني ضرورة قرب المواجهة الحتمية التي ستنهي إسرائيل. لذلك، ومِن منطلق هذا الفهم والوعي لدى القيادة الإسرائيلية لهذه الحقيقة، تعمد قيادة إسرائيل -ومِن ورائها الحلف الصَّليبي المناصر للمشروع الصُّهيوني- على كسر حماس نهائيًا، لأنَّ المعركة باتت معركة وجود بالنَّسبة لها، فينبغي عليها هي الأخرى أن تسعى لإنهاء وجود حماس، وهذا ما صرَّحت به قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية وغربية.

بالتَّالي، فالمتوقَّع هو أنَّ طوفان الأقصى ستجرُّ حاليًّا أو في المدى القريب إلى قيام معركة حاسمة مع الكيان الصُّهيوني، وأن تتحوَّل منطقة الشَّرق الأوسط إلى كتلة صراع ملتهبة، تتداخل فيها عدَّة مستويات مِن الصِّراع، مع عدَّة أطراف إقليميين ودوليين. ولعلَّ هذا ما دفع البعض للتَّصريح باستخدام القنبلة النَّووية، وما دفع الولايات المتَّحدة للعودة بأساطيلها وجنودها إلى المنطقة لضمان ألَّا تتَّجه الأمور إلى هذا الحدِّ مِن السِّياقات العسكرية.

فالتَّداعيات لا تزال خطيرة وقابلة للاتِّجاه نحو تصعيد أكبر وأشمل.

الأقصى.. بين فلسطين واليمن4 طوفان الأقصى.. بين فلسطين واليمن

انعكاسات أحداث فلسطين على الوضع اليمني:

ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ العالم بات قرية صغيرة، وجسد واحد مترابط، وما يحدث في بلد ينعكس ضرورة على بلد بعيد عنه، بشكل مباشر أو غير مباشر. وما يجري في فلسطين سيؤثِّر على المنطقة عمومًا واليمن خصوصًا. ومِن غير الممكن الحديث عن آثار يقينية، ولكنَّها محتملة، ومِن ذلك:

1- التَّأثير الاقتصادي: فإنَّ ما يجري في فلسطين سيكون له انعكاساته على الاقتصاد الإقليمي والعالمي، ما سيفرض مزيدًا مِن الغلاء وارتفاع الأسعار على مستوى النَّفط والغاز والسِّلع والخدمات. 

2- التَّأثير العسكري: يتوجَّه الحوثيُّون إلى استغلال حالة الانفعال والتَّعاطف مع غزَّة لكسب المزيد مِن المقاتلين في صفوفها، والدُّخول في حالة حرب جديدة على الصَّعيد الدَّاخلي والإقليمي، لدوافع عدَّة. وبالتَّالي فمِن المتوقَّع أن يتصاعد الصِّراع في اليمن مجدَّدًا، وهذا ما تشير له الأنباء في الجوف ومأرب وغيرها. 

3- التَّأثير السِّياسي: إنَّ كلَّ ملف جديد على صعيد المسرح العالمي سيفرض بشكل أو بآخر تأخير الملفِّ اليمني عن قائمة الاهتمامات العالمية، فقيادات المنطقة والعالم اليوم مشغولون بتداعيات الوضع في فلسطين والخروج مِن عنق الزَّجاجة التي وضعوا فيه. 

4- التَّأثير الاجتماعي: إنَّ ما جرى في فلسطين سيعطي المقاومة الشَّعبية اليمنية حافزًا أكبر للعمل على الأخذ بالأسباب والوسائل التي تمكِّنها مِن التَّغلُّب على أعداء الوطن والشَّعب.

أنور الخضري

كاتب وباحث يمني مهتم بالقضايا السياسية والشأن اليمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى