أشتات

غزة مفخرة يجرِّر بها الزمان ذيوله

ليس ما يجري في غزَّةَ العِزَّةِ أسطورةً من الأساطيرِ اليُونانيَّةِ القديمةِ، التي تتحاربُ فيها قُوى الطَّبيعةِ؛ مُمثَّلةً في صورةِ الآلِهةِ وأنصافِ الآلِهةِ مع أبطالٍ خارقينَ، ولا رِوايةً من رواياتِ الخيالِ العلميِّ، التي يمتطِي كاتبُها صَهْوةَ جوادِ خيالِهِ الجامحِ، مُسافرًا في عالمِ المُستحيلِ، ولا رحلةً من رحلاتِ السِّندبادِ البحريّ، التي نزلَ فيها جُزرًا نائيةً مليئةً بكلِّ عناصرِ الإثارةِ والرُّعبِ،  ولا حُلمًا راودَ صاحِبَه في المنامِ، فطارَ به بعيدًا في عالمِ الأوهامِ، ولكنَّها الحقيقةُ المُسجَّلةُ صوتًا وصورةً، والتي سيقفُ أمامَها التاريخُ عاجزًا عن التفسير، وسينقلبُ بصرُ العقلِ عنْ تَصوُّرِها خَاسئًا وهو حَسير!

أكثرُ من مئةِ يومٍ مِنَ العُدوانِ والقتلِ والدَّمار، منْ جريانِ بحر الدَّمِ المِدرار، من تظاهُرِ قُوى البغيِ والاستكبار، من مَذَلَّةِ العَجْزِ والهوانِ والصَّغار، من شَيْنِ خِذلانِ الشَّقيقِ الوَدودِ، من عارِ التَّواطُؤِ مع العدوِّ اللَّدودِ، في مقابلِ صُمُودٍ أسطوريِّ من كتائبِ الأبطالِ الأبرارِ، وتضحياتٍ جِسامٍ تسدُّ عينَ النَّهار، وقوافلَ تتقاطَرُ لآلافِ الشُّهداءِ الأطهارِ، وكلُّها مَشاهِدُ استثنائيَّةٌ؛ سواءً على صعيدِ إجرامِ العدوِّ الصُّهْيونيِّ، أم الهوانِ العربيِّ الرَّسْمِيّ، أم الصُّمودِ الفِلسطينيِّ الأُسطوريّ؛ ممَّا يدعُ الحليمَ حَيرانَ شريدًا، والخَطيبَ المِصْقعَ مُفْحمًا بَكِيئًا، والقلمَ السيَّالَ جامدًا بليدًا.

ومهما طالَ عمرُ هذهِ الحربِ، فلنْ نَملَّ الحديثَ عن دُروسِها التي تتوالَى ولا تتولَّى، ولا عن بطولاتِها التي في كلِّ يومٍ تتجلَّى ولا تتخلَّى، فإنَّهُ من الخيانةِ أنْ ينصرفَ القلمُ عنها إلى غيرِها مهما عَظُمَ وجلَّ، فما بالكَ بالأوغادِ الذينَ يشغلونَ الأوقاتَ بمشاهدةِ المبارياتِ، ويولِغُونَ أقلامَهم بما حولَها منْ حَماقاتٍ ومُهاتراتٍ؟ ألا تبًّا لتلك الأقلامِ، وسُحْقًا لأولئكِ اللِّئامِ!

وإنَّ دروسَ هذه الحربِ لَمَفْخرةٌ يُجَرِّرُ بها الزَّمانُ ذيولَه، وشامَةٌ تُضَاعِفُ غُرَّتَهُ وتحجيلَه، وسأخصُّ هذهَ الخاطرةَ بالحديثِ عن أربعةٍ منها:

مفخرة يجرِّر بها الزمان ذيوله1 غزة مفخرة يجرِّر بها الزمان ذيوله

(1) الصُّمودُ الأسطوريُّ:

فبُعَيْدَ بدءِ الغَزوةِ المُباركةِ: (طُوفانُ الأقصى) سارعَ العدوُّ الصُّهيونيُّ إلى إعلانِ حالةِ الحربِ، لأوَّلِ مرَّةٍ منذُ أكثرَ من خمسينَ سنةً، بعد حربِ العاشرِ من رمضانَ، واستدعى جُنودَ الاحتياطِ، ليس فقطْ منْ داخلِ فلسطينَ المُحتلَّة، بل استجلَبَ جَحافِلَهم من الموظَّفينَ المُنتشرينَ في كلِّ أنحاءِ العالَمِ، وعلى الفورِ هبَّ العالمُ الصَّليبيُّ للرَّمْيِ معهم عن قوسٍ واحدةٍ، وكأنَّهم مُقبلونَ على حربٍ عالميَّةٍ، أو يُواجهونَ إحدى القُوى النوويَّةِ، وأقبلَ الهَرِمُ الخَرِفُ (جو بايدن) يَزِفُّ؛ لِيُدَنِّسَ الأرضَ الطَّاهرةَ المباركةَ؛ وليرفعَ عقيرَتَهُ قائلًا بالنصِّ: ” If there were not an Israel, we would have to invent one to make sure our interests were preserved,” (لو لم تكنْ هناك إسرائيل، لَكانَ علينا أنْ نخلُقَ واحدةً؛ للتأكُّدِ من الحفاظِ على مَصالِحِنا)، ولم يَكْتَفِ المُجرمونَ بهذا، بل استقدَمُوا عصاباتٍ من الإرهابيِّينَ المُرتزقةِ منْ كُلِّ أنحاءِ أوروبّا؛ إذ كانوا يدفعونَ إليهم أضعافَ ما يَحصُلونَ عليه في أوكرانيا، واستعَرَتْ نارُ حربٍ ضروسٍ، استُعْملتْ فيها كلُّ وسائلِ التَّدميرِ، بما فيها الأسلحةُ المحرَّمَةُ دَوليًّا، وتوغَّلتِ العِصاباتُ الصُّهيونيَّةُ بَرًّا بِعددٍ من الفِرقِ يفوقُ عَددًا وعُدَّةً القوَّاتِ التي احتلَّتْ شبهَ جزيرةِ سَيناءَ في ستَّةِ أيَّامٍ، وألحقتْ بالجيشِ المِصريِّ أشنعَ هَزيمةٍ في التاريخِ الحَديثِ، ولكنَّ المقاومةَ التي تتكوَّنُ من مجموعاتٍ قتاليَّةٍ غيرِ نِظاميَّةِ، والتي لمْ تتلقَّ تدريباتٍ في الأكاديميَّاتِ العسكريَّةِ صَمَدَتْ أمامَها، ولا تزالُ صامدةً حتَّى اليوم، وواجهتْ بأسلحةٍ متواضعةٍ أحدثَ الأسلحةِ لدى العدوِّ المُجرمِ، وحسبُكَ ما فعلتْهُ قذائفُ (الياسين 105) بالميركافاه الحصينةِ، التي حوَّلَتْها في مواطنَ عديدةٍ إلى هباءٍ منثورٍ، ممَّا يقطعُ بأنَّ الصُّمودَ لا يعتمدُ على أسلحةٍ متقدِّمةٍ، وإنَّما يُبْنَى على إرادةٍ فولاذيَّةٍ لا تعرفُ الانهزام، وعزيمةٍ صُلْبةٍ ليس من مفرداتِها الانكسارُ والاستسلامُ، فكثيرٌ من الدولِ تَصنعُ أسلحةً ذكيَّةً وغبيَّةً على حدٍّ سَواءٍ، ولكنَّ مصنعَ الأبطالِ يكادُ يقتصرُ اليومَ على فلسطينَ، فشتَّانَ شتَّانَ ما بين سلَّاحٍ مُتقدِّمٍ في يدِ جبانٍ رِعْديدٍ، وسلاحٍ بدائيٍّ في يدِ بطلٍ صِنْديدٍ، وصَدقَ الطُّغْرائِيُّ (ت513هـ) إذ يقولُ في لاميَّتِهِ، المعروفةِ خَطأً بلاميَّةِ العَجَمِ:

وَعَادَةُ النَّصْلِ أَنْ يُزْهَى بِجَوْهَرِهِ

وَلَيْسَ يَعْمَلُ إِلَا فِي يَدَيْ بَطَلِ

(2) الصَّبْرُ الخَارقُ:

 فقد عادَ بنا الشَّعبُ الفلسطينيُّ الصَّابرُ المرابطُ إلى زمنِ الصَّحابةِ الأبرارَ، فرأينا امرأةً يُنعَى إليها أربعةٌ من الأبناءِ، فَتَصْبِرُ وَتحتَسِبُهم شُهداءَ، مُعيدةً سِيرةَ الخنساءِ، ورأينا مَنْ تَزفُّ خبرَ استشهادِ أخوَيْها بثباتٍ عجيبٍ؛ داعيةً أبناءَ شعبِها إلى الصُّمودِ، مُرَدِّدةً (إنَّما النَّصرُ صبرُ ساعةٍ)، ورأينا مَنْ يُستشهَدُ ابنُه، فَيُثبِّتَ أقرانَه الذينَ يبكونَهُ قائلًا: (ما تعيطشْ يا زَلمة، كلُّنا مَشاريعُ شهادةٍ). ولعلَّ الصَّحفِيَّ (وائل الدَّحدوح) خيرُ مثالٍ يُمكِنُ أنْ يُقدَّمَ في هذا المقامِ، ففي الخامسِ والعشرين من أكتوبر استهدفتْ غارةٌ مُجرمةٌ مَنْزِلَه، فاستُشْهِدتْ زوجَتُه وابنُه وابنَتُه وحَفيدَتُه، وفي الخامس عشرَ من ديسمبر استهدفَهُ قصفٌ مُباشرٌ مع أحدِ زُملائهِ، فاستُشْهِدَ زَميلُهُ، وأُصيبَ هو بجراحٍ في كِلتا يديْهِ، وفي السَّابعِ من يناير الجاري استُشهِدُ ابنُهُ حمزةُ، فلمْ تَزِدْهُ هذه المَواقِفُ الَّتِي تَتَفَطَّرُ مِنها قُلوبُ الأبطالِ، وتخرُّ دَكًّا شوامخُ الجِبالِ إلَّا ثَباتًا وصُمودًا، بل كانَ يشرَعُ في تقديمِ تَغطِياتِهِ الإخباريَّةِ بعدَ كلِّ فَاجعةٍ بساعاتٍ مَعدودةٍ، مُؤمنًا بأنَّهُ جُنديٌّ يحملُ سِلاحًا لا يَقلُّ مُطلقًا عن البندقيَّةِ أو الصَّاروخ، وإنَّا لَنسألُ اللهَ أنْ يُبْقِيَه حتَّى يُعلِنَ بِلسانِهِ خبرَ النَّصرِ المبينِ، واندحارِ العدوِّ اللَّعينِ، وصَدَقَ مَنْ قالَ فيه:

رَجُلٌ إِذَا نَزَلَ البَلَاءُ وَجَدْتَهُ

مُتَرَفِّعًا، كَالضَّيْغَمِ المَجْرُوحِ 

وَإِذَا سَأَلْتَ عَنِ الشَّهَامَةِ وَالتُّقَى

فَانْظُرْ بِعَيْنِ الفَخْرِ لِلدَّحْدُوحِ

مفخرة يجرِّر بها الزمان ذيوله2 غزة مفخرة يجرِّر بها الزمان ذيوله

(3) التَّماسُكُ الوثيقُ:

 فهذهِ مَعركةُ وجودٍ للطرفَيْنِ بلا مِرْيَةٍ، ولعلَّ أعظمَ ما أثمرَتْهُ تَماسُكُ الصُّفوفِ، الذي بَدا جَلِيًّا بينَ فصائلِ المُقاومةِ من جهةٍ، فيما يُعرَفُ بـ(وَحدةِ السَّاحاتِ)، وبينَ المقاومةِ والشَّعبِ الفلسطينيِّ الحاضِنِ لها من جهةٍ أخرى، فقد كانَ العدوُّ اللَّعينُ يُعوِّلُ علَى ثورةِ المُواطنينَ على المقاومةِ، ومن ثمَّ تعمَّدَ أنْ يُثخِنَ في المَدنيِّينَ الأبرياءِ، حتَّى يخرجَ النَّاسُ في مُظاهراتٍ عارمةٍ ضدَّ المقاومَةِ، فتسقُطُ شرعيَّتُها، وينهدِمُ ركنُها الأشدُّ، ولكنَّ أحدًا لم ينبِسْ بِبِنتِ شَفَةٍ ضِدَّ المُقاومةِ، بل صَدَحتْ ألسنَةُ المَكلومينَ بأنَّهمْ جَميعًا فِداءٌ لِلمُقاومَةِ، وأنَّهمْ سيُقاتِلونَ حتَّى آخرِ فَردٍ فيهمْ، فالجِهادُ هوُ خِيارُهم الوحيدُ لِلانعتاقِ من أغلالِ احتلالٍ همجيٍّ يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذابِ، والموتُ في سبيل الله أسمَى أمانيهمْ بلا ارتيابٍ، وها هم يعيشونَ اليومَ في خيامٍ لا تدفَعُ عنهم هذا البردَ القارِسَ، ويستهدِفُهُم العدوُّ السفَّاحُ في خيامهمْ، ولكنَّهم ما زَادوا إلا ثباتًا وصُمودًا واستعصاءً على التَّهجيرِ أو الانكسارِ. كما عوَّل العدوُّ المُجرمُ على حُدوثِ شِقاقٍ بينَ فصائلِ المقاومةِ، وبخاصَّةٍ كتائبُ القسَّام، وسرايا القُدْس، وشُهداءُ الأقصى وغيرها، فلم يحدَّثْ -بفضلِ اللهِ- ما توخَّاهُ من الوقيعةِ، وما فَتِئ المُتحدِّثونَ بأسماءِ الفصائلِ المختلفةِ يثمِّنونَ تضحياتِ إخوانِهم في الفصائلِ الأخرى، على الرَّغمِ من اختلافِ المَرجعيَّاتِ والأهدافِ والوسائلِ، ولكنَّهمْ مُرابطونَ في خَندقٍ واحدٍ، تَجْمَعُهم عُروةٌ وُثْقَى لا انفصامَ لها، وهي عروةُ مُقاومةِ هذه العصاباتِ الإرهابيَّةِ، ويَحدُوهم أملٌ في فجرٍ قريبٍ يُسفرُ عن شمسِ الحريَّةِ، وما أظنُّهم يَغفُلُونَ عن أنَّ التَّنازُعَ الذي يتوخَّاهُ العدوُّ هو الطريقُ الأعظمِ للفشلِ وذَهابِ الرِّيحِ، مِصْداقًا لقولِه تَعالى: (وَلا تَنازَعُوا ‌فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، وللهِ درُّ الحكيمِ إذ أوصَى أبناءَه قائلًا:

كُونُوا جَمِيعًا، يَا بَنِيَّ، إِذَا اعْتَرَى

خَطْبٌ، وَلَا تَتَفَرَّقُوا آحَادَا 

تَأْبَى الرِّمَاحُ، إِذَا ‌اجْتَمَعْنَ، ‌تَكَسُّرًا

وَإِذَا افْتَرَقْنَ تَكَسَّرَتْ أَفْرَادَا

(4) التَّمْحِيصُ الكاشفُ:

فقد أماطتْ هذه المعركةُ المصيريَّةُ كثيرًا من الأقنعةِ، وللأسفِ فَضحتْ عُوارَ كثيرٍ من الأنظمةِ العربيَّةِ المُهترئَةِ، التي وقفتْ مواقفَ أقلَّ ما تُوصفِ به أنَّها هَشَّةٌ هزيلةٌ سَقيمةٌ، تَفوحُ منها رائحةُ الخِذلانِ العَفِنَةِ، وبعضُها يهوِي في دَرْكِ التَّواطُؤِ والتَّآمُرِ، فَما تزالُ بينَ بعضِ الأنظمةِ العربيَّةِ والكيانِ الإرهابيِّ علاقاتٌ دبلوماسيَّةٌ وتجاريَّةٌ، وتنسيقاتٌ مُلطَّخةٌ بِعارِ الخِيانةِ العلنيَّةِ، وما تزال جُلُّ التَّحرُّكاتِ لا تَعدُو مُستوى الخطابيَّةِ الفَارغَةِ، والمُيوعَةِ البغيضةِ، فَعَجبًا لدولٍ كُبرى لا تستطيعُ إدخالَ شاحنةِ مُساعداتٍ، ولا سَيَّارةَ إسعافٍ، ولا تَستقبلُ جَريحًا إلَّا بإذنٍ مُسبقٍ من الصَّهاينةِ المُجرمينَ؟!

وفي المقابلِ ظهرتْ دُولٌ حُرَّةٌ على رأسِها جنوبُ إفريقيا ودُولُ أمريكا اللَّاتينيَّة؛ إذ سارعتْ إلى قطعِ علاقاتِها مع الكِيانِ المُحتلِّ، ورفضتْ إدانةَ هجومِ (طُوفان الأقصى)، وعدَّتْهُ ضربًا من المقاومةِ المَشروعَةِ دينيًّا وقانونيًّا، ناهيكَ عن سَماحِها بالتَّظاهُرِ وجَمْعِ التبرُّعاتِ دَعْمًا للمُقاومةِ، ولعلَّ أعظمَ التحرُّكاتِ ما قامتْ به جنوبُ إفريقيا من رفعِ دَعوى ضدَّ الكيانِ المجرمِ أمامَ محكمةِ العدلِ الدوليَّةِ بتهمةِ الإبادةِ الجماعيَّةِ وارتكابِ جرائمِ حربٍ، ومَهما تكنْ نتيجةُ هذه الدَّعوى، أو أثرُها على أرضِ الواقعِ، فقدْ سجَّلَتْ مَوقفًا أخلاقيًّا رائعًا؛ لأنَّها قد اكتوتْ منْ قبلُ بنارِ التَّفرقةِ العُنْصريَّةِ، وتعلمُ عِلمَ اليقينِ أنَّ الكيانَ الإرهابيَّ كانَ أكبرَ دَاعمٍ بالسِّلاحِ لِنظامِ الفصلِ العُنصريِّ البائدِ، وتُدرِكُ ألمَ المُعاناةِ التي يكابدُها الشَّعبُ الفلسطينيُّ، ولا غَرْوَ، فقد قال زعيمُها التَّاريخيُّ: (نيلسون مانديلا) قَولَتَهُ الخالدةَ: (إنَّ حُرِّيَّتَنا لَنْ تَكتَمِلَ بدونِ حُرِّيَّةِ الشَّعبِ الفِلسطينيِّ)، ويبدو أنَّ المُقاومةَ تسيرُ على دَربِه الصامدِ، وتضعُ نُصبَ عَينَيْها مَقولَتَهُ المُسجَّلَةَ في سِفْرِ الشَّجاعَةِ بِحُروفٍ من نُورٍ: (إنَّ الجُبَناءَ يَموتُونَ مَرَّاتٍ عديدةً قبلَ مَوْتِهم، والشُّجاعَ لا يذوقُ المَوتَ إلَّا مَرَّةً واحدةً). وكأنِّي بتلكَ الدُّوَلِ القَصِيَّةِ بُقْعةً، الدَّانِيَةِ قلبًا ورُوحًا تقومُ مقامَ النَّجاشيِّ، الذي آوى المُسلمينَ، وقتَ أنْ خَذَلتْهُم قرابِتُهم من المُشركينَ، فكمْ في الغُرَباءِ من نَجاشيٍّ كَريمٍ، وكمْ في الأقرباءِ مِنْ سَلُولِيٍّ لَئيمٍ!

وختامًا، فقد قادتْ هذه المعركةُ الخالدةُ القضيَّةَ الفلسطينيَّةَ إلى قِمَّةِ الأخبارِ، وأماطتْ كلَّ ما أهالَه الصَّهايِنَةُ والمُتَصَهْيِنُونَ عليها من غُبارٍ، وعَرَّتْ همجيَّةَ هذا الكيانِ الإرهابيّ أمامَ العالمِ أجمع، وأكَّدَتْ بما لا يَدَعُ مَجالًا للشكِّ أنَّ استئصالَ هذا الوَرمِ السَّرطانيِّ هو الدَّواءُ الأنْجع، وأنَّ مَهْرَ الحُرِّيَّةِ رخيصٌ مهما كانَ الثَّمنُ باهظًا، وأنَّ لذَّة الشِّفاءِ هنيئةٌ مهما كانَ الدَّواءُ مُرًّا، ولله درُّ أحمدُ شوقي (ت1932م)؛ إذ يقولُ في قصيدتِهِ الخَالدةِ، مُخاطِبًا أهلَ دِمشقَ بعد القصفِ الهَمَجِيِّ الفرنسيِّ، الذي دَمَّرَ عَاصِمَتَهم التَّاريخيَّة عام 1925م:

وَلِلْأَوْطَانِ فِي دَمِ كُلِّ حُرٍّ

يَدٌ سَلَفَتْ، وَدَيْنٌ مُسْتَحَقُّ 

وَمَنْ يَسْقِي وَيَشْرَبُ بِالمَنَايَا

إِذَا الأَحْرَارُ لَمْ يُسْقَوْا وَيَسْقُوا؟ 

وَلَا يَبْنِي المَمَالِكَ كَالضَّحَايَا

وَلَا يُدْنِي الحُقُوقَ، وَلَا يُحِقُّ 

فَفِي القَتْلَى لِأَجْيَالٍ حَيَاةٌ

 وَفِي الأَسْرَى فِدًى لِهُمُ وَعِتْقُ 

وِلِلْحُــــرِّيَّــــةِ الحَمْرَاءِ بَابٌ

بِكُلِّ ‌يَدٍ ‌مُضَــــرَّجَةٍ يُـــدَقُّ

د. مصطفى السواحلي

د. مصطفى السواحلي أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية، سلطنة بروناي دار السلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى