أدبأشتات

فصولٌ من ظلال الطوفان

براءة استهلال:

ابتداءً، إن كنتَ تظنُّ أنَّ الحياةَ مجرد أكلٍ وشرب ونزوعٍ إلىٰ الرَّغبات كيفما اُتْفِق، فطبيعي أن تعيشَ بلا قضية! يكفي المرء عيبًا وذلًّا أن يعيشَ بلا قضية، ينافحُ عنها، وينتصر لها.

مَن نحن إذا كنَّا نعيشُ بلا قضية؟!

لا شيء.

مفتتحُ الحكاية:

فوجئ العالمُ بحدَثٍ أربكَ تفكيره، عمليَّة بطوليَّة محكَمة، تهاوت على مطارقها قواتُ العدو في غضونِ ساعاتٍ ثلاث، ولما أفاقَ النَّاسُ من وقعِ الحادثة، بدأوا في الحديث، فشرَّقوا وغرَّبوا، لكن الذي لفتَ نظري، المتلقي المغيَّب الذي لا يعرفُ من الحكايةِ إلا أنَّ غزَّة مدينة “كانت” سالمة آمنة سَتُحَوَّلُ في قابلِ الأيَّام إلى رماد.

ما قبل البداية:

مدينة غزَّة منذ أعوامٍ تعيشُ في حصارٍ منيع، مدينةٌ بلا حدود، منظارُ رؤيتهم إلى الأعلى فقط، تحدُّهم السَّماء، غزَّة بتعبيرٍ مكثَّفٍ جليٍّ “سجنٌ كبير”، سجانوه كثر، للإبقاء عليهم تحتَ وطأة السُّكون، والرضوخ، خنقوهم في بقعةِ الشَّرف فتنفسوا الحريَّة من شقوقِ الأرض.

ثمَّ، في الأعوامِ الأخيرة – لأسبابٍ عديدة – خَفَتَ الكلام عن قضيةِ فلسطين، وحقهم المسلوب، تناساها النَّاس، وانشغلوا بمصائبهم، وحيواتهم، ثمَّ وجدنا أنفسنا وقد سارعَ القوم ركضًا نحو التَّطبيع، وإنهاء ملف القضيَّة، ليُمنح الضَّحيَّة بعض الفتات للرُّضوخِ لواقعٍ حتميٍّ تشكَّل على ظلالِ صفقةِ القرن.

للمقاومة رأيٌ آخر:

كانت صرخة السَّابع من أكتوبر، تعني: أنَّ الحقَّ لا يسقطُ بالتَّقادم؛ ولو تخادمَ العالمُ لدفنك، ولو ظهرَ التَّطبيع وكأنه أمرٌ لا مفرَّ منه! والهدوء المؤقت لا يعني الموت، والرِّضا بالواقعِ المفروض، لقد أبانوا عن حركةٍ دائبةٍ في البناءِ، والتَّطوير، وتمتين السَّواعد، ورسم خارطة الخلاص باللغةِ التي يفهمها العدو. وأثبتوا للعالم: أنَّ زوال الكيان فكرة قابلة للتَّحقق، لا شكَّ ولا مريةَ في ذلك، متى ما التحمت السَّواعد، واجتمعَ النَّاس على قضيتهم المركزيَّة، وإنَّما النَّصر صبرُ ساعة!

ولكم أن تعلموا، أنَّ قيامة السَّابع من أكتوبر، أحيت ما اندثرَ في النُّفوس من معاني التُّحرر، أحيت رابطة الأخوة التي أضعفتها صوارفُ السِّنين، أعادت القضيَّة إلىٰ الواجهة، صفعت التَّطبيع علىٰ قفاه، وكشفت المستور، عن المواقف، والرِّجال، وظهرَ الغرب (المتحضِّر) بوجهه القبيح، واكتشفَ أحرارُ العالم – فجأة – أنَّ إسرائيل دولة قبيحة، بشعة، تحيا على الموت، والدِّماء!

فما قبلَ السَّابع ليسَ كما بعده، فلا تجزعوا، “هذا ما ينتظره الأبطال منذ أول درسٍ من دروس الإعداد، هذه أمنية الفتيان، ودعاء الآباء، ووصايا الشُّيوخ؛ أن يجمع الغاصبَ الجبانَ والمجاهدَ الصامدَ ميدانٌ“.

الأقصى غزة مدمرة فصولٌ من ظلال الطوفان

العنف المباح:

لمَّا أوقعَ القومُ هزيمةً منكرة – في يومِ «السَّابعِ من أكتوبر» – بالكيانِ الغاصِب، وشهد التَّاريخ ببطولته الخالدة = غسَلَ الكيان هزيمته بوابلٍ من العنف، تغطية على النَّصرِ الكبير الذي حقَّقته المقاومة، فتمادوا في غَيِّهم، وانهمكوا في غوايتهم، وأوضعوا في إجرامهم، وتتابعوا في عمايتهم عن قتلِ الأطفال والنِّساء والأبرياء، وتاهوا في ضلالهم بضوءٍ غربيٍّ سافِر للقضاءِ على الخطرِ المحدِق القادم من غزَّة المحاصَرة، المخنوقة بأيديهم.

سقوط السَّردية الغربيَّة:

بعض دول الغرب، أظهرت تطبيقًا حاسمًا لمفاهيم «الولاء والبراء» والتَّفوق العرقي بكلِّ جلاء. في حين تراجعَ – لدينا – خطابُ ”الولاء والبراء“، واتُّهمَ من ينادي به بالأصولية، وضيق العطَن، ومحاربة الإنسانيَّة؛ وأغرقنا في الخطابِ الإنسانوي، والانسياق وراء لافتاته المرتبكة. ولعلَّ مقولة الشَّاعر الإنجليزي كبلينغ (ت: 1936) «الشَّرق شرقٌ والغرب غرب ولن يلتقيا أبدًا»، تحمل الكثير من معاني الحقيقة التي لا تقبلُ التَّغيير، وإن توهمنا ذلك.

لقد رأى الغربُ أجسادَ النِّساء والأطفال تتمزَّق أمامهم في المستشفيات المهدَّمة، ولم يحركوا ساكنًا، ما حدثَ في غزَّة ليست مجرد إبادة، بل أكبر فضيحة للنِّفاقِ الغربي، القائم على الاِزدواجية، وتطفيف الميزان. لم يكتفوا بذلك، بل خلقوا سردياتٍ مكذوبة في وجه الحقيقة لتصديرها إلى العالم، تدينُ المظلوم، وتمنحُ الظَّالم المغتَصِب حقًّا مطلقًا في صنعِ صورةِ الخراب الكبير. ولهذا، يقترحُ أحدهم “أن نربّي الغضب، بوصفه فردًا من العائلة، بوصفه شقيقًا، أخًا حميمًا، شعورًا يوميًا، تجهمًا دائمًا، بصقة هائلةً، في وجه الأرعنِ، الذي يُصَدِّق كل شيء عن خدشه الذي لا يُرى، ويكذِّب كل حقيقة عن سحلِ جماجم أطفالنا”.

لم تشكِّل هذا الازدواجية، استغرابًا لمن عرَفَ الغرب، وخَبَرَه، وعَرَفَ تصوره عنَّا، وتعامله معنا، بل، أحدثت صدمة لمن اتخذه إلٰهـًا، ومُرِّرَ عليه الزَّيف بلسانٍ إنسانيٍّ مبين، فلما دقَّت ساعة الصِّفر، نظروا إلينا وكأننا عبء ثقيل على الكوكب، فأباحوا العنف، ووضعوه في قالبِ “الدِّفاع عن النَّفس”، فهل هناك تعرية للغرب أكبر من هذه؟!

يقول أستاذي: عندما قرأتُ كتابَ الشَّيخ الغزالي (ت: 1996) «ظلامٌ من الغرب» منذ عقديْن من الزَّمن؛ ظننتُ الشَّيخ بالغَ في تصوراته، وأطروحاته الفكريَّة عن الغرب، ثمَّ تكشَّفت الأحداث عن فراسة المؤمن، وحقيقة الغرب الذي حاله حال سور جهنم، باطنه فيه الرَّحمة وظاهره من قِبَله العذاب، فدعاوىٰ الإنسانيَّة وحقوقها والقانون؛ يقصدون بها الإنسان الغربي فحسب، ولغيرهم الدَّمار!

ظلَّ المفكرونَ، والأحرار، يحذِّرونَ من اِنحياز الغرب، وعنصريته، وهشاشة البنى الأخلاقيَّة له، لكنَّ أحدًا لم يستمع، حتى أتت معركة غزَّة، اِختصرت المسافة، وتعرَّت شجرةُ الإنسانيَّة، فأدركَ النَّاسُ ما غفلوا عنه منذُ عقود!

فصولٌ من الحكاية في زمنِ الزَّيف:

لمَّا تمالأ الشَّرقُ والغرب على غزَّة، وضرَبَهم الخذلان من كلِّ مكان، أدركَ المواطنُ العربي المغلوب، أنَّ الأمَّة تدور وتدور، ثمَّ تكتشفُ أنَّ الرأسَ -دومًا- أسُّ البلاء، ولهذا يُشَلُّ الجسد، ولا يقوىٰ علىٰ الحَراك، وإن بذَلَ جهده، وحسنت نيته، وتمنَّىٰ الأماني! ولهذا، كان لزامًا أن نحافظَ على أنفسنا وعلى من تصلُ إليه كلماتنا، بالوقوفِ على ثغورِ الحقيقة، والذَّب عنهم، وكشف الزَّيف الذي يحيطُ بهم، وردِّ الخذلان الذي يطالهم، وذلكَ قدرنا المتاح في موقعِ المعركةِ الكبرى، فكانت هذه الفصول العابرة، أوردها لكَ على النَّحو الآتي:

الأقصى غزة مدمرة 1 فصولٌ من ظلال الطوفان

- فصلٌ في مكارمِ القلمِ والانتصار للشَّرف:

ما فائدة القلم إن لم يشرف بالكتابةِ عن أمجادِ البطولة، وعنوان الشَّرفِ العالي، وبقعة الضّوء في عالمٍ محكومٍ بمعاني الذُّل، والظُّلم، والهوىٰ!

ففي مُستأنَفِ الأيَّام، سيفخرُ الكاتب بسطورِ العزِّ والفخر التي طرَّزها نصرةً للقضية، وكفاحًا عن حقِّ الأمَّة، وانتصارًا للمظلومِ والعهد، في حين ستجد بعضُ الكتاباتِ العابرة للسَّرير، والنَّهد، والكعب، مكانها في مقبرةِ النِّسيان، فحقُّها الطَّرح والإهمال.

- فصلٌ في الاِلتحام الشُّعوري مع المعركة:

يا رفيق،
الأيَّام دوَّارة،
فلا تظنَّنَّ أنكَ بمنأى عن الذي يحدثُ في تلكَ البقاع.

لا تتعايش مع الحدث ببرودِ العابر دونَ أن تشمَّ رائحة الموت، والبارود؛ والخراب!

وطِّن نفسكَ – في لحظاتِ الملاحم – علىٰ الإحساسِ بالألم، والوجع، لتتقد نار الثَّأر التي لن تخمدَ إلا بزوالهم.

أغْمض عينَيْكَ، وتخيَّل أنكَ تقبعُ مترقِّبًا في بناءٍ يكادُ أن ينهد، يحيطُ بكَ الموتُ من كلِّ مكان، انظر إلىٰ أطفالكَ وتخيَّل حجمَ الخوف الذي يعتريهم، لتمسكَ جمْرة الاِنتماء، فتمتزج العوالم!

يا رفيق:
إيَّاكَ والجَزع، فإنَّ سبيلَ التَّحرُّر مفروشٌ بالدَّم، والنَّار، ولا تُرفعُ رايته إلا علىٰ كثبانِ الجماجم، تلكَ سنَّة الله، مذْ خلقَ الأرضَ، وتَدافَعَ الخلق. فلا تبتئس.

فإنَّما النَّصر صبر غزَّاوي يقفُ في العراءِ وحيدًا بلا غطاء يحيي الموتَ بكلتا يديه، ويصرخُ في وجهِ العالمِ القذر: ننتصر أو ننتصر، وليسَ لكم إلا اللعنة والفناء!

الأقصى غزة مدمرة 2 فصولٌ من ظلال الطوفان

- فصلٌ في الثَّبات ومعنى الحياة:

اِعلمْ يا رفيق،

أنَّ الحياةَ جُبِلت علىٰ الكَدَر، والخيبات، وما لانتْ إلا لمغامرٍ سحَقَ الجدرانَ ومضىٰ في سبيله غير هيَّاب، فلا تركن إلىٰ الحُزنِ المُقْعِد، ولا تُغْرِق في لعنِ الزَّمنِ الذي وجدنا فيه، ولا في ذمِّ الخذلانِ الذي لحِقَ بنا، ولا يأخذكَ الحالُ المبكي الذي نعشيه لليأسِ والانزواء.

الآن الآن، الجميعُ في معركة، الثُّلة المباركة هناك، ينحتونَ آيات المكارمِ والخلود، يعملونَ جهدهم، وعلينا أن نستفرغَ الجهد، فقليلُ العاجِزِ كثير، فلا تحقرنَّ شيئًا، ولو كانَ حبسًا للنَّفسِ عن رغائبها، نصرةً للقضيةِ الكبرىٰ.

يا رفيق:

التَّحرر ثمنه مرتفعـًا، فما هم بأول من يدفع ثمنه، وقد سلك آخرهم طريقَ أولهم، وبذا قضت سنَّة الله، وقضت بذلكَ الأيَّام والأخبار والأقدار، فالأيادي المرتعشة لا يُعَوَّلُ عليها، وطلاب الذُّل محرومونَ من لذة العطاء، وما الحياة بلا قضيةٍ تنتصر لها؟!

فإيَّاك.. إيَّاك،

لا تترك فراغًا إلا سددته، ولا هامشًا إلا تحركتَ فيه، ولا كلمة إلا رددتَ بها، ولا خذلانًا إلا وقفتَ تجاهه بكلِّ رجولة ونُبْل، فإنَّ المجدَ كلّ المجد أن نبذلَ الوسع، وقد أحْكمَ القيدُ معاصمنا، فنحظىٰ ببركةِ الطوفانِ وسناه، ولا عزاءَ لكلِّ مخذِّلٍ، جبانٍ، خوَّار، أظهرَ العقلَ والرزانة وهو خلوٌ منها، وما حملهُ علىٰ ذلكَ إلا صَغار يجده في نفسه، وذلٌّ يأبىٰ الانفكاكَ عنه، فأنَّىٰ لمثلهِ أن يعرفَ الرُّجولة.

- فصلٌ في الوثوق بموعودِ الإله:

يا رفيق؛

 في قابلِ الأيَّام، ستسمعُ من يسخرُ من ثباتِ الرجال القائم علىٰ ركامٍ من الدَّمِ والأشلاء، سيلومونَ صاحبَ الحَق، وسيأتي من يقول: كانوا، ثمَّ بادوا، وما كانَ أغناهم عن ذلك. فلا تبتئس!

والذي لا إله غيره: إنَّا لنثقُ بموعوده.

 لو فنيَ الرجالُ عن بكرةِ أبيهم – عياذًا بالله – لما زادَنا ذلكَ إلا يقينًا: أنَّ الله شرفهم، واصطفاهم لنصرةِ دينه، ومقدَّساته، وكرامة خلقه، وقد أعذروا إلىٰ الله، وحملوا علىٰ كاهلهم شرفَ أمَّةٍ مهدور…! 

وليأتينَّ الله من يسيرُ علىٰ ركابهم، ويكملُ ما بقي عالقًا، فالفكرةُ لا تموت، والحقُّ لا يسقطُ بالتَّقادمِ ولو تمالأ علىٰ دفنه الشَّرق والغرب، فلا استسلام، حتىٰ يمنَّ الله بالنَّصرِ الحتمي، وإنه لآتٍ آتٍ؛ ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون.

- فصلٌ في إنقاذ الملهوف بينَ العرب وأشباههم:

كانَ البدوي الحر الشَّريف لا يحتملُ أن يرىٰ عابرَ سبيل، وقد مسَّه الجوع، أو ضيف نزَلَ به، ولا يعمدُ إلىٰ ضيافته، والقيام بواجبه، وإكرامه.

فإذا قدِمَ الضيف أو المحتاج ولم يجد الرجل ما يعطيه؛ ويكفي حاجته = لجأ إلىٰ أقربِ مرعى (ويعتدي بنفسه أو يرسل من يعتدي) علىٰ غنمِ جاره أو غنم أي فردٍ من أفرادِ العشائر المجاورة لمنزله، دونَ أن يستأذنَ صاحبها، فيذبحها، ويُقري بها ضيفه!

وقد توافَقَ العقلُ الجمْعيُّ البدوي: أنَّ الضيفَ إذا طرقَ بابكَ علىٰ حين غرة، وجلسَ علىٰ فراشك، وتوقع منكَ أن تكرمه، أجازوا أن تعْدُو فتحضر شاة من غنمِ جارك، فتذبحها، وتطعم ضيفك، وعابر السَّبيل؛ ومن نزلَ بحماك!

لأنهم – لنُبْلهم – لا يردونَ من سألهم، واستجارَ بهم، حتىٰ لا يكونوا سُبَّة بينَ العرب!

واليوم، يذبحُ الجار، ويموتُ الأطفال، وتهدمُ المدن، وتنتهكُ كل الحرمات، (ولا عِدَاية)، بل يمعنُ الجار في خنقِ الضَّعيف الذي نزلت به الأهوال، فيا لله ما أكرم العرب، وما أجبن أشباههم.

الأقصى غزة فصولٌ من ظلال الطوفان

- فصلٌ في بيان المكارم والفداء:

الجهد الذي يقومُ به الرِّجال في تلكَ البقاع، أنشودة خالدة بلحنِ الإباء الذي لا يقبلُ الاِنكسار، الدورُ البطولي الذي يمارسُه الأطباء؛ يفوقُ الوصف، إنهم حرَّاس المدينة؛ وملائكتها. العملُ الذي يجترحه الصَّحفي، لفضحِ الكيان، ضربٌ من ضروبِ الفداءِ، والرجولة، وكل جهدٍ يُمارسُ لرفعِ الظُّلمِ، واستعادة الحق، بطولة ستبقىٰ خالدة في الوجدانِ والضَّمير، وحدهم أولئكَ الجبناء، لا عزاءَ لهم، ستبقىٰ لعنة الخذلان وصمة عارٍ تجللهم حتىٰ الممات، قومٌ لا خلاقَ لهم، لم ينالوا شرف النُّصرة، ولم يوفقوا لطريقِ الكرامة الذي لا يخضعُ لمنطقِ العجزِ والخورِ.

- فصلٌ في كشف عوار التَّدين المغشوش:

بلينا بأفكارٍ مسمومة، أخلَدَت إلى الذُّل، وألقت إليه مقاليدها، راحت تنهشُ عرض الأبطال، وتتنقصُ من فعالهم، يمعنون في التَّخذيل، بحججٍ دينيةٍ يعوزها الفهمُ المستقيم، فأنَّى لهم أن يدركوا أنَّ: تعيير المظلوم المخالِف، بمنهجه، وطريقته في فهمِ الحياة، والدِّين، عندَ البَغي عليه = قلة دين، وضعف مروءة، وافتقارٌ للنُّبل. فكيفَ إذا كانَ المظلومُ أجلُّ منكَ، علمًا؛ وفهْمًا، وجهادًا، وأشرفُ منكَ موقفًا ورجولة؟

لو ظُلِمَ «جماعة» لا يجمعنا بهم دين؛ لنصرناهم عروبة وحمية، فكيف بمن يجمعنا بهمُ الدِّين واللغة والنسب، وهيأهم الله لحمايةِ مسرىٰ نبيه، واختارهم ليكونوا في جبينِ معارك أمتنا الكبرىٰ؟!

بعضُ الدَّراويش ممن كانَ يحدثُ النَّاسَ عن «الفئةِ القليلة التي غلبت فئةً كثيرة بإذنِ الله»، ويبكي من وهجِ اليقين لدىٰ القوم الذينَ غالبوا الدُّنيا، وفتحوها. وعندما قدِمَ الأحفاد ليفعلوا فعلَ الآباء، حذو الدَّم بالدَّم، والصَّبر بالصَّبر، تحولَ الدراويش والكهنة إلىٰ الخطابِ السلولي السَّاخر من الجيلِ الأول: «يعدُ أصحابه بفتحِ فارس والرُّوم وهو يضعُ الحجرَ علىٰ بطنه من الجوع»، ثمَّ مضىٰ النَّبيُّ الأعظم ورفاقه إلىٰ ذرىٰ الخلود والمجد، وطوىٰ النِّسيان لحىٰ السُّوء، ولا عزاءَ لكلِّ مخذلٍ خوَّار. «فلا أعلمُ بابًا أجمع لخصالِ المكروهِ من الذُّل».

الروح فصولٌ من ظلال الطوفان

- فصلٌ في كلمات ومواقف خالدة:

وقفَ الأول بثباتِ الجبال، فقال معتصمًا: «معلِش».
وتهكَّم الملثَّم، فقال: «لا سمحَ الله».
فلا يروعكَ أن يحتفي التَّاريخ بهما لعقودٍ قابلة، وتُضمَّن في صلبِ معاجم البطولةِ والشَّرف بحمولتهما المضمَّخة بالرجولةِ والعنفوان!

الرجلُ الجسور الذي يقبلُ ابنته، ويشمها، ويقبلُ عينها، وهي ميتة بينَ يديه = سبحانَ من سقاهُ ماءَ اليقين، وغسلَ روحه بأنوارِ الرِّضا، والتَّسليم، رجلٌ كأنه قُدَّ من الفولاذ، وإنَّ موقفَ الفتاة غافية بينَ يديه غفوة الموت؛ لتزول لهوله الجبال، فو الله الذي لا إلٰه غيره: إنَّ ما نراه ضربٌ من ضروبِ الاصطفاء، قومٌ قدرهم التَّضحية، والبذل، وقدرهم الانتصار بحولِ الله.

«لا يضرهم من خذلهم».

- فصلٌ في اللوم وخطل التصورات:

دومًا نقع في «فخ» إلزام الخلق بالتَّصور الحاضرِ لدينا، وإن تجاوزوه = رميناهم باللوم، ولمزناهم، لا لشيء وإنما بسببِ خروجهم عن التَّصور الذي رسمناه لهم، ونؤمنُ به!

– فماذا عن الموازناتِ التي يؤمنُ بها القوم؟

لا شأنَ لنا بها!

وهذا لعمري من الخطأ الذي يقعُ فيه بعضهم، لا يرونَ قضية في الوجودِ إلا قضيتهم؛ ثمَّ هم لا يطَّردونَ في إلقاءِ اللوم والعتب علىٰ كل من خرجَ عن الدائرة التي يدور تفكيرهم حولها، فيعمدونَ إلىٰ الحلقةِ الأضعف، يشبعونها لومًا وتقريعًا، وبعضهم يمنُّ عليهم بشتىٰ المِنَن متجاوزًا معاني المروءة والنُّبل!

وحاصلُ الأمر:

الحياة معقَّدة، والتَّحالفات أشدُّ تعقيدًا، لا عداوات دائمة، ولا صداقات، عالمٌ يمورُ بالمتغيرات، صعبُ المرام، بعيد المتناول، شديد المزاولة، والمراس، يسيرُ فيه القوم وَفْق المصلحة التي اهتدوا إليها، فكفوا عنِ اللوم، وحصنوا ألسنتكم، يرحمكمُ الله.

- الفصل الأخير:

غزة، لن تُضام، ولن يتركها الله.
“وإنه لجهاد نصرٌ أو استشهاد”.

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. سيهزم الجمع ويولون الدبر… إن هذه المحن من باطنها تأتي المنح وما النصر إلا من عند الله تخاذل من تخاذل و أبى من أبى
    إن هذه الكلمات من الواجب أن تصل لكل متغطرس يدندن للغرب ويصفق ڵـهٍ ويثبط أهل الحق ويهزأ بهم أن يقرأها ليعلم أن الباطل جولته جولة والحق يخبو ولكنه لٱ ينطفئ
    إن هذه الأحداث كشفت الغطاء عن كثيرين ممن هم محسوبين علينا أنهم مسلمين والإسلام منهم براء فالإسلام شعار ودثار ليس شعار وحسب.. نفع الله بكم أخي الكريم وزادكم الله من فضل. ودمتم في رعاية الله.
    أختكم أم الفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى