أشتات

مذهبي في القراءةِ والكتب

الكتب، وما أدراكَ ما الكتب ، ثمَّ ما أدراكَ ما الكتب.

أراني أكرِّرُ دومًا: الكتبُ زينة الدُّنيا، وعِزّ الرجل، وسنده في الأيَّام الشَّاقة، ورفيقة أيَّامه، وصديقة عمره، وونيسة لياليه، وحبيبة قلبه، يرعى كتبه كما يرعى ولده وزوجه، بل أشد منهما وأكثر، يجد فيها الوفاء والصَّديق الأمين. يفخرُ بها كما يفخرُ بقومه، وأمجاده، بل فخره بكتبه أشد وأكبر، فإنها عرقُ الليالي، وكدُّ الأيَّام، والبهجة المنتظرة، والعز الباقي، وهي متنزهات القلوب كما قال ابن دريد، وهي فضاءات الرُّوح، والنَّعيم الخالص، والأنس الصَّافي، وهي قرَّة العين، ومكنون الفؤاد.

 

ولمكانة الكتب وأهمية المكتبة، أهدى إليها الكاتبُ بلال فضل كتابه الجميل “في أحضانِ الكتب”، فقال:

“إلى أحب بقاع الدُّنيا إليّ، إلى تحويشة عمري وبهجة زماني

وشريكة صباحاتي وونيسة لياليّ ورفيقة ضُهريّاتي،

إلى مغذيتي عن سؤال اللئيم، وصُحبة الأنذال، 

إلى مكتبتي”.

 

يغارُ الرَّجل على كتبه كما يغارُ على حريمه، فلا يعير كتبه لأحد، ولا يسمحُ بخروجها من بيته، وهو يعلم علم اليقين: إنَّ فقدانَ كتاب أشدُّ وأقسى من فقدانِ الولد (وهذا ضَرْبٌ من المبالغةِ محبَّبٌ لعشَّاقِ الكتب)، وقد ذكروا كثيرًا وكتبوا عن الذينَ مات أولادهم ولم تصبهم لوثة، لكن قَرأنا عمن أصابه الكمد والحزن وكادت نفسه تذهب حَسَرات لمن فقَدَ كتابًا، وكانوا يبعثون التَّعازي إليه كأنه فَقَد بعض أهله وولده!

 

وحبُّ الكتب من النَّعيم المُعجَّل للإنسانِ في الدُّنيا، وهو فضلُ الله يؤتيه من يشاء، فإن كنتَ منهم فاحمدِ الله على ما وَهَب، فإنَّ النّعم تزدادُ بالشُّكر للمُنْعِم، ومن أجمل ما وقفت عليه في محبَّة الكُتب وصف القفطي لابن شاكر الكتبي: “وجمعَ من الكتبِ ما لا يوصف، وكان لا يحبُّ من الدُّنيا سواها”.

 

والكتب مسببة لما أسميه: “المرح العالي”، هذه الحالة من النَّشوة العقلية والنَّفسيَّة والروحية ليست رفاهية بأي حالٍ من الأحوال، إنما هي حالة من قدح زناد العقل بالفكرة وتطويرها والاشتباك معها والاتفاق والاختلاف حولها، أنتَ لا تقرأ إلا ما يمتع ويلذ ويبهج ويؤنس وتجد له صدى في عقلكَ وروحك، تكون نفسك كأرضٍ خصبة، والكتب هي البذور التي تُلقى فيها، قد تجد فكرة تصلح كموطن إنبات فتزداد وتتطور وتتكاثر مع الأيَّام، وقد تجد فكرة موضعها صلدًا لا زرع ولا ماء ولا حصاد تبعًا لذلكَ فتموت رويدًا رويدًا، قد تجد نفسك أميل لفنٍّ أو نوعية من الكتب وتنفر من فن آخر ونوعيةٍ أخرى.

 

والنقاش العلمي في الكتبِ التي تقرؤها، تجعل آفاق العقل أرحب، والمقروء أوضح، والقارئ أذكى، لأنه يطّلع على معان أخرى، وتعليقات إضافية، فالاختلاف رحمة، الاختلاف ضروري ومطلوب، ولو كلنا قرأنا بنفسِ العقلية وفهمنا بنفسِ الآلية، لما حصل تطور ولا إضافة في العلم، ومن الأمور التي أخشاها، أن يتصلَّبَ عقلي على رأيٍ أو فَهْم ولا يبرحه، لذلك أعتمد وأتعمَّد الكلامَ مع الآخرين من ذوي الآراءِ العالية، لأفهمَ منهم، وأفهم نفسي، حتى مع علمي بأنَّ رأيه خلاف ما أرى، غايتي الفَهْم، لا أن أصير ببغاء!

 

يصف محمَّد عفيفي مطر (ت: 2010) أوائل قراءاته فيقول في سيرته الذَّاتيَّة البديعة (أوائل زيارات الدَّهشة):

“لم أكن أعرف أنَّ هذا الكتاب سوفَ يفتحُ عليّ بابًا واسعًا من الصُّراخ والدمع يزداد اتساعًا مع الزَّمن.

كنتُ أجهل القراءة والكتابة ولم ألتحق بالكُتّاب إلا بعد ذلك بقليل، ولكني وجدت الكتاب على رف في بيتِ خالي فأخذته، قلبتُ أوراقه واحدة واحدة وأنا أبلل أصابعي بريقي وأعد بصوت مسموع موقع:

آدي واحد آدي اثنين آدي ثلاثة.. إلخ. وبزغت تحت أصابعي صورة مفاجئة، قربتها من عيني لأرى أدق تفاصيلها.

كانت الصورة لفتاة صغيرة مهلهلة الثياب تبكي وتولول تحتَ نعش يحمله رجال أربعة، فشقَّ صراخها قلبي وامتلأت عيناي بالدموع وهبَّت من صفحات الكتاب لوعة متربة ما زلت أشمها، ومنذ ذلك الزمن البعيد وأنا ألملم الدموع من الكتب، ويتشقق صدري لصرخات الموتى والأحياء”.

في القراءةِ والكتب5 مذهبي في القراءةِ والكتب

مذهبي في القراءة:

ولمَّا بدأتُ مفتتح المقال عن الكتبِ والولهِ بها، رأيتُ أن أوقفكَ على مذهبي في القراءة، لعلكَ تلمسُ فيه بعضَ النَّفع، فلكلِّ محبّ للكتاب طريقة في القراءة، يترنَّمُ بها، فدونكم مذهبي:

– لا أرى نفسي في يومي إلا قارئًا للكتب، أنا رجلٌ يصطحبُ الكتاب معه في حقيبته، دومًا يوجد معي كتابٌ، حتى في حالةِ تعذُّر القدرة عن القراءة لا أسير إلا به، ولا أحدِّد كمًّا للقراءةِ ولا كيفًا، يهمني فقط أن أقرأ، وأقرأ في شتى المواضيع التي أجدُ لها صدى في نفسي، أبدأ من السِّير والتراجِم، مرورًا على كتبِ المقالات، أحيانًا أقرأ المصادر برؤيتي، وأحيانًا أسبقها بمداخل وتعاريف. 

 

– لا أحفلُ بالطقوسِ المتكلفة في القراءة، ولا اشتراطات معينة للمكان، ولعلكَ تعجبُ لو أخبرتكَ أنَّ أكثر ما قرأتُ من كتبٍ في المواصلات العامَّة ذهابًا وإيابًا، في محطَّات المترو، وأرصفة الشَّوارع، وقليلًا ما قرأتُ في المقاهي، وفي المنزلِ لا أقرأ على مكتبٍ مخصَّص لأني لا أملكه، حتى المنضَدَة التي هيّأتها لتكون مخصَّصَة للقراءة، لا أستخدمها إلا نادرًا، وتصبحُ القراءة في السَّرير هي أمتع لحظاتِ اليوم، خاصَّة إذا كانَ مليئًا بالضَّجيج، أشعر حينها بالكسلِ اللذيذ. 

 

– تخلصتُ من الهيبة السَّخيفة بأنّ الكتاب يجبُ أن يكون نظيفًا لامعًا كقطعةِ الذَّهب الخالص، وأصبحتُ من الذين يسجلون هوامشهم وتعليقاتهم، ويضيفونَ آراءهم في زوايا الكتاب وحوافه، ليبقى الأثرُ باقيًا، وليحصل شيء من الامتزاج والتَّفاعل بينَ القارئ والنَّص، وهذا ضربٌ من الإِعلام لمن يخلفنا في مسيرةِ القراءة، وحبّ الكتاب، بأنِّي كنتُ هنا، وهذا أثري وميراثي. 

 

– لا تستهويني الغاية من تحديدِ الوقت للقراءة أو اللهاث وراء الكم والسَّعي خلفَ القراءة السَّريعة، لا يهم بتاتًا كيف قرأتَ ولا عدد ما قرأت، لكن يهمني تمامًا جودة ما قرأت، عمومًا أنا أكره حالة اللهاث والشعور المستمر بأنّك مطلوب منكَ الإنجاز، وإذا لم يحدث فتصاب بالاكتئاب والحزن، وأراها من آفاتِ الرأسمالية التي حوّلت الإنسان إلى مجرد آلة صمَّاء ونفت عنه إحساسه بأنّه يحقُّ له التعب وأن يرفض أو يترك ما لا يقدر عليه. 

 

– ولا يستهويني الشُّعور بأنّي لا بدَّ من أن أنهي الكتاب في جلسةٍ واحدةٍ، وتقريبًا لم أفعلها إلا قليلًا، وكلما كان الكتاب أمتع، كانت قراءتي له أبطأ، حتى أظلّ على صلةٍ وثيقةٍ به، لا تنقطع مع الحرف الأخير له.

 

ومن الأمور التي أحبها في الكتب، وطريقة قراءتي لها، أنّي دربتُ نفسي على الربطِ بين الكتبِ والروايات وفنون المعرفة المختلفة، وذلك حين يكون هناك صدى أو إضافة أو زيادة في الإيضاح لفكرة سبق لي قراءتها في كتاب، أشعر حينها بديمومة المعرفة واتساع الثقافة مع الإحساس التام بكلمة الطناحي (الكتب توضِّحُ بعضها بعضًا). 

 

– لا يهمني حجم الكتاب ولا شكله، المهم أن يكون ممتعًا يحتوي على اللذَّة التي أجدها في ثنايا عقلي وروحي وقلبي ونفسي، ولحظات اندهاشي بما فيه من مادةٍ معرفية ولغوية وأدبية وبلاغية، قرأتُ مطولات تراثية بشغفٍ عالٍ، وتستعيد نفسي هذه اللحظات مع أصدقاء كُثر، أحكي لهم عما قرأت وكيف فهمت وعلى ماذا وافقت وأين اختلفت؟ ماذا أحببت وماذا كرهت؟ فتصبح مقرؤاتي راسخة في صفحة عقلي، لأني قلّبت المعرفة على وجوهها المختلفة. 

 

– وأرى أنَّ العمر أعز وأنفس من إنفاقه على الكتب السَّاذجة والتافهة، وكما يختار المرء:- ثيابه الأنيقة، والطَّعام الشهي، والماء البارد، واللفظ اللطيف، والدعابة الجميلة، فأولى به، ثم أولى به، أن يختار ما يؤسس عقله، ويُطلق لسانه، ويفجر المعاني داخله، وأن يبصره بحقيقة نفسه، ويزيل ركام الجهل عن روحه، ويوسع له مداركه! 

 

– وقديمًا قلتُ: القراءة للكبار تجعلكَ كبيرًا، فتحسَّس مواضع عينك، فلا تقع إلا على ما يرتقي بك روحًا وشعورًا وحِسًّا وذهنًا، والكبار الذين أقصدهم هم أرباب البيان العالي، والبلاغة المدهشة، والأسلوب الفخم، والمعاني الفصيحة، فحيثما وجدت كتابًا أو كاتبًا تنطبق عليه هذه الشروط، فقد وجدت كنزًا لا يُقّدر بثمن. 

 

– ومن المحامد الكبرى التي أحمد الله عليها أني غير منطوٍ في لواء فرقةٍ أو جماعة أو تيار، وإنما أنا طائرٌ حرٌّ طليق العقل والفكر والرُّوح، أينما تحطُّ جناحاتي أهبطُ، وأقرأ، وأشتبكُ مع النُّصوص موافقة ومخالفة، أقرأ بنهمٍ قدر استطاعتي، ووقتي، وهمتي، وجهدي، ولا أحسدُ غيري عما أتاه الله من نعمة في زيادة الهمة أو اتساع الثقافة، يكفي أنني أسير على دربِ الصَّالحين، حتى لو لم أكن منهم، يكفي التشبه بهم ففيه الفلاح والنَّجاح – إن شاء الله -. 

 

– ومنهجي في ذلك نصائح الدكتور زكي نجيب محمود (ت:1993)،  في كتابه: “قيم من التراث”: ” إنك تقرأ لتضيف إلى عمرك المحدود عشرة أمثال أو مئة أو ألفًا بحسب القدر الذي تقرؤه والطريقة التي تقرأ بها، لماذا؟ لأنك خلال عمرك المحدود ستجمع خبرات وأفكار عن العالم وعن النَّاس وعن حقيقة نفسك، لكن تلك الخبرات والأفكار سيكون مداها مرهونًا كذلك بعدد السنين التي كُتب لك أن تحياها”. 

 

– واعلم أنَّ القراءةَ للدوائرِ المعرفيَّة ذاتها، والجماعة الفكرية عينها، لن تفيدكَ بجديدٍ يذكر، العقل في حاجةٍ ماسة لنقاطٍ جديدة، وناس مختلفة عنك، حتى لا يصابَ بالتَّصلب، وتموت بمرضِ التشنج المعرفي، اقرأ للمختلف عنكَ في الفكر والمذهب والمعتقد؛ لتسمحَ لعقلك أن يتنفَّسَ هواءً جديدًا. 

 

– وأراني من المقتنعينَ تمامًا أنَّ الكتابَ الفاسد أشدُّ ضَرَرًا في عقلِ القارئ من الطَّعام الفاسد على معدته، لأنَّ الكتاب الفاسد سيؤثر بالسَّلب في عقل القارئ، ومحو أثره لن يأتي بسهولة، ثمَّ تتعدى هذه الأضرار إلى الآخرين حينما يتكلمُ، وينشر ضرره، أو يهذي بخواطره بين النَّاس، ويذيع آراءه فيهم، في حين أنَّ الطَّعام الفاسد ضرره على صاحبه، ولن يتعداه إلى غيره. 

– وأحلى الأوقات حين أقرأ نصوصًا مدهشة، أكفُّ فيها أذاي عن النَّاس، ويكفُّ النَّاس أذاهم عني، أختار بمحض إرادتي الانزواء عن القيل والقال، وأخلقُ لنفسي مساحة أمتِّع نفسي فيها من القراءةِ فيما أجد له متعة ولذة في قلبي، والغزل لما أقرأ من كتب ركنٍ أساسي عندي. 

 

– وقد اخترتُ مقياسًا لحلاوة ما أقرأ هو “البسبوسة”، فحين أعشقُ كتابًا، أشبهه بأنه أحلى عندي من “البسبوسة”، وأجد هذه الحلاوة بما أقرأ في طرفِ لساني والله، وما أكثر ما قرأتُ وكان أشهى فعلًا من البسبوسة، أعد منهم ولا أعددهم: “الشِّفا للقاضي عياض”، و”أدب الدين والدنيا للماوردي”، و”رياض الصالحين للنَّووي”، و”ارتياض العلوم لمشاري الشثري”، و”تعليم المتعلم للزرنوجي”، و”رسائل الجاحظ”، و”الامتاع والمؤانسة للتوحيدي”، و”ميراث الصمت والملكوت لعبد الله الهدلق”، هل أذكر “معجم الأدباء لياقوت الحموي”، لن أذكره؛ لأنه محل حلويات فاخر وليس بسبوسة فحسب، هل أذكر “الأغاني” للأصفهاني؟ لن أذكره فهذا شارعُ حلويات بأكمله وليس محلًا. وحين تنقطع نفسي عن القراءة لشواغل لا أستطيع ردها، أستعمل طريقتي المحببة في التصبر، أن أستعيد ما قرأت وأتذكر لحظات المتعة الكبرى، والاستفادة القصوى، فأحمد الله وأسأله الوصل والوصال مرة أخرى وألا يقطعني عن الكتاب بقاطعٍ أو شاغل.

تعلمتُ طريقة استدعاء النُّصوص والكتب من جمال الغيطاني (ت: 2015) رحمه الله، فقد ذكر في كتابه البديع (التَّجليات) كيف أنه في السِّجن قد استدعى عشرات النصوص والكتب والمقاطع الأدبية التي قرأها قبل ذلك، فكانت نعم الأنس لعقله، والصَّاحب في حبسه، وكانت عونًا كبيرًا له على تهوين ما نزلَ به.

 

ولما فُضِّلَ الإنسان عن الحيوان بالعقل، كانت الميزة العظمى التي يُحسَدُ عليها الإنسان هو القراءة وقدرته على الكتابةِ والتَّأليف والتصنيف، أن يخترع ما لا يوجد، ينشىء عوالم ومفردات وأساليب وجمل وكتب ومؤلفات، فتدور عجلة المتعة بالقراءة، والتعليق، والاتفاق، والاختلاف. 

أن تحيا فتقرأ، فتحصد قمَّة المتعة، تلك هي جنة الله في أرضه.

في القراءةِ والكتب3 مذهبي في القراءةِ والكتب

أنا والتراث:

وكنتُ قَبْلُ أقرأ للمعاصرين، ولا ألتفتُ إلى التُّراث العربي، على شدة ما كنتُ أجد من اللهفة في القراءة والمطالعة، لكني كنت أتهيب واستصعب الموضوع وأحسبه ضربًا من المستحيل، إلى أن وفقني الله بصحبةٍ صالحة استفدتُ منهم بحسن توجييهم، فكانوا سببًا لكسر الحاجز بيني وبين كتب التراث، وصرت بين حين وآخر، أخبرهم ما قرأتُ، فتفرح قلوبهم بما وجدوه من أثر التَّوجيه الذي وافَقَ موضعه الصَّحيح، وذلكَ من فضلِ الله، وقد كانَ لي صديقٌ نبيل كنَّا معًا كالمخ والعضلات، عليَّ الحماس وعليه التَّخطيط، فقرأتُ معه وبسببه مدونات كبرى ومفاخر عظمى من الكتب، والحمد لله أجد أثرها في قلبي وعقلي وروحي، خاصَّة هذا العام الذي انقطعت فيه عن القراءة لمشاغل عدة.

 

ثمَّ بقيت مدَّةً أقرأ في كتب التراث أو ما يخصه من قريب أو بعيد حسب الوسع والطَّاقة، مع هجري لكتبٍ أخرى ومواضيع ثانية لا تقترب منها نفسي، وفي هذه الحالة والحالة السَّابقة كنتُ على طرف نقيض، أقرأ بعينٍ واحدة، وأسير كما الأعرج بنفسِ الحركة، وهو ما كان يؤرق نفسي وعقلي، إذ محب الكتب والعاشق المتيم، عليه أن يقرأ ما وسعته القراءة، ما دام أنه حيٌّ يسعى فعليه أن يلتهم الكتب التهامًا، فثمَّة علم ونفع وفائدة – إن شاء الله -.

 

ومنذ وقتٍ قريب انعدلت الكفَّة، والحمد لله، فجعلت الأمور وسطًا، وسددت وقاربت، فلا أنا منغمس في التراث مع ترك الدراسات الجيدة والسِّير البديعة، ولا أنا منقطع عن التراث خلوا منه ومن كتبه ومطالعته، هكذا أسير مع الكتبِ فيما يمتعني ويضيف لي، فاللهم لا تقطعنا بقاطع، وأعنا على قراءةِ المطولات.

 

مجمل مذهبي في القراءة:

نظرتي للكتب وفعل القراءة، أنني حرٌّ تمامًا، فوضوي القراءة، منهجي في القراءة أن أقرأ ما يفيدني ولو كان صعبًا، وأهجر ما لا يفيد ولو كان كشربةِ الماء، وأن أقرأ ما يمتعني لا ما هو مشهور معروف، أن أحضن الكتب بالقلبِ والرُّوح، أطير في سماوات الفضاء العلا حين أجد كتابًا حلوًا، أسعى في بلاد الله لأخبر أهل الله عن حلاوة هذا الكتاب.

 

وتجربتي مع القراءة أعطتني الحرية التَّامة في المنح والمنع، في القبول والرفض، في الأخذ والرد، أقبل الآن كتابًا بحماسٍ تام، ثمَّ يتغير مزاجي – (وما أكثر ما تغير مزاجي وانقلب) – فأتركه وأبعد عنه، ثمَّ أعود مرة أخرى بحماس أكبر وشغف أعلى، فأقراه بشكل أسرع وفي مدة أقل، القراءة هي حرية أن تقول: “لا”، بلا خوف ولا قلق ولا انزعاج، يكفي أن تكون ذا مزاج رائق وبال مطمئن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى