المدونة

التحولات الثقافية المعاصرة في مجتمعنا العربي

إنَّ النَّاظر في التاريخ يجد المجتمع الإنساني في العقود الأخيرة شهد ثورة كبيرة في مجالات عدة، فالإنسان متطور بطبعه، قادر على التكيف في بيئته وتكييف هذه البيئة لحاجاته، فأقام دول وحضارات من الابتداء إلى النضج الثقافي والحضاري في العالم الآن، حيث سخر إمكانياته وطاقاته في بناء هذه الحضارات على أسس اجتماعية وحضارية، إلا أنه في السنوات الأخيرة والتطور العلمي أوجه، ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر هذه التحولات في انعكاس الهوية والقيم الثقافية في مجتمعنا العربي بشكلٍ سلبي، بين ثقافات عالمية مستوردة وثقافات محلية منصهرة، وبشكل عام وأمام هذه التحولات يظهر مدى الوعي والإدراك والنضج الحضاري في المجتمعات المتحضرة في وطننا العربي، أو يظهر الجانب السلبي في الدول المتخلفة عن ركب الحضارات، وتتغيّر حتى المفاهيم تجاه التحولات الثقافية المعاصرة.

وابتداء الأمر وحتى نفهم هذه التحولات لابد أن نتعرف على مصطلحات العنوان، الثقافة، التحولات،

فالثقافة يصعب اختزالها في معنى واحد ليستنتج منه تعريف معين، وذلك لتعدد الاستعمالات اللغوية وتطور المعنى العام للثقافة بتطور الحضارات وتعدد التحولات والمتغيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية وغيرها من القدم حتى الآن.

ففي حين استعمال الثقافة في اللغة في معان متعددة[1]، استنتج من هذه الاستعمالات التعاريف الاصطلاحية لمصطلح الثقافة.

ومصطلح الثقافة من المصطلحات التي لم تستقر على معنى معين، لذا تنوعت  تعاريف الثقافة لاختلاف وجهات نظر العلماء والمفكرين واختلاف المشارب والمدارس والتخصصات التي ينتمون إليها، “وإذا ما رجعنا للوراء قليلاً لم نجد أثراً لتلك الكلمة في لغة ابن خلدون الذي يعد المرجع الأول لعلم الاجتماع… والواقع أنَّ فكرة مصطلح الثقافة حديثة جاءتنا من أروبا، وهي ثمرة من ثمار عصر النهضة، عندما شهدت أروبا في القرن السَّادس عشر انبثاق مجموعة من الأعمال الأدبية والجليلة في الفن والأدب والفكر”[2]

ولاختصار الموضوع نكتفي بتعريفين رئيسين للثقافة، حيث عرفها مالك بن نبي: بأنها مجموعة من الصفات الخلقية، والقيم الاجتماعية، التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي يولد فيه، فهي على هذا التعريف: المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته[3]، وعرفها تايلور وهو أعمها معتبراً أنها مركبة من عدة ركائز فقال إن الثقافة هي: “كل مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعرف، وغير ذلك من الإمكانيات أو العادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع”[4].

فإذا أمعنا النظر في دلالة ومفهوم الثقافة في هذه التعريفات، نجد أنها: ترتبط بالفرد كما ترتبط بالمجتمع والأمة، إضافة إلى اشتمالها على العلوم والمعارف؛ فهي تشتمل كذلك على القيم والمبادئ والأخلاق والسلوك والنظم، وكل ما يضيفه الإنسان للمجتمع، فالثقافة تشكل فلسفة الحياة، “والمحيط الذي يشكل طباع الفرد وشخصيته”[5].

وقد تطور هذا المفهوم ليشكل كل متكامل مع الجوانب الأخرى، بل ليشكل أساس البناء الاجتماعي لأي حضارة، وقد أسهبنا في الكلام على مصطلح الثقافة لأنه من المهم معرفة ما يرمز إليه هذا المصطلح في ضوء التحولات الثقافية الجارية المتعددة والمتنوعة.

الثقافية المعاصرة في مجتمعنا العربي 4 01 التحولات الثقافية المعاصرة في مجتمعنا العربي

أما التحولات فتأتي بمعنى التغير والتبدل والتحرك[6]، ليظهر من هذه الاستعمالات اللغوية والاصطلاحي لمفهومي  التحول والثقافة، أن التحولات الثقافية تعني: التغيرات في القيم والنظم والفكر والعادات جراء التطورات الجارية في المجتمع.

في حين أن للتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية الحاصلة الآن الأثر الكبير على التحولات الثقافية؛ أصبحت هذه المتغيرات مرتبطة مع بعضها ارتباطاً وثيقاً، فظهرت على الحياة العامة في مجتمعنا العربي مظاهر وتحولات ثقافية جديدة؛ شديدة التأثير على الحياة الاجتماعية بشكل خاص وعلى الهوية الإسلامية بشكل عام، أهمها:

الهوية الثقافية أو الحضارية كأبرز المتغيرات الثقافية، ففي البداية يقرر العلامة ابن خلدون في مقدمته أن معالم الحضارة تتحدد في المجتمع بعد طور البداوة، وأهل الدول يقلدون في طور الحضارة وأحوالها الدول السابقة قبلهم، وعلى قدر عظم الدولة يكون شأـنها في الحضارة[7]، فالحضارة “درجة عالية من الفعالية التاريخية، وأثر لإرادة الوجود الجماعية لأمة متماسكة، يربطها مفهوم واحد للحياة هو مانحها هويتها الثقافية المتمايزة”[8]، بحيث يصير لكل مجتمع هويته الثقافية والحضارية، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقيم والنظم والسلوك الذي يتمثله، ومع التطور وسرعة التغيرات في الآونة الأخيرة ظهرت تحديات كبيرة تهدد الهوية الثقافية لمجتمعنا العربي، وتؤثر على الوقع الثقافي المعاصر، ومنها: الثقافات العالمية الموازية للثقافة المحلية، وانصهار الهوية الثقافية بثقافات دخيلة، ومن البدهي عندما تتخلى الدول عن دورها الحضاري في الحفاظ على هوية المجتمع وقيمه، ينعكس سلباً على المجتمع إنساناً وهوية، ولذلك تبذل الدول المتحضرة جهوداً شتى عبر مراكزها الاجتماعية والثقافية وعلمائها ومفكريها في الحفاظ على الهوية الثقافية الفردية والمجتمعية.

الأمر الآخر أحدثت التكنلوجيا الحديثة فرقاً شاسعاً في واقعنا المعاصر، بحيث يتم الاستفادة الهائلة من التكنلوجيا في المجتمعات المتقدمة في التواصل الثقافي والحضاري مع الثقافات والحضارات الأخرى، مما ساعد الإنسان في هذه الدول على ابتكار وسائل وأساليب للتعايش مع المجتمعات والثقافات الأخرى، ويتم توليد المعلومات وتشكيلها في ألوان مختلفة، لبناء هوية ثقافية مستقلة، إلا أنه في المجتمعات النامية  نتج عن هذه التكنلوجيا تحولات ثقافية خطيرة، منها: انصهار الثقافة المحلية في الثقافات العالمية الأخرى، وانعكس هذا التحول على الهوية والمجتمع، مما أدى إلى انتشار أنماط معينة في اللباس والهيئات والفنون وحتى المعتقدات.

وفي خضم هذه التغيرات يتم صناعة الرأي العام كأحد التحولات الثقافية المعاصرة، وتوجيهه لخدمة أهداف يتبناها صانعوا الوعي، عبر الوسائل الإعلامية المرئية أو المسموعة أو المقروءة، سلباً أو إيجاباً، لتتشكل في أذهان الناس هوية ثقافية جديدة، ومع التطور التكنلوجي الذي يسير بسرعة كبيرة في العالم الآن؛ صار بإمكان أي أحد تبنى أراء معينة ونشرها بشكل واسع في وسائل مختلفة،

حيث سهلت وسائل التواصل الاجتماعية كمتحول ثقافي واجتماعي واسع عملية التواصل المختلفة بين أفراد المجتمع، واندمجت سريعاً في الحياة اليومية على نطاق واسع، في حين تعتبر هذه السهولة ميزة إيجابية فهي في نفس الوقت خطيرة، إذ هي “قائمة على التقنيات التي تدعم التفاعل الاجتماعي وتجميع المعلومات الاجتماعية ومشاركتها”[9]، ليتم صناعة الرأي العام والتأثير على الهوية والقيم بشكل سريع وخفي، مما يجعلها تغير وتحول ثقافي خطير، لأنها بعيدة عن المراقبة العامة وخاصة في مجتمعاتنا النامية، وضعف الأسرة في معالجة الانحرافات المترتبة من استخدام هذه الوسائل دون وعي وإدراك.

الثقافية المعاصرة في مجتمعنا العربي 1 التحولات الثقافية المعاصرة في مجتمعنا العربي

وأما القيم الثقافية فتعتبر أكبر المتغيرات الثقافية والمؤثرة في واقعنا العربي المعاصر، وهذه القيم تمثل العادات والتقاليد، التي تحدد علاقات الناس مع بعضهم في المجتمع، وهي أساس الرؤية الحضارية، وعلى ضوئها يبنى نمط الحياة، “وتصنع نسيج الشخصية الإسلامية وتجعلها متكاملة قادرة على التفاعل الحي مع المجتمع”[10]، وهي الوسيط بين الفرد والواقع، وتمثل القاسم المشترك بين بني البشر، والاختلاف هو في النظر للتحديات التي تواجه هذه القيم وكيفية مواجهتها، بين التعامل الإيجابي والتعامل السلبي والانهزامي نحوها[11].

إلا أنه من المهم عند التعامل مع هذه القيم في التربية؛ الانتباه للنزعة الإنسانية الفردية، إذ الغاية من التربية المجتمعية هي الحفاظ على الهوية الثقافية، والقيم الأخلاقية.

كذلك ينبغي عدم “جعل القيم في قوالب تمارس بها غاية في ذاتها، وهذا يمتنع عن قبول القيم لو لم تأت عبر تلك القوالب، ويجعل من القيم عدواً للتطوير والتجديد بتنميط المضامين وقولبتها في بوتقة الجمود”[12].

فبناء على هذه المتغيرات في واقعنا العربي نلحظ تغير حتى المفاهيم تجاه القضايا الثقافية، وحتى التمسك بالقيم والهوية الإسلامية، الذي تأثر بالموجات والصدمات التي تعرض لها خلال السنوات الماضية، وسبب ذلك ضعف البناء الثقافي والاجتماعي والقيمي للإنسان العربي كفرد أو مجتمع.

خلاصة الأمر: لهذه التحولات وغيرها أثرها الكبير على المجتمعات العربية وخاصة المجتمعات النامية؛ بحيث تقل فيها مجابهة هذه التغيرات، فتصبح “مغلوبة مولعة بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك نظرة الكمال للغالب”[13]، والشعور بالدونية والنقص، بحيث تصبح بلا هوية ولا قيم، فتتمسك هذه المجتمعات بقشة أو بالأحرى بخيط العنكبوت، وخيط بداية التغيير هو تغيير الفكر، “فالأفكار تكون في مجموعها جزءاً هاماً من أدوات التطور، فمراحل التطور هي في الحقيقة أشكال متنوعة لحركة تطوره الفكري”[14].

الهوامش:

  1. ينظر: معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، دار الفكر 1979م: 1/382. أساس البلاغة، للزمخشري، دار الكتب العلمية-بيروت، ط1، 1419ه، 1/110، لسان العرب، لابن منظور، دار صادر –بيروت، ط3، 1414ه، 9/19.
  2. مشكلة الثقافة، مالك بن نبي، دار الفكر، ط4، 1984م، ص 20.
  3. مشكلة الثقافة، مرجع سابق، ص 74.
  4. ينظر: نظرية الثقافة، مجموعة مؤلفين، ترجمة علي الصاوي، عالم المعرفة 1978م، ص9.
  5. نحو ثقافة أصيلة، عمر الأشقر، دار النفائس- عمان، ط4، 1414ه، ص26.
  6. ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عبد الحميد وآخرون، عالم الكتب، ط1، 2008م، (1/ 586).
  7. ينظر: مقدمة ابن خلدون، دار الفكر بيروت، ط2، 1988م، ص216.
  8. على عتبات الحضارة، بتول أحمد جندية، دار الملتقى -سوريا، ط1، 2011م، ص31.
  9. التحولات الثقافية في الإعلام العربي، نعيمة المرجاني، مؤسسة مقاربات للنشر، 2000م، عدد 40، ص171.
  10. المدخل إلى القيم الإسلامية، جابر قميحة، دار الكتاب الإسلامية، ط1، 1984م، ص41.
  11. ينظر: القيم والتحولات المجتمعية، محمد خليفة صديق، مؤسسة مقاربات للنشر، 2021م، عدد 43، ص184.
  12. القيم والتحولات المجتمعية، مرجع سابق، ص183.
  13. مقدمة ابن خلدون، مرجع سابق، ص184.
  14. مشكلة الثقافة، مرجع سابق، ص13.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى