المدونة

الحوار بالأحجار

للعربِ – قبلَ الإسلامِ وبعدَه – تراثٌ ضَخْمٌ في التقارُعِ اللَّفظيِّ العنيفِ، تمثَّلَ في صُوَرٍ عدَّةٍ، أشهَرُها فنُّ الهِجاءِ، الَّذي تحوَّلَ على يدِ ثُلَّةٍ من الشُّعراءِ إلى وابلٍ من القدحِ والتجريحِ، ومجالٍ لإعمالِ المِقْراضِ في هتكِ الأعراضِ، ومَرْسَمٍ للصُّورِ السَّاخرةِ، التي تَسِمُ المَهْجُوِّين على الخرطومِ، وتَلْفَحُهُم بريحِ السَّمومِ، وتحفرُ في جَبِينِهم أخاديدَ من الشَّينِ والعَارِ، وتُلصِقُ جِباهَهُمْ بأديمِ الخِزْيِ والصَّغَارِ. وهو تيارٌ ذو شُعَبٍ مُمْتدَّةٍ من أيامِ الحُطَيْئةِ في جاهليَّتِهِ إلى يومِ الناسِ هذا، وحسبُكَ أنْ تقرأَ طَرَفًا من نقائضِ جريرٍ والفرزدقِ، أو قَبَسًا من شعر بشار بن بُردٍ، أو قصيدةً من مُطولَّات ابن الرُّوميّ، لترى ما يَسوءُ ويَنُوءُ من الإقذاعِ والإفحاشِ، وما يُدهشُ من الصُّورِ السَّاخرةِ، التي لا ينقضِي العَجَبُ من بَكَارَتِها وطَرافَتِها.

وقد جاءَ الإسلامُ بمبادئَ ساميةٍ، تَكبحُ جِماحَ تلكَ النُّفوسِ الشَّاردةِ، وتُلْجمُ تلكَ الأفواهَ الفاغرةَ، وتُغْمِدُ نِصالَ تلكَ الألسنةِ الحِدادِ، فحملتْ آياتٌ قرآنيَّةٌ كثيرةٌ دعواتٍ راقيةً، تأخذُ النفوسَ نحوَ لِينِ الكلمةِ، وتُعْلِي من شأنِ دَماثةِ العِبارةِ، حتَّى في مقاماتِ الجدلِ والمُناظرةِ مع غيرِ المسلمينِ، كقوله تعالى: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ‌لِنْتَ ‌لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، وقوله: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ ‌بِالْحِكْمَةِ ‌وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وقوله: (وَلا ‌تُجادِلُوا ‌أَهْلَ الْكِتابِ إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وقوله: (اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُولا لَهُ ‌قَوْلاً ‌لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى)، وقد روي أنَّه بينما هارونُ الرَّشِيدُ يَطُوفُ بالبيتِ؛ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ، فقال: يا أمِيرَ المؤمنينَ! إِنِّي أُرِيدُ أنْ أُكَلِّمَكَ بكلامٍ فيه غِلَظٌ؛ فَاحْتَمِلْهُ لِي. فَقَالَ: لَا، وَلَا نِعْمَةُ عَيْنٍ، وَلَا كَرَامَةٌ، قد بعثَ اللهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ منكَ إلى ‌مَنْ ‌هُوَ ‌شَرٌّ ‌مِنِّي، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ له قَوْلًا لَيِّنًا.

لكنَّ نفرًا من المُعاصِرينَ المُنْتَسبينَ إلى العلمِ الشّرْعِيّ، قد دأبوا على القدحِ في خلقِ اللهِ طُرًّا، واحترفُوا إمطارَ مُخالِفِيهمْ بسيلٍ من تُهَمِ التبديعِ والتفسيقِ، وبصواعقِ العذابِ الهُونِ من الانتقاصِ والتَّجريحِ، فكلُّ مَنْ لَيْسَ على مذهَبِهم فهو ضَالٌّ مُبتدعٌ، أو خارجيٌّ مُحْترقٌ، أو دجَّالٌ خبيثٌ، أو هالكٌ سفيهٌ إلى غيرها من التُّهَمِ البَائرةِ، حتَّى باتَ ذلك عَلَمًا على مُحاوراتِهم التي نأتْ عن سَواءِ أدبيَّاتِ البحثِ والمناظرةِ إلى متاهاتِ أوديةِ الجِدالِ والمُكابرةِ، وتنكَّبَتْ طريقَ الجدالِ بالتي هي أحسنُ الذي رسمه ربُّ العالمينِ، إلى أتونِ التراشقِ بالتي هي أخشنُ الذي سنَّه بعضُ الجانحينَ، حتَّى تحوَّلَ الحوارُ على أيديهم إلى تراجُمٍ بالأحجارِ، وتنابُذٍ بالألقابِ، ورسمَ لمذهبهمْ جُملةً من الخصائصِ ألخِّصُها فيما يلي:

04 الحوار بالأحجار

أولًا: السَّجْعُ المتكلَّفُ: فقد حلا لهم أنْ يَسْتَعِيدوا ما أُثِرَ عن بعضِ السَّلَفِ من عباراتٍ قاسيةٍ في سياقِ التراشُقِ العلميِّ، الذي كانتْ له سوقٌ رائجةٌ يومًا ما، والذي تمخَّضَ سلفًا عن بعضِ العناوينِ المسجوعةِ، على نحوِ ما نرى في كتاب: “الصَّارمُ الهِنديّ في الرد على الكنديّ” لابن دِحْية (ت633هـ)، فردَّ عليه تاجُ الدينِ الكِنْديُّ (ت613هـ) بكتابه: “نتفُ اللِّحْيةِ من ابن دِحْيَة”، وأشباهِ ذلك ممَّا لا يُحْصَى مثل: “الصَّارم المُنْكِي في الردِّ على السُّبْكِيّ”، لابن عبد الهادي الحنبليّ (ت744هـ)، و”جمع الجيوش والدَّساكر على ابن عساكر”، لابن المبرِّدِ الحنبليّ (ت909هـ)، و”الكاوي على تاريخ السَّخاوي” للسُّيوطيّ (ت911هـ) وغيرها. وقد ظنَّ نفرٌ من المُعاصرينَ أنَّ هذا من هَدْي السَّلَفِ، فسلُّوا الأسنَّةَ والرِّماحَ على مُخالفيهم، وتمخَّضتْ قرائِحُهم عن سيلٍ من الكتبِ لمْ يَسْلَمْ منها أحدٌ من العُلماءِ أو الدُّعاةِ في عصرِنا، ولك أن تقرأ هذه العناوينَ: “الإيضاح والبيان في أخطاء طارق السُّوَيدان”، و”دحض تلبيس الجاني، الصَّادق بن عبد الرحمن الغريانيّ”، و”إسكات الكلب العاوي، يوسف بن عبد الله القرضاويّ”، و “القصيدةُ الهائيَّة لبيانِ الجهالاتِ الحُوَيْنيَّة”، و”إتحاف البشر بكلامِ العلماءِ على سَلْمَان وسَفَر”، و”ذيل الصَّواعقِ لمحو الأباطيلِ والمَخارق (في الردِّ على أبي الأعلى المَوْدُوديّ)، و “الردُّ البُركانيّ على المدعو أبي أيوب الكُردستانيّ”، و “الصَّواعق المُحرقة على ما في كلام فوَّاز المدخليّ من جهلٍ وسَفْسطةٍ”، و “صاعقةُ العذاب، على مَنْ خالفَ نُصوصَ السُّنةِ والكتاب، واتَّبَعَ مذهبَ ابنِ عبدِ الوهَّاب”، و”صعقة المنصور لنسف بِدَعِ وضَلالات مَشْهور”، و”الرد والتقويم على بدع أسامة عبد العظيم”، وغيرها ممَّا لا يُحْصَى!

05 الحوار بالأحجار

ثانيًا: الضِّيقُ بِالخلافِ: يُؤمنُ هؤلاءِ بنظريَّةِ الحقِّ المُطلقِ؛ لأنَّ الحقَّ واحدٌ، ولأنَّه صادرٌ عن اللهِ الواحدِ، فتراهمْ يَضِيقونَ ذَرْعًا بالخلافِ في الفروعِ، فضلًا عن الأصولِ، ويتَّهمونَ مَنْ يقبلُ الخلافَ بأنَّه مُبتدعٌ، ويُصدِّعونَ رأسَكَ بأنَّ الخلافَ من أهمِّ أسبابِ ضَعفِ الأمَّةِ وتفرُّقِ كلمَتِها، ونَسوا أنَّ مناطَ الخلافِ غالبًا فهمُ الدَّليلِ، فمعظمُ الأدلَّةِ ظنِّيَّةُ الدَّلالةِ، حتَّى وإنْ كانتْ قطعيَّةَ الثُّبوتِ، وأنَّ الخلافَ قد وقعَ بينَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، واستفاضَ بينَ العلماءِ المُجتهدينِ، ولم يقتصِرْ على الفروعِ بل امتدَّ إلى بعضِ الأصولِ، وهو ما حَدَا بابنِ السِّيدِ البَطليَوْسِيِّ (ت521هـ) إلى تأليفِ كتابِهِ المَاتعِ: الإنصافُ في التنبيهِ على المعاني والأسبابِ التي أوجبت الاختلافَ بين المسلمين. وقد كان السَّلَفُ يَعْذُرون غيرَهم إذا قالوا بخلافِ ما يَذهبون إليه، بل يُثْنونَ عليهم، ولا يجحدونَ فضائِلَهم، ورحمَ الله شمسَ الدين الذَّهبيَّ (ت748هـ) إذ يقولُ عن التابعيِّ الجليلِ قتادةَ بن دِعامةَ السَّدُوسيّ (ت118هـ): ” وَكَانَ يَرَى القَدَرَ، نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ، وَمعَ هَذَا، فَمَا تَوقَّفَ أَحَدٌ فِي صِدقِه، وَعَدَالَتِه، وَحِفظِه، وَلَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَه مِمَّنْ ‌تَلبَّسَ ‌بِبدعَةٍ يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمَ البَارِي وَتَنزِيهَه، وَبَذَلَ وُسْعَهُ، وَاللهُ حَكَمٌ عَدلٌ لَطِيفٌ بِعِبَادِه، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، ثُمَّ إِنَّ الكَبِيرَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلحقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وَعُرِفَ صَلَاحُه وَوَرَعُه وَاتِّبَاعُه، يُغْفَرُ له زَلَـَلُه، وَلَا نُضِلِّلُهُ، وَنَطرْحُهُ، وَنَنسَى مَحَاسِنَه”، أرأيتَ كيفَ أثنى عليه على الرَّغمِ من الاختلافِ في مسألةٍ من أصولِ العقيدةِ؟ فأينَ هذا مِمَّنْ يُبَدِّعونَ بسببِ الخلافِ في الفروعِ الفقهيَّةِ؟ ومن البَدَهِيِّ أنَّك لو ردَّدتْ أمامَ هذهِ العصابةِ المُنْغلقةِ مقولةَ محمَّد رشيد رضا (ت1935م): “نتعاونُ فيما اتَّفقنا عليه، ويعذُرُ بعضُنا بعضًا فيما اختلَفْنا فيه”، فأنتَ وهوُ مِنْ رُؤوسِ المُبتدعَةِ؟!

06 الحوار بالأحجار

ثالثًا: المُتوالياتُ التبديعيَّةُ، فقد درجتْ هذه الطَّائفةُ على أنَّ شيوخَهم إذا قالوا عنْ أحدِ العُلماءِ أو الدُّعاةِ: إنَّه مُبتدعٌ، فعلى كلِّ أنصارهمْ أنْ يُبدِّعوه، وإلَّا فهمْ مُبتدعةٌ؛ لأنَّ مَنْ لم يُبَدِّعِ المُبتَدِعَ فَهُو مُبتدعٌ، وتلكَ صِياغةٌ سَلَفِيَّةٌ لمقولِةِ جُورج بوش الابن: “مَنْ لَيْسَ مَعَنا فهو ضِدُّنا”، وقد طبَّقوا هذه القاعدةَ البائرةَ على كلِّ مَنْ لَمْ يقُلْ بها، وإنْ كانَ ينتَمِي إلى تيَّارهمْ، فتراهُمْ يأخذونَ على الشيخِ أبي إسحاق الحُويْنِيّ، حفظه الله، أنَّه كان يستمعُ إلى خطبةِ الجمعةِ من الشيخِ كشكِ، رحمه الله، وهو عندهمْ قصَّاصٌ مُبتدِعٌ، فبدَّعوا أبا إسحاقَ لأنَّهُ كان يجلسُ إلى أهلِ البِدَعِ، كما بدَّعوا الشيخ محمد حسَّان؛ لأنَّه أثنى على الشيخِ الشَّعراويَ، رحمه الله، ونعتُوه بِالفتَّان؛ لأنَّه يُوالي أهلَ البِدَعِ! وأذكرُ أنَّني اصطَدَمْتُ بعصابةٍ من هؤلاءِ منذ نحوِ رُبع قرنٍ في طنطا، وكانتْ لي على بعضِهم أيادٍ جِسامٌ، ثمَّ فوجئتُ أنَّهم يُوزِّعونَ أوراقًا مُصَوَّرةً لبعضِ شيوخِهم يُبَدِّعُونَ فيها ثُلَّةً من الأئمَّةِ الأعلامِ، كالإمامِ أبي حنيفةَ (ت150هـ)، ومُحيِي الدِّينِ النَّوَويّ (ت676هـ)، والحافظِ ابن حجر العَسقلانيِّ (ت852هـ)، رحمهم الله جميعًا ورضِيَ عنهم، فأنكرتُ ذلكَ عليهمْ كُلَّ الإنكارِ، فتحوَّلْتُ عندهم في لَمْحِ البَصَرِ إلى مُبتدعٍ، وباتوا لا يُصَلُّونَ خَلْفي، بل لَا يُلْقُونَ عَلَيَّ السَّلامَ؟! وهو ما يُذكِّرُنِي بهذا الموقفِ الطريفِ الذي حدثَ في “ألبانيا”، فقد حُكِيَ أنَّ أحدَ العلماءِ زارَ صديقًا له في بيتِهِ، ثمَّ لمَّا خَرَجَ من عنده كفَّره، فقيل له: وَلِمَ؟ لأنَّهُ لم يَقُمْ بحقِّ العُلماءِ من التَّوقيرِ، فالعادةُ عندنا أنَّ العَالِمَ إذا دخلَ البيتَ، يقومُ صاحبُ البيتِ بتوجيهِ نعلِ الشيخِ باتجاهِ الخُروجِ، ولكنَّ الرجلَ لمْ يفعلْ، وعندما خرجَ وجدَ النَّعلَيْن كما هما باتجاهِ الدُّخولِ، وتكلَّفَ أنْ يستديرَ ليلبسَ النَّعلَ، فقالَ السائلُ: وهل هذا كفرٌ؟ قال: نعم؛ لأنَّهُ لم يحترمِ العالمَ، والذي لا يحترمُ العالمَ لا يحترمُ العِلْمَ، والذي لا يحترمُ العلمَ لا يحترمُ الذي جاء بالعلمِ، فهو لا يحترمَ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا أمينَ الوَحْي جبريلَ الذي نزَّل بِهِ، ولا اللهَ ربَّ العالمينَ الذي أنزلَهُ، فهو لذلكَ كافرٌ؟!!

03 الحوار بالأحجار

رابعًا: التصلُّبُ الفكريّ: يَظُنُّ بعضُ أصحابِ العقولِ الكليلةِ أنَّ تشبُّثَهُ بِمَوقِفِهِ وصَلابَةَ رأيهِ علامةٌ من علاماتِ الصُّمودِ وَالثباتِ، وكأنَّنا أمامَ المُتظاهرينَ في ثورة 1919م يهتفونَ: الاستقلالُ التامّ أو الموتُ الزُّؤام، أو أمام أولئكَ المُؤتَمِرينَ في قِمَّةِ الخُرطومِ عام 1967م المعروفةِ بقمَّةِ اللَّاءاتِ الثَّلاث، حيثُ رفعَتْ شِعارَ: (لا صُلْحَ، ولا تَفَاوُضَ، ولا اعترافَ بإسرائيلَ)، وكأنَّ العدولَ عن الرأيِ مِنْ أماراتِ الفشلِ والهزيمةِ؛ علمًا بأنَّ التراجُعَ قد يكونُ مطلوبًا في بعضِ المواطنِ في الحربِ ذاتِها لمصلحةٍ متوقَّعَةٍ، مصداقًا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ * ‌وَمَنْ ‌يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، وغيرُ خافٍ أنَّ الأئمَّةَ الأعلامَ كثيرًا ما تراجَعُوا عن أقوالٍ لهم رُضُوخًا للدليل؛ فقد كان لديهم من التجرُّدِ والانفتاحِ العقليّ ما يَعْصِمُهُمْ من غوائلِ التعصُّبِ، ومعرَّةِ التصلُّبِ، ورحم الله الإمامَ الشَّافِعيَّ (ت204هـ) إذ يقولُ: ” ما ناظرتُ أحدًا على الغلبةِ، بل ما ناظرتُ أحدًا فأحببْتُ أنْ يُخْطِئَ، بل رجوْتُ أنْ ‌يُظْهِرَ ‌اللهُ ‌الحقَّ ‌على ‌لِسَانِه”، وكان دائمًا يقول: “قَوْلُنَا صَوابٌ يحتملُ الخطأَ، وقولُ غيرِنَا خَطأٌ يحتمِلُ الصَّوابَ”، وأذكرُ أنَّنِي في مرحلةِ الدِّراساتِ العُليا قلتُ يومًا لأستاذنا الدكتور محمد أحمد العزب رحمه الله، وهو في تقديري أرفعُ قامةٍ نقديَّةٍ أزهريَّةٍ بلا مَثْنَويَّة: لقد ناقضَ الدكتورُ شوقي ضيف نفسَه في قضيَّة كذا؛ إذ قال فيها في كتابه: الفنُّ ومذاهبه في الشعر العربيّ بكذا، ثمَّ ذهب إلى خلافِه في كتابه: تاريخ الأدب العربيّ، وعَدَدْتُ ذلكَ ضَرْبًا من فسادِ الرأي، والزَّيْغِ في الحُكْمِ، فقال لي: يا بُنَيَّ، المُفكِّرُ الحقيقيُّ هو الذي يُراجِعُ آراءَه دائمًا، وتغييرُ رأيِه في تلكِ المسألةِ وغيرها قيمةٌ مُضافَةٌ لا قيمةٌ مَطروحةٌ! فأين من هذا أصحابِ نظريَّةِ الحقِّ المُطلقِ، ومُدَّعِي الصَّوابِ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديْهِ ولا مِنْ خَلْفه؟!

خامسًا: الجَفَاءُ: حُرِمَ بعضُ الناسِ من نعمةِ اللِّياقةِ، وأُبْدِلُوا بها عُقولًا شاطِحةً، وقُرونًا ناطِحةً، فمؤخَّرًا لم يعجبْ بعضَ الدَّهماءِ مقالي الأخيرُ عن الدكتور أسامة عبد العظيم، رحمه الله، فوجدتْهُ يدخُلُ على الخاصِّ، ولمْ يبدأ بالسَّلامِ، ولم يعرِّفْ نفسَهُ، وتلكَ فاتحةُ الجَلافةِ والجَفاءِ، وإنَّما كتبَ مُباشرةً: صَدَقَ مَنْ قال: الغُلُوُّ في الأمواتِ مئةُ جُزءٍ، تسعةٌ وتسعون منها في مصر، والجزءُ الباقي في العالمِ كلِّهِ. فبدأتُهُ بالتحيَّةِ، ولمْ أُعاتِبْه على ترك السلام والتعريف بنفسه، وإنَّما قلتُ له: أرجو أنْ تَدُلَّنِي على مواطنِ الغلوّ فيما كتبتُ؛ لأُعِيدَ النَّظرَ فيها. فردَّ بقوله: راجعْ تعريفَ الغُلُوَّ يتبيَّنْ لك الأمرُ. وَسَكَتَ، فما كان منِي إلا أن عملْتُ له حظرًا، وهذا من النادرِ أنْ أقومَ به!

وختامًا، فإنَّ هذا المنهجَ المُعْوَجَّ في الحوارِ منْ أعظمِ أسبابِ الفُرقَةِ، وشقِّ الصُّفوفِ، وقد رأيناه بأمِّ أعيُنِنا سببًا في الاقتتالِ الداخليّ الذي حَدَثَ بين الفصائلِ في أفغانستانَ بعد خروج الدُّبِّ الرُّوسيِّ منها مَذْمومًا مَدْحورًا، وتكرَّرَ في لبنانَ والعراقِ وسُوريا وليبيا وغيرِها، ممَّا مكَّنَ طَواغيتَ الدَّاخلِ والخارجِ من أعناقِها جميعًا. وفي يقيني، أنَّ أيَّ حوارٍ دينيِّ، أو فكريٍّ، أو اجتماعيٍّ، أو سياسيٍّ لا يقومُ على مبدأ الاحترامِ المُتبادلِ، والتكافُؤ، والتماسِ العُذرِ، وقبولِ الآخرِ… وغيرها ممَّا سَطَّرتْهُ بحروفٍ من نورٍ أدبيَّاتُ الحوارِ والمناظرةِ التي ألَّفَ فيها السَّلَفُ عشراتِ المُصنَّفاتِ، فهو حِوارٌ محكومٌ عليه بالفشلِ، ومَضْيعةٌ للوقتِ، وعَبَثٌ دونَهُ عَبَثُ القَيْنَاتِ بِالوَتَرِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى