المدونة

الخلقُ من تراب والبعثُ من التُراب

إن مما هالني تأمّله في هذا العام، أمرا كُنتُ ألاحظه منذ زمنٍ غير أنني لم أقع على حقيقته قبلا. كُنتُ في مسكني في القمّة الشرقيّة من الجبل كثيرا ما أرى نملًا أسود ذا أجنحة بعد نزول الغيث مُباشرة. فعجبتُ كيف يصلُ هذا النمل إلى هذا المكان بعد الغيث وقد كنتُ لا أراه قبلا!

وتبادرت لذهني ذكرى مُشابهة، ففي داري البسيطة، كُنتُ في ليالي الشتاء أقفل على نفسي الحجرة بحيثُ لا تبقى أيّ فُرجة فيها، وبعد أن أُضيء المصباح أو الفانوس بساعة أجدُ المكان قد امتلأ بحشراتٍ طائرةٍ صغيرة وبفراشاتٍ غاية المُنتهى في الصغر وشفافيّة الأجساد.

ورأيتُ فيما رأيتُ في الجانب الشرقيّ من مسكني، في زاويةٍ تمتلئ بالأحجار الصخرية، حشرة الجحمة السوداء، وكانت هذه تظهر أيضًا بعد الغيث إلا أنها أطول بقاء من النمل المُجنّح.

وحين أمعنتُ النظر، وجدتُ أنّ هُناك أمرًا آخر مُشابه لذينكم إلا أنّه في النبات، فكُنت أجد التُربة الخالية من أي بذر فيها، فإذا داومت سقيها أيامًا وجدت الكلأ ينبُتُ فيها، فمن أين أتى هذا الكلأ دون بذر؟

وبعدما ربطتُ الحوادث ببعضها، تساءلتُ عن السرّ وراء ما رأيت. فبدر إلى ذهني أمرُ بداية الخلق، وذاك أمرٌ لا نعرفُ عنه إلا أقلّ القليل. وقلتُ لنفسي: إنّ الله قد خلق الملائكة من نور، والجانّ من مارجٍ من نار، والإنسان من صلصال من حمأ مسنون. وبعض الفلاسفة يقولون بأنّ الموجودات كُلّها مكونةٌ من أخلاطٍ أرضيّة، غالبُ الظنّ أنّها التراب والماء والنار والهواء وأُضيف لها من عندي الظُلمة والنور. وكُلُّ كائنٍ من المخلوقات يميلُ بالضرورة إلى أحد تلك العناصر، ولكلّ عُنصرٍ صفاته التي لا يُمكنُ أن تتغير. أمّا التراب فيحمل صفة الثقل، وهو أحطّ العناصر من حيث كونه أقرب العناصر إلى الأرض، لكنه أعدلُ العناصر من حيث صفات الخلق، وأمّا الماء فيوجدُ في كافّة المخلوقات وهو شرطُ الحياة فيها، وصفته التناسق والتناغم، فتجدُ مخلوقاته لا هي بالسريعة ولا البطيئة إنما تنساب انسيابه، وأمّا النار فصفتها الحدّة وسرعة الانفعال، وأما الهواء فالخفّة. أمّا النور ففي خلقه صفة الخير على أسمى درجاتها، وأما الظُلمة فالنقيضُ من ذلك، لذا نرى الغربان والأساود وما شابهها مملوءة شرّا لا مُبرر له. وهذا يُذكرني بحديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام- على أن الكلب الأسود البهيم شيطان. غير أنّ هذا لا يعني أنّ السود من البشر كذلك، فإنما لون السواد فينا نتاج الطين الأسود لا عنصر الظُلمة، وهُناك فرقٌ بين سواد الطينة وسواد الظُلمة.

كُلّما كان الموجود أبسط في التكوين، كان مخلوقا من مُركّبٍ أبسط. فالمعادن مُركّبٌ بسيط، والنباتُ أشدُّ تعقيدا منها بقليل، والحيوان أشدّ تعقيدا في التكوين، والإنسانُ أشدّها. أمّا الجانّ والملائكة فلا نقدرُ على إطلاق الحُكم فيهما وهما فوق إدراكنا، ولكن قُلتُ: لعلّهما أشدّ تعقيدا في الخلق منّا، ولذلك نحنُ لا نقدرُ على إدراك حالهم وهم يدركون حالنا. فنحنُ بدورنا قادرون على إدراكِ حال ما تحتنا في التكوين من نباتٍ وحيوان وهم لا يقدرون على إدراكنا. ولم أر قول الفلاسفة في هذا الأمر يُخالف شيئا مما أعلم، فاستعنتُ به على ما شغلني من أمر تلك الحالات التي رأيتُها في حياتي، وكُنتُ أقول لنفسي: أيُعقلُ أنّ الخلق لا زال مُستمرّا بطريقته الأولى وليس فقط بالتناسل والتكاثر؟!

كُلّما كان الموجود أبسط في التكوين، كان مخلوقا من مُركّبٍ أبسط. فالمعادن مُركّبٌ بسيط، والنباتُ أشدُّ تعقيدا منها بقليل، والحيوان أشدّ تعقيدا في التكوين، والإنسانُ أشدّها. أمّا الجانّ والملائكة فلا نقدرُ على إطلاق الحُكم فيهما وهما فوق إدراكنا، ولكن قُلتُ: لعلّهما أشدّ تعقيدا في الخلق منّا، ولذلك نحنُ لا نقدرُ على إدراك حالهم وهم يدركون حالنا. فنحنُ بدورنا قادرون على إدراكِ حال ما تحتنا في التكوين من نباتٍ وحيوان وهم لا يقدرون على إدراكنا. ولم أر قول الفلاسفة في هذا الأمر يُخالف شيئا مما أعلم، فاستعنتُ به على ما شغلني من أمر تلك الحالات التي رأيتُها في حياتي، وكُنتُ أقول لنفسي: أيُعقلُ أنّ الخلق لا زال مُستمرّا بطريقته الأولى وليس فقط بالتناسل والتكاثر؟!

فذاك الكلأ إنما نبتَ وأخرجَ شطئهُ لوصول التُربة بعد أن خالطها الماء إلى خليطٍ مُناسبٍ لإنباته، والنبات أقلّ تعقيدا في التركيب من الحيوان كما قُلنا، لذا قد ينبُتُ في أغلب الأماكن طالما سُقيت بماء.

والفراش الصغير الذي كنت أراه على ضوء الفانوس بداري، إنما يُخلق حينما يصل اختلاط المُركب الأرضي من نور ونار ورطوبة إلى درجة متناسبة جدّا مع خلقته، فينشأ عنها ذلك الفراش، ولأنّ خليطه ناشئٌ عن النور والنار صار خفيفًا طائرا، وصار شفّافا بحيث أرى ما بداخله، وتلك صفة العناصر النورانيّة والخفيفة.

من تُراب والبعثُ من التُراب 2 الخلقُ من تراب والبعثُ من التُراب

وذاك النمل المُجنّح قد ولد بعد أن أصابت قطرات المطر الخليط المناسب له من تُراب الأرض فصار نملًا بإذن الله، والله قد جعل من الماء كُلّ شيءٍ حيّ، فالماء ضرورة في كُلّ خلق، وتلك الجحمات المُتفرقة في الصخور قد كانت خليطًا متناغمًا فلما اكتمل بالماء، استحال إلى جحمة بإذن الله، ولذلك نرى خلق الجحمة أشبه ما يكونُ بالصخر، وذاك يُذكّرني بناقة صالح التي خلقها الله من الصخر، فسُبحان الله، بالتبَصُّر في مخلوقات الله وجدنا أنفسنا أمام مُعجزة الناقة وإذ هي قد صارت أقرب إلى تصديق عقولنا من أيّ وقت مضى! سُبحان الله الذي جعلَ من آياته ما فيه تبصرةٌ وذكرى لأولي الألباب. سُبحان الذي أخفى على الناس أكثر حكمه وجعلها سائغة لقومٍ يتفكّرون.

إنّ ذكري لمُعجزة نبي الله صالح، يقودني إلى الحديث عن مُعجزاتِ الله، وإنّي وإن اختلفتُ مع كثيرٍ من أهل العلم، إلا أنني أرى أن الله قد خلق السماوات والأرض وما بينهما وجعل لخلقه سُننًا وقوانين تحكمه، فلا يقدرُ أحدٌ أن يخرج عن تلك القوانين، والله جلّ في علاه لا يفعل في خلقه أمرا يخرجُ عن السنن والقوانين التي قضا بها. وذاك مصداقُ قوله تعالى:

﴿إن هؤلاء ليقولون° إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحنُ بمُنشرين° فأتوا بآبائنا إن كُنتم صادقين° أهُم خيرٌ أم قوم تُبّع والذين من قبلهم؟ أهلكناهم إنّهم كانوا مُجرمين° وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين° ما خلقناهما إلا بالحقِّ ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون﴾

فالله يقولُ لرسوله -عليه الصلاة والسلام- حينما سألهُ قومه أن يأتي بمن مات من آبائهم إن كان صادقا في أمر البعث: أهم خيرٌ أم من سبقهم ممن طلب مطلبهم من أهل القوّة والعلم؟ لكأنّ الله سُبحانه يقول لهم: إنني خلقتُ للكون سُننًا ولن أُخالفها إرضاءً لغروركم وتكذيبكم! أنا لم أخالف تلك السُنن حتى حين سألني من هو أشدّ منكم قوّة، فكيف أخالفها لأجلكم؟! إنّ البعث لهُ وقتٌ معلوم، فإذا جاء وقته حدث بطريقةٍ طبيعيّة متناسقة لا تخالف مجرى الطبيعة التي خلقها الله وقضى بها منذ الأزل.

ولا أرى غرابة في أمر البعث لأنّه يتوافق تماما مع سُنن الخلق التي عرفناها. فحديثُ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يُزيل الحيرة في أمر البعث حين قال: (كُلُّ ابن آدم يأكله التُراب إلا عَجَبَ الذنب، ومنه يُركّبُ الخلق يوم القيامة).

فسُبحان الله من أنطق لسان هذا النبيّ الأمّي بعلمٍ لا يعرفه إلّا أخصّ الخواصّ من أهل الحكمة والمعرفة؟! إنّي قد قرأتُ في سابق عهدي لبعض الفلاسفة وكانوا يقولون: إن الكون والفساد والحياة والموت يتداولان في الخلق، وأنّ المخلوق الحيّ سيفسد ويتحلل بل وقد ينقرض جنسه بالكامل ويفنى من الوجود، إلّا أنّه لا بُدّ له من أن يعود في وقت ما في المستقبل، بشرط أن يبقى شيءٌ من عناصر تكوينه موجودا لم يتحلل كما تحلل غيره، فيعود للتكوّن من ذلك الأصل، ومع أن هذا الرأي إنما أُتي به ليُثبت إمكانية عودة الكائنات والأجناس المُنقرضة والتي عفى عليها الزمن إلى الوجود مرةً أخرى، إلا أنه يُظهر ترابطا مع حديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.

من تُراب والبعثُ من التُراب 4 الخلقُ من تراب والبعثُ من التُراب

إنّ الأجساد الأرضيّة تُركّب من عناصر أرضيّة وكذلك الإنسان. نحنُ نعرفُ في النبات، أنّ الشجرة كُلّما كانت أشدّ تعقيدا كُلّما تأخّر طلوعها بعد بذرها أكثر. فأنواع الكلأ تنبتُ في أقلّ من أسبوع على بذرها وسقيها، وأشجار التُفاح تزيد فترتها عن الشهر والشهرين. لذلك كان لزامًا على جسد الإنسان أن يبقى لآلاف السنين، بل لم يكُن ممكنًا بعثه لنقص عُنصرين من عناصره، ولا يحدُثُ البعث إلا باكتمال تلك العناصر، أمّا الأول فنعرفه من ديننا في قصّة البعث. ألم نسمع أنّ الله يُنزل مطرًا غزيرا لأيامٍ طوال، وبعد ذلك المطر يُنفخُ في الصور فيخرجُ الناس من الأجداث كما يخرُجُ النبات؟ ألم نقُل أن الله جعل من الماء كُلّ شيءٍ حيّ؟ فذاك المطر الشامل هو العُنصرُ الأول، والصوتُ الصارخ هو العُنصرُ الثاني. حتى حين نغطُّ في نومٍ عميق، إن سمعنا صوتًا صارخًا نقومُ فزعين كأنّما بُعثنا من الموت. فنزول الماء يُكون الجسد من عَجَب الذنب، فيبقى الجسدُ بلا حياةٍ حتى يُنفخُ في الصور، فنقوم فَزعين ونخرج من أجداثنا التي أزال صلابتها وعمقها المطر الغزير.

﴿ونُفخ في الصور فإذا هُم من الأجداث إلى ربهم ينسلون° قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ هذا ما وعد الرحمان وصدق المُرسلون° إن كانت إلا صيحة واحدة، فإذا هُم جميعٌ لدينا مُحضرون﴾

﴿يوم يُنفخ في الصور ونحشر المُجرمين يومئذٍ زُرقا° يتخافتون بينَهُم إن لبثتم إلا عشرا° نحنُ أعلمُ بما يقولون، إذ يقولُ أمثلُهم طريقةً إن لبثتم إلا يوما﴾.

ألسنا نقول: النوم ميتةٌ صُغرى والموت ميتةٌ كُبرى؟ أليس النائم لا يعلمُ حين يُفيق كم انقضى عليه من الوقت أثناء نومه؟ فتلك واحدة. أولسنا نعلمُ أنّ النائم لا يُفيق إلا إذا أحسّ بعارض من العوارض، كضوءٍ يُصيبُ عينه، أو صوتٍ يسمعه، أو شيء يُلامس بدنه، أو رائحة يشُمُّها؟ فالنفخُ في الصور يُفيق هؤلاء، وهذه الثانية.

فسُبحان الله ما أكثر التشابه بينهما، وما هذا التشابه إلا حكمة من حكم الله وآية من آياته.

﴿ومن آيته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله، إنّ في ذلك لآيات لقومٍ يسمعون﴾

﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا° ثُمّ يُعيدُكم فيها ويُخرجكم إخراجا﴾

ألم ترَ إلى الحكمة من قوله تعالى:

﴿يُخرج الحيّ من الميّت، ويُخرج الميّت من الحيّ، ويُحيي الأرض بعد موتها، وكذلك تُخرجون° ومن آياته أن خلقكم من تُراب ثم إذا أنتم بشرٌ تنتشرون﴾

وقوله سُبحانه: ﴿يا أيّها الناسُ إن كُنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تُراب﴾ ثم ذكر في آخر هذه الآية ﴿وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج° ذلك بأن الله هو الحق وأنه على كل شيء قدير° وأنّ الساعة لا ريبَ فيها وأنّ الله يبعثُ من في القبور﴾

فسُبحانه لم يقرن بين آيات البعث وآيات النبات إلا لحكمة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى