المدونة

سفر وجداني في ديوان قمريات بلون آخر

وأنا أقرأ “ديوان قمريات” بلون آخر للشَّاعر اليمني الشَّاب أنس الحجري، لم أكن اقرأ، ولكني كنتُ أمارسُ ضربًا من الرَّقص الوجداني. ذلك الشعور راودني وأنا أنتقل بين القصائد بخفة وبطء شديدين!

عندما تنتهي من قراءة الديوان تكتشفُ أنك أمام شاعر جميل قد شقَّ طريقه بقوة نحو الإبداع، فتحبه!

كثيرة هي التجارب التي عاشها الشاعر في النصوص، غير أنَّ صنعاء_ المدينة التي أحبَّها كثيرًا_ تحتل مكانة كبيرة في نصوصه.

في “قمريات بلون آخر”، يدهشكَ الجمع بين المتناقضات الوجدانية ضمن النَّص الواحد، فمثلًا: تجد أنَّ مشاعر القصيدة تجاه صنعاء مضطربة، فأحيانًا يتغزل بقمرياتها:

قمرياتها عيون عذارى

 تربك الفجر من مسافة ميل

وسرعان ما يتذكر أنها مدينة تسكنها الحرب، خصوصًا بعد أحداث سبتمبر 2014 فيخاطبها بنوع من التقريع والقسوة:

لديك أصول الدهر يفنيك رهنها 

لدى باعة الأكفان أهل المنابر

ضعي آلة الحرب القديمة وارحلي

 فلم يبقَ إلا أنت بين المقابر

يكشفُ الشَّاعر على نحو واضح مشاعره القلقة تجاه مدينته صنعاء، التي تعيش تحت واقع الحرب، فتجده في معرض آخر يحثها على المجالدة والاستبسال، وأحيانًا يحثها على الهرب، ومغادرة البلاد في أقرب فرصة:

 فإن فتحوا فيك المطار لساعةٍ 

وعندك ما يكفي من المال.. سافري

لكنه في الوقت ذاته: لا يتمالك نفسه المضطربة، فيخاطبها كما لو كان يخاطبُ نفسه:

لا تبتئس

 صنعاء أرض لا تموت

سفر وجداني في ديوان قمريات بلون آخر

هذا القلق الوجودي في وجدان الشاعر تجاه صنعاء؛ يفسره قلق الحياة غير المستقر في اليمن عمومًا، وصنعاء ما هي الا الحلم واليمن الكبير، فالواقع قد ألقى بحمله فوق أفئدة الجميع فتجد؛ الكتابات هي من جنسِ الواقع، ناهيك عن كون الشاعر كان منحازًا للثورة الشبابية 2011م التي عرفت بثورة بالربيع العربي، ثورة الحلم، فقد شحنت الثورة قلوب الشباب بالأحلام والآمال العريضة، ولكن الواقع الذي تلاها كان معاكسًا تمامًا لكلِّ ما رسموه وخططوا له:

ثلاثون عامًا ونحن نُربي

 سحابًا على غَيرِنا تُمطر

يعيشُ الشاعر الحجري في المهجر منذُ سنوات، ولعلَّ هذا ما يزيد من آلامِ الغربة، ويهيج مشاعر الحنين، وألم الفراق على وطنه، فتتسع حيرته، ويسكنه السأم، ويستبد به:

لا شيء يمنحني الحياة; قصيدتي

 ماتت، وقلبي بالمعاني مُثقلُ

وتارة أخرى، ينخر الحزن في عوالمه كغيره من الشباب اليمنيون الذين يعيشون في المهجر بين شوفينية الغرباء وقسوة الظروف:

يا أنتَ زد كأسًا أضيع بها

 ليلُ المنافي موحشٌ سهرُه

وهناك نصوص متفرقة تحكي سعة الحلم الذي ارتطم فوق حائط مصنوع من الرصاص، جعل من النتائج على عكس المتوقع، وما كان في الحلم:

وأعمارنا بدأت وانتهت

 ونحن على بابها نرزح

 ومشوارنا في السعادة يبقى

 محاولة قلما تنجحُ

ويحكي مسيرة الحلم الذي شابت له الأرواح وهي في مطلع الشباب.:

وتهامسوا حولي أمِن كبرٍ 

مأساتُه؟ أم مِن أسى كِبره؟

 ما زال في العشرين، كيف هَمت

 ألوانه؟ كيف انحنى شجرُه؟

وفي نصٍّ آخر:

إن كانت العشرون شاب لها دمي

 ويلي من الخمسين ماذا تفعلُ

الحجري 01 سفر وجداني في ديوان قمريات بلون آخر

القارئ لديوان “قمريات بلون آخر” يكتشف أنَّ الحيرة والحزن قد أخذتا مساحة كبيرة في الديوان على نحو يعكس أنَّ وجدان الشَّاعر ليس وحده من يسكنه الحزن والحيرة، ولكن بلاد بكاملها اسمها اليمن يسكنها الوضع ذاته. فالشاعر ما هو الا مرآة تعكس صورة من يقف أمامها!

ومما سيُدهش القارئ أكثر، هو الجمع بين التفاؤل والتشاؤم ليس فقط ضمن الديوان الواحد وإنما ضمن القصيدة الواحدة فالشاعر الذي كان قد على وشك إعلان اليأس كما في الأبيات السابقة، يفاجئك بروح أخرى أكثر قوة وصلابة:

ستمطر الأرض يوما رغم شحتها

 ومن بطون المآسي يولد الأمل.

 وفي نص آخر يقول: 

لن يبلغ اليأس مني ما يؤمله

 ولن أسلم ما أنجزتُ للفشل

الحب هو عنوان عريض من عناوين قمريات بلون آخر، يحتل المرتبة الثالثة باعتقادي ضمن الأغراض الشعرية للشاعر “الحجري”، ولكن حتى الحب كما لو كان جزءًا من الحلم الوطني للشاعر المتمثل بالثورة والوطن، يراوح مكانه بين الخيبة والحلم:

والموتُ بين يديكِ

 أشهى سكرةً وندى

 وأرقى في السماءِ سلالما

ويقول في نص آخر:

سر بي على النار قلبي موقد قلقا

 ولم يعد فيما لو أحرق احترقا

 لا من تغربت عنها كنت أسكنها

 ولا التي واعدتني وعدها صدقا

لا شكَّ أنَّ من يسافر في ديوان قمريات بلون آخر ترافقه الدهشة إلى النهاية، فهو ديوان سلسل وعذب الكلمات، يفيضُ بمشاعر صادقة، وروح شفافة، امتلكت جمال الأسلوب، وبراعة الموسيقى، ودقة التعبير عن كلِّ يمني!

في النهاية، ينتهي بالقارئ أن يسكنه ذلك التساؤل عن تداخل الأغراض الشعرية والمعاني الوجدانية، فهو يصادق بين المتناقضات: الحزن والفرح، الأمل واليأس، التفاؤل والتشاؤم، فتصيب القارئ عدوى اضطراب المشاعر الوجدانية، ليقول كما قال الشاعر نفسه:

في الروح شيء ما

 ولا أدري أيبكي

 أم يغني!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى