المدونة

ما لم يقله أبو عبيدة

حازَ الفارسُ المُلثَّمُ المُكَنَّى “أبو عُبَيْدَةَ” شُهرةً ساحقةً في الإعلامِ العربيِّ، وباتَ النَّاسُ شِيبًا وشُبَّانًا يَنتظرونَ بياناتِهِ على أحرَّ من الجمرِ، ولا يكادُ يُساعِفُهم الصَّبرُ، واثقينَ أنَّه ينطقُ بالحقِّ الصُّراحِ؛ لأنَّ المقاومةَ تقولُ ما تفعلُه سواعدُ أبطالِها، وقد عَهِدَ الناسُ أنَّ الكذبَ والتَّدليسَ ليس من مُفرداتِ قاموسِها، فكانتْ كلماتُهُ -بِصدقِها وَرَزانَتِها وبلاغَتِها- تقعُ من النُّفوسِ مَواقعَ ‌الماءِ مِنْ ذِي الغُلَّةِ الصَّادِي، فكَمْ روتْ مِنْ غُلَّة، وشَفَتْ مِنْ علَّة، على الرَّغمِ من غيابِ التَّواصُلِ البَصريِّ لأسبابٍ مُقدَّرةٍ، وصَدَقَ مَنْ قال: «إِذا خَرَجَ الكلامُ مِنَ القلبِ وَقَعَ في القلبِ، وإِذا خَرَجَ مِنَ اللِّسَانِ لَمْ ‌يُجَاوِزِ ‌الآذانَ».

وفي كلمَتِهِ الأخيرةِ تحدَّثَ بإيجازٍ خاطفٍ عنْ شراسةِ العدوانِ ومرارةِ الخِذلانِ، بنبرةٍ تجمعُ بينَ الأداءِ الرَّصينِ، والكَمَدِ الدَّفينِ، وكأنَّهُ يُردِّدُ في نفسِهِ قولَه تعالى: (‌وَيَضِيقُ ‌صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي)؛ فالمسؤوليَّةُ السياسيَّةُ لها قواعدُ تضبطُ إيقاعَاتِها، وتُراعِي ما لا نَرَى من توازُناتِها، وسبيلي أنْ أَضَعَ حاشيةً على كلمتيْ: (العُدوانِ والخِذلانِ) تبسطُ أمامَ القارئِ الكريمِ ما لم يَتَّسَعِ المقامُ لأبي عبيدةَ لِبَسْطِهِ.

* فأمَّا شراسةُ العُدوانِ، فَلا مقارنةَ من حيثُ العَددِ والعُدَّةِ بينَ مُقاومةٍ تعيشُ في قِطاعٍ ضَيِّقٍ مُحاصرٍ، وجيشٍ مُسلَّحٍ بأحدثِ الأسلحةِ وأشدِّها فتكًا، ولا تَوازُنَ بين مقاومةٍ دأبَ جُلُّ ظهيرِها العربيِّ والإسلاميِّ على حصارِها وشَيْطَنَتِها، وكيانٍ غاصبٍ تظاهرتْ كلُّ قوى الشَّرِّ على دَعْمِهِ ومُسَانَدَتِه، وحسبُنا ما رأينا بعد لَطْمةِ السَّابِعِ من أكتوبر؛ إذْ أجْلَبوا بِخْيلِهم ورَجِلِهم، وأقبلوا يَرمونَنا عن قوسٍ واحدةٍ، مُؤكَّدينَ أنَّ الكُفْرَ كلَّهُ مِلَّةٌ واحدةٌ.

ولكنَّنا ما نُقاتِلُهم بِعَددٍ ولا عُدَّةٍ، وإنَّما بعقيدةٍ راسخةٍ رسوخَ الجبال، مؤسَّسةٍ على حقٍّ ثابتٍ بلا جدال، وهنا نقتبسُ جزءًا من تلك المُراسلةِ الرَّائقةِ التي تمَّتْ بين أبي عُبيدةَ بن الجرَّاحِ (ت18هـ) وأميرِ المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ (ت23هـ)، رضي الله عنهما، في أعقابِ معركةِ “اليرموكِ” عام (15هـ)، حيثُ لم تَكُنِ قُوى المسلمينَ والرومِ مُتكافئةً من حيثُ العَدد والعدَّة مُطلقًا، ولكنَّ اللهَ نصرَ أولياءَه، وخذلَ أعداءَه، وكانَ مِمَّا كتبَه أبو عُبيدةَ: “أخبر أميرَ المؤمنينَ، أكرَمَه الله، أنَّا لَقينا الرُّومَ في جموعٍ لم تلقَ العربُ جموعًا قطُّ مثلَها، فأتَوْا وهُمْ يَرَوْنَ أنْ لا غالبَ لهمْ من الناسِ، فقاتلوا المُسْلمينَ قِتالًا شَديدًا، ما قُوتِلَ المُسلمونَ مِثْلَهُ في مَوطنٍ قطُّ، ورزقَ اللهُ المؤمنينَ الصَّبرَ، وأنزلَ عليهم النَّصرَ، فَقَتلوهُم في كلِّ قريةٍ، وكلِّ شعبٍ ووادٍ وسهلٍ وجبلٍ، وغنمَ المسلمونَ عَسْكَرَهم، وما كانَ فيه من أموالِهم ومَتاعِهم، ثم إنِّي اتَّبعْتُهمْ بالمسلمينَ، حتَّى بلغنا أقصى بِلادهمْ”.

فكتبَ إليه أميرُ المؤمنينَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ، رضى الله عنه، قائلًا: “فقد أتاني كتابُك، وفهمتُ ما ذكرتَ فيه من إهلاكِ الله المشركينِ، ونَصْرهِ المؤمنينَ، وما صَنَعَ لأوليائِهِ وأهلِ طاعَتِه، فالحمدُ لله على صَنِيعِه إلينَا، وَنَسْتَتِمُّ من الله ذلكَ بِشُكْرِهِ، ثمَّ اعلموا أنَّكمْ لم تُنْصَروا على عَدُوِّكم ‌بِعَدَدٍ ‌ولا ‌عُدَّةٍ، ولا حولٍ ولا قُوَّةٍ، ولكنَّه بعونِ الله ونصره، وَمَنِّهِ تعالى وفَضْلِه”.

الجاهلية2 1 ما لم يقله أبو عبيدة

* وأمَّا مرارةُ الخِذلانِ، فهوَ الألمُ المُمِضّ، والجُرْحُ المُمِدِّ، فَما أقسى أنْ يُديرَ لكَ الوليُّ الحميمُ ظهرَهُ وأنتَ في أمسِّ الحاجة إليه، وأنْ يقبضَ عنك يَدَهُ وأنتَ في مواجهةٍ نارٍ ستأتي عليكَ ثمَّ تأتي عليه، وكأنَّه ينادي بِلِسانِ الحالِ على جموعِ المُتخاذلينَ قائلًا:

= يا أيُّها الزَّائغونَ دينيًّا، أمَا بلغتْكُمْ تلك الأحاديثُ الصِّحاحُ، الآمرةُ بنصرةِ المسلمِ ومسانَدَتِه، والناهية عن خِذلانِهِ والتخلِّي عنه، منها قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ ‌وَلَا ‌يَخْذُلُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ)، وقوله: (المُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ ‌يَدٌ ‌عَلَى ‌مَنْ سِوَاهُمْ)، وقوله: (المُؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا)، ولله درُّ أبي حامدٍ الغزاليِّ (ت505هـ) إذْ يقولُ مَسْتَبْشِعًا تَرْكَ الدَّفعِ عن عرضِ الأخِ في غَيبَتِهِ، وإهمالَ الذبِّ عنه: “فَأَخْسِسْ بِأَخٍ يَرَاكَ وَالكِلَابُ ‌تَفْتَرِسُكَ، وَتُمَزِّقُ لُحُومَكَ، وَهُوَ سَاكِتٌ لَا تُحَرِّكُهُ الشَّفَقَةُ والحَمِيَّةُ لِلدَّفْعِ عَنْكَ، وَتَمْزِيقُ الأَعْرَاضِ أَشَدُّ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ تَمْزِيقِ اللُّحُومِ!”، فما بالكمْ وأنتمْ ترونَهُ على الهواءِ مباشرةً ولَحْمُهُ يُقطَّعُ إِرْبًا إِرْبًا؟!

وإنَّهُ -وربِّ الكَعْبةِ- لَدَينٌ مرودٌ، فَمَنْ خَذَلَ سَيُخْذَلُ ولوْ بعدَ حينٍ، مِصْداقًا لقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (مَا مِنِ امرئٍ ‌مسلمٍ ‌يخذلُ امرأً مُسلمًا في موضع يُنتَهَكُ فيه حرمتُهُ، ويُنتَقصُ فيه مِن عِرْضِهِ، إلَّا خذلَهُ اللَّهُ تعالى في موطنٍ يُحِبُّ فيهِ نُصْرَتَهُ، وما مِنِ امرئٍ مسلمٍ يَنصرُ مُسلمًا في موضع يُنتَقَصُ مِن عرضِهِ، ويُنتَهكُ فيه مِن حرمَتِه، إلّا نصَرَهُ اللَّهُ في موطنٍ يُحِبُّ نصرتَه)، فاختاروا لأنفسِكم، واعملوا لِغَدِكُمْ قبلَ يَوْمِكُم!

= ويا أيُّها المُغَيَّبونَ تَاريخيًّا، ألمْ تنلْ مِنكمِ أيدي الصَّهايِنَةِ كلَّ منالٍ في كلِّ بقعةٍ من بلادِ الطَّوْقِ، منذ نشأةِ هذا الكيانِ الغاصبِ، بل قبلَ ولادتِه المشؤومةِ، أنسيتمْ مجازرَ: حيفا (1937م)، والشيخ بريك (1947م)، ودَيْر ياسين (1948م)، وخان يونس (1956م)، وكفر قاسم (1956م)، وبحر البقر (1970م) وأبو زعبل (1970م)، وصابرا وشاتيلا (1982م)، والحرم الإبراهيميّ (1994م)، وقانا (1996م)، وجنين (2002م)، واليومَ نراها رأي العين في مُستشفياتِ المَعمدانيّ والقدس والشفاء، ومُخيَّمات جباليا والنُّصَيْراتِ والشَّاطئ… وغيرها، ممَّا لا يكادُ يُحْصَى؟!

ألا تعلمونَ أنَّهم يفعلونَ ذلك انطلاقًا من عقيدةٍ توراتيَّةٍ مُحرَّفَةٍ، تنصُّ على ذلك صراحةً، وحسبُكم أنْ تقرأوا جملةً من النصوصِ المُثْبَتَةِ زورًا في التوراةِ المُحرَّفةِ، تعالى اللهُ عمَّا يقولونَ علوَّا كبيرًا، منها: “وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالَهُمْ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ، وَجَمِيعَ مَوَاشِيهِمْ وَكُلَّ أَمْلَاكِهِمْ، وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ”. ومنها: “فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ، وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلاً بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا، لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّات”. ومنها: “وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي المَدِينَةِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى البَقَرَ وَالغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ”. ومنها: “وَأَحْرَقُوا المَدِينَةَ بِالنَّارِ مَعَ كُلِّ مَا بِهَا، إِنَّمَا الفِضَّةُ وَالذَّهَبُ وَآنِيَةُ النُّحَاسِ والحَدِيدِ جَعَلُوهَا فِي خِزَانَةِ بَيْتِ الرَّبِّ”. وقد ردَّدَ هذه الكلماتِ بلفظِها أو مَعناها عددٌ من حاخاماتِهم المُتعصِّبينَ، كما ردَّدها المُجرمُ “نتانياهو” اللَّعين، فلا تتعجَّبوا منْ قتلهِمُ الأطفالَ والنِّساء، فكمْ قتلوا من أنبياء!

أَمَا بلغكمْ أنَّ العالمَ كلَّه شرقًا وغربًا قد أطبقَ على نجاسةِ اليهودِ وسُوءِ أخلاقَهم، والذي لا أرتابُ فيه أنَّ تآمُرَ الغربِ على اغتصابِ فلسطينَ لإنشاءِ وطنٍ قوميٍّ لليهودِ، إنَّما كانَ للتطهُّرِ مِنْ نجاستِهم الغليظةِ، والاستراحَةِ منْ مُؤامراتِهم الدنيئةِ، فَجَعلوا من الأرضِ المقدَّسةِ مَقْلَبًا لتلكَ النِّفاياتِ البشريَّة، وتخلَّصُوا على حسابِنا من تلك اللعْنَةِ الأبديَّة.

ولا غروَ، فقدْ أطبقتْ أمثالُ الأُممِ قديمًا وحديثًا على ذلك؛ فالآشوريُّونَ يَقولونَ: “للشَّيطانِ عِدَّةُ وجوهٍ، أحدُها وجهُ يَهوديٍّ”، والرُّومانُ يَقولونَ: “إذا باضَ الدِّيكُ، سَيُصْبِحُ اليَهوديُّ إنسانًا”، واليونانُ يَقولونَ: “إذا تحدَّثَ اليَهوديُّ عن السَّلامِ، فاعلمْ أنَّ الحربَ قادِمَةٌ”، والفرنسيُّونَ يَقولونَ في التشبيهِ: “إنَّه وَسِخٌ مثلُ اليَهوديِّ”، وأشهرُ الأدباءِ الفَرنسيِّين “فيكتور هوجو” يقولُ: “اليَهودُ مَرُّوا مِنْ هُنا، يعني: كلُّ شيءٍ خَرابٌ”، والبِلغارُ يَقولونَ: “حيثُما وَطِئتْ قدمُ اليَهوديِّ، لَنْ تَنْبُتَ الحَشائِشُ”، والصِّربُ يَقولونَ: ” يَبني النَّاسُ، وَيُخَرِّبُ اليَهودُ”، والأرمنُ يقولون: “اليهوديُّ إذا لم يَجِدْ مَنْ يقتلُهُ، فإنَّه يقتلُ أباهُ”، والأوكرانُ يَقولونَ: “الدَّجاجةُ ليستْ من الطُّيورِ التي تطيرُ، واليهودُ ليسوا من البشر”، والروسُ يقولون: “الضيف الذي يأتي من دون دعوة حتمًا يهوديٌّ”. أفَيُعْقَلُ أنْ يُطْبِقَ العالَمُ شرقًا وغربًا قديمًا وحديثًا على تلكِ النُّعوتِ التي ترونَها رَأْي العَينِ، ثمَّ تقدمونَ على تَصديقِهم، والثقةِ في وُعودِهم؟! أليسَ منكمْ رجلٌ رَشيدٌ، ولا في جَماجِمِكُمْ عقلٌ رَشيدٌ؟!

صباح المنذَرين3 ما لم يقله أبو عبيدة

= ويا أيُّها المُغفَّلونَ إستراتيجيًّا، أَمَا تدرونَ أنَّ غزَّةَ بُعْدٌ استراتيجيٌّ مُهِمٌّ، لا يُفَرِّطُ فيه إلَّا مَخْبولٌ، ليس بمكانِها الفريدِ فحسبُ، بل بكونِها شوكةً في خاصرةِ الاحتلالِ البغيضِ، وإنَّ القضاءَ على المقاومةِ فيها إضعافٌ لكم، وكشفٌ لِظهرِكم، وحريٌّ بأيِّ أمَّةٍ راشدةٍ أنْ تعرفَ قيمَتَها، وأن تَدْعَمَها قدرَ استِطاعَتِها، فما بالكَ ولهم حقوقِ الدينِ واللُّغةِ والجِوارِ؟ ألا تعلمونَ أنَّ الدائرةَ يقينًا ستدورُ عليكمْ، وأنَّكمْ سَتندمونَ نَدامَةَ الكُسَعِيِّ، ولاتَ ساعةَ النَّدمِ، وساعَتَها سَتُرَدِّدونَ في حسرةٍ مُوجعةٍ: “أُكِلْتَ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الأَبْيَضُ”!

ويا أيُّها المحتلُّون اقتصاديًّا، ألا تستطيعونَ قطعَ النِّفطِ والغازِ عن هذا الكيانِ الغاصب، ومَنْ يوالونَهُ من قوى الغربِ؛ للضَغطِ عليه كما فعلتمْ من قبلُ في حربِ العاشرِ من رمضانَ؟ أوَّاهُ، فَقَدْ نسيتُ أنَّ الملكَ فيصل، رحمه الله، قد ماتَ، وأنَّه قد خلفَ من بعد خَلْفٌ أضاعُوا المُقدِّساتِ واتَّبعوا الشَّهواتِ! ونسيتَ أنَّ جميعَ دُولِ الخليجِ مُحتلَّةٌ بقواعدَ أمريكيَّةٍ! أليسَ أضعفُ الإيمانِ إيصالَ الوقودِ لتشغيلِ المُولِّداتِ الكهربائيَّةِ التي يعيشُ عليها الأطفالُ والمرضى في المستشفياتِ؟ وأنتمْ أكثرُ أهلِ الأرضِ إنتاجًا له، أمَا تَخْشونَ أنْ يُصبِحَ نِفطُكُم غَوْرًا في لَحظات، وأن تعودوا حُفاةً عًراةً تَرعونَ الشَّاءَ والبعيرَ في الفَلَوات؟!

= ويا أيُّها المَخْصِيُّونَ عسكريًّا، ألَا تروْنَ أنَّ جيوشَكمْ ليستْ ماهرةً إلَّا في الاستعراضاتِ العسكريَّةِ، ولكنَّها مُعطَّلةٌ عنْ مهامِّها الرَّئيسيَّةِ، ألمْ يكنْ بِوُسْعِكُمْ أنْ تُطَوِّروا سِلاحَكُمْ بأيديكمِ كما فعلتِ المُقاومةُ رغمَ الحِصارِ الخَانقِ، ألا ترونَ أنَّكم أكثرُ الأممِ شراءً للأسلحةِ، ولكنَّكم مَمنوعونَ من استعمالِها إلَّا في مُحاربة بعضِكم، أو مأمورونَ بِتخزينِها حتَّى يأكُلَها الصَّدأُ؟ ألَا تَرَوْنَكُمْ سَفَهًا تنشِّطونَ اقتصادَهم بما يستحلِبُونَ من أموالِكم، فإن لم يستخدمِ هذا السلاحُ في الدفعِ عن أبناءِ العُروبةِ والإسلامِ، فمتى يُستخدمَ؟ ولله درُّ الشِّهابِ الخفاجيّ (ت1069هـ) إذ يقولُ في وصفِ تلك الجيوشِ الوَرقيَّةِ:

جُيُوشٌ مَا لَهَا فِي الحَرْبِ نَفْعٌ

 حَكَتْ صُوَرًا تُصَوَّرُ فِي كِتَابِ! 

رَأَيْتُ قِتَالَهُمْ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ

 كَمِثْلِ الضَّرْبِ فِي كُتُبِ الحِسَابِ!

وحَسْبُكم في المذمَّةِ قولُ أبي عُبيدةَ مُحترِسًا مِنْ أنْ تَفهموا أنَّه يدعوكمْ إلى المشاركةِ المباشرةِ في الحربِ: “لا سَمَحَ الله”، وكأنَّه يُنادِي بتلكَ الجُملةِ الاعتراضيَّةِ البارعةِ على أشباهِ الرَّجالِ، وربَّاتِ الحِجَالِ، قائلًا:

‌دَعِ ‌المَكَارِمَ، ‌لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا

وَاقْعُدُ؛ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي!

= ويا أيُّها المُسْتَعْبَدوَن سياسيًّا، أعجزتمْ أنْ تَكونُوا مثل عددٍ من دول أمريكا اللاتينيَّةِ: بوليفيا، وتشيلي، وكولومبيا، التي قطعتْ العلاقاتِ الدبلوماسيَّةَ مع هذا الكيانِ الغاصبِ، دونَ أنْ تربِطَهم بالفلسطينيِّينَ أدنى رابطةٍ من دينٍ أو لُغةٍ أو جِوارٍ؟ لقد أثبتُّمْ للعالم كلِّهِ أنَّ جميع دُولِكم مُحتلَّةً، وأنَّ البقعةَ الحرَّةَ الوحيدةَ هي غزَّة، ولذلك يرمونَها عن قوسٍ واحدةٍ، حتَّى لا تَجْرُؤَ دَولةٌ أنْ ترفعَ رأسَها كما ترفَعُها غزَّة، ولا أنْ تسعى لامتلاكِ إرادَتِها كما تمتَلِكُها غزَّة، وأمَّا حديثُ المعبرِ، فأرجو ألَّا تُردِّدُوا أنَّهُ فلسطينيٌّ مصريٌّ، فتلكَ فِرْيَةٌ ما فيها مِرْيَةٌ!

= ويا أيُّها السَّاقطونَ إنسانيًّا، أعجزتُمْ أنْ تفعلوا كما فعلَ أهلُ الجاهليَّةِ، حينما أقدمَ عقلاؤهم على شقِّ صحيفةِ المُقاطعةِ الظالمةِ، ونهضَ بعضُهم لحمايةِ الرَّسولِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كما في فصَّلْتُ في الخاطرةِ السَّابقةِ: (مروءة الجاهليَّة)، فإنْ لم يكنْ لديكمْ وازعٌ من دينٍ، فأينَ ذهبتِ الإنسانيَّةُ والمروءةُ؟!

ويا أيُّها السُّفهاءُ ماديًّا، أبلغتْ بكم السَّفاهَةُ أنْ تنفقوا من مالِ الله الذي جعلكمْ مُستخلَفِينَ فيه الملياراتِ المُمَلْيَرةَ على المُبارياتِ والمهرجاناتِ، وأنْ نرى من سُفهائِكمْ مَنْ ينثرُ المالَ بغيرِ وعيٍ؛ لِيَصْدُقَ عليه حرفيًّا الحديثُ النبويُّ: (وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، فَهَذَا ‌بِأَخْبَثِ ‌المَنَازِلِ)، فليتَ شعريِ أينَ البطولةُ المزعومةُ في الملاعبِ، من بطولةِ المُجاهدينِ في مُقاومةِ العدوِّ الغاصبِ؟!

وختامًا:

فإنَّ أهلَ غزَّةَ العزَّة -مهما أصابَهم من قَرْحٍ- مَنصورون، ومهما خذلَهم إخوانُهم ظاهرونَ، وهم -وإنْ تآمرَ عليهم أهلُ الأرضِ قَاطبةً- بحولِ الله غالبونَ، فلستُ أتردَّدُ في أنَّهم ممَّنْ ينطبقُ عليهم قولُ الرَّسولِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ، ‌لَا ‌يَضُرُّهُمْ ‌مَنْ ‌خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ)، ‌وَاللَّهُ ‌غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.

د. مصطفى السواحلي

د. مصطفى السواحلي أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية، سلطنة بروناي دار السلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى