المدونة

مِنْ ذِكْرَيَاتِ التراويح

يأتي رمضانُ كلَّ عامٍ كأنَّه الغيثُ الهامعُ يُحيي النُّفوسَ بعد مَوْتها، وكأنَّه الدَّواءُ النَّاجعُ يشفِي القلوبَ بعد اعتلالها، وكأنَّه السِّراجُ الوهَّاجُ ينيرُ الدُّروبَ بعد تَعْمِيَتها، وكأنَّه العِطْرُ الفوَّاحُ يُضمِّخ الأجواءَ بعد عَطَنِها، فَوَاهًا لِصَدْيانَ يتقطَّعُ حلقومُهُ أصابَ ماءً ولا كصَدَّاء، وَوَاهًا لمُجْدِبٍ تُنازِعُ سَوامُهُ أصابَ مَرعًى ولا كسَعْدان، وواهًا لأعمى أبْلَسَ منه النُّطْسُ، فجاءه البشيرُ بقميصِ يوسفَ، فألقاه على وجهه، فارتدَّ بصيرًا، إنَّها وربِّي النَّسماتُ الإيمانيّةُ التي تُحيطُ بها المعرفةُ، ولا تؤدِّيها الصِّفَة، فلا جرمَ أنْ تجدَ فيه النفوسُ المستوحشةُ أُنْسَها، والأرواحُ المعذَّبةُ حِضْنَها، والقلوبُ الوالهةُ صُحبةً تُسافرُ معها من مَغْرِبِ حَيْرِتها إلى مشرق يقينها، فيسوقها حادي الأرواحِ إلى بلاد الأفراحِ، ويأخُذُها سُلَّمُ الوصولِ إلى معارجِ القبولِ، فما ينفكُّ المؤمنُ يتقلَّبُ بين نهارٍ صائمٍ وليلٍ قائمٍ، حتَّى تنقلبَ نفسُهُ راضيةً مرضِيَّةً، وما يبرحُ المجتهدُ بين إسراءٍ من أوديةِ الشَّهواتِ ومعراجٍ إلى ملكوتِ السَّماواتِ حتَّى تغشاهُ الرَّحمةُ، وتنزلَ عليه السَّكينةُ، وتذكُرَهُ الملائكةُ في الحضرةِ القُدْسيَّة.

لكنَّ رمضانَ منذ بضعِ سنواتٍ تهاجِمُني فيه جيوشٌ من الوَحشةِ كأنَّها جَلْدُ السِّياطِ، أو قَطْعُ النِّياط، ليس فحسب بسببِ البُعدِ عن الأهلِ والأحبابِ، وإنَّما في المقامِ الأوَّلِ بسببِ الحرمانِ من المنبر والمحرابِ، ذلك الحِضْنُ الدَّافئُ الذي ضَمَّني قرابةَ رُبعِ قرنٍ من الزَّمانِ، دأبْتُ فيه على الخطابةِ دومًا والإمامةِ في التَّراويحِ مُستظهرًا القرآنَ الكريم كاملًا، وهو ما لا أعدلُ به بدلًا، ولا يعوِّضُنِي عنهُ مالٌ أو نَشَبٌ.

فقد منَّ الله عليَّ بحفظ القرآن الكريم منذ نُعومةِ أظفاري، وكنتُ في صدرِ شَبابي بفضل الله متينَ الحفظِ، مُتقنَ الأداءِ، خَبيرًا بمواطن المتشابهاتِ؛ إذْ كنتُ مُحترِفًا للمسابقاتِ، مُتَكسِّبًا بها على اختلافِ مجالاتها، مُدْرِكًا من المآربِ ما أغنى وأقنى، فائزًا غالبًا بالِقْدحِ المُعَلَّى، وإنْ كنْتُ لمْ أُرزَقِ النَّداوةَ التَّامَّةَ في الصَّوتِ التي تحشرُنِي في زُمرة القُرَّاء المُحترفين، وقد كان لي من الذَّكرياتِ الغَوالي في تلك الأيام الخَوالي ما يعاودني طَيْفُ خَيالهِ مرارًا، وبخاصَّة فيما يتعلَّقُ بالفتحِ على الإمام الذي لا تضبطُهُ ضوابط، بل كثيرًا ما يكونُ مصدرًا للتَّشويشِ والإرباكِ، حتَّى شبَّهُهُ أخونا د. علي النَّجار – وقدْ عَانَى بعضَ ما عانَيْتُ – بقول إسماعيل ياسين في أحد أفلامه: “بُرُرُمْ”، كنايةً عن صوتٍ شاذٍّ أبلهَ لا معنى له.

فليس هناك من عاقلٍ يزعمُ السَّلامةَ منَ الخطأ أو الإغلاقِ، لأنَّ القرآنَ غالبٌ، ومَنْ كابدَ هذا الموقف يشعرُ أنَّ الصفحةَ التي يتابِعُها بِمُخيِّلتِهِ صارتْ بيضاءَ لا شِيَةَ فيها، حتَّى في أسهلِ المواطنِ وأبعدِها عن التشابُهِ، وقد نقلتْ كتبُ التَّراجمِ موقفَيْنِ للإمام الكِسائيّ (ت189هـ) وهو إمامُ النَّحو في الكوفة، وقريعُ سيبويه في البصرة، كما أنَّه أحدُ أصحابِ القراءات السَّبْعِ، فقد رُوِيَ أنَّه اجتمعَ مع اليزيديِّ عند هارون الرَّشيد، فحضرتْ صلاةُ الجهر (المغرب)، فقدَّموا الكسائيَّ، فصلَّى بهم، فأُرتجَ عليه في قراءة: (قُلْ يَا أيُّها الكَافِرُونَ)، فلمَّا سلَّم، قال اليزيديُّ: قارئُ أهلِ الكُوفةِ يُرْتَجُ عليه في: (قُلْ يَا أيُّها الكَافِرُونَ)، فحضرتْ صلاة الجهر (العشاء)، فتقدَّمَ اليزيديُّ فصلَّى، فأرتجَ عليه في سورة الحَمْد (الفاتحة)، فلمَّا سلَّم، قال:

احْفَظْ لِسَانَكَ أَنْ تَقُولَ، فَتُبْتَلَى 

 إِنَّ البَلاءَ مُوَكَّلٌ بِالمَنْطِقِ

ونقل الذَّهبيُّ في سير أعلام النُّبلاءِ عن الكسائيَّ أنَّه قال: صَلَّيْتُ بِالرَّشِيدِ، فَأَخْطَأْتُ فِي آيَةٍ، مَا أَخْطَأَ فِيهَا صَبِيٌّ، قُلْتُ: (لَعَلَّهُمْ يَرجِعِين)، فَوَاللهِ مَا اجترأَ الرَّشِيدُ أَنْ يَقُولُ: أَخْطَأْتَ، لَكِنْ قَالَ: أَيُّ لُغَةٍ هَذِهِ؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! قَدْ يَعْثُرُ الجَوَادُ. قَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ.

وقد بدأتُ الإمامةَ المنتظمةَ في التَّراويح عام 1993م بمسجد “نور الإسلام” بطنطا، وهو على صِغَرِ مِساحته يعدُّ علامةً مميزةً في النشاط الدعويَّ بطنطا، إذ دأبَ الأخُ الأكبرُ الدكتور ميسرة سالم الذي يشرفُ عليه، وعلى جمعية تحفيظ القرآن الكريم التي أسَّسها والداه رحمهما الله على انتداب كبارِ العلماءِ للخطابةِ وإلقاءِ الدروسِ فيه، وكانتْ مُكبِّرات الصوت تنتشر منه لمسافاتٍ بعيدةٍ في كلِّ اتجاهٍ، فَتُسْمِعُ ما لا تُسْمِعُهُ إذاعةُ وسطَ الدِّلتا، ولكنْ ممَّا كانَ يزعجُ فيه أنَّه متاخمٌ لمنطقةٍ عشوائيَّةٍ تُعرف باسم “كاندليه”، فلا يكادُ يمرُّ يوم دونَ معركةٍ “فُتِّحتْ فيها مَطَاوٍ وَسِنَج، وهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَع”، على حَدِّ تعبيرِ أحدِ الهَزَلَةِ من زُملائِنا، كما أنَّ بالمنطقةِ شُعبةً من السلفيَّة المَدْخليَّةِ، تُعرفُ بِالحدَّادينَ، وحسبُكَ بِضَلالاتِهم في قضيَّة تبديعِ الأئمَّةِ التي أَرْهَقُوني منْ أمرِ مُناظَرَتِهم فيها عُسْرًا، حتَّى إنَّ بعضَهم كانْ لا يُلْقِي عليَّ السَّلامَ، مُنكرًا ما أسْدَيْتُ إليه من معروفٍ كثيرٍ!

ذِكْرَيَاتِ التَّرَاوِيحِ 1 مِنْ ذِكْرَيَاتِ التراويح

ونعودُ إلى الإمامةِ، فممَّا أذكرُه أنَّني في الليلةِ الثانيةِ للتراويحِ بعد أول أيام الصيامِ، وهي أكثرُ اللَّيالي ازدحامًا عادةً، قرأتُ الجزءَ الثانيَ كاملًا دون تلعْثُمٍ أو خطأٍ على كثرةِ مَزالِقِه، وكأنَّما داخَلَنِي شيءٌ من العُجْبِ بالنفسِ، ثمَّ قرأتُ في ركعَتَيِ الشَّفع بالرُّبعِ الأوَّلِ من الجزء الثالثِ، وبينما أقرأ آية الكرسيِّ، قلت: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، فإذا بالمُصلِّينَ جَميعًا في نفسٍ واحدٍ يقولون: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ!

والموقفُ يدلُّكَ على طبيعةِ القومِ، فكأنَّهمْ يُلاحقون الإمامَ، ويُسارعونَ إلى الرَّدِّ، ولا يتركونَ له فرصةً حتَّى لالتقاط نفسه، حتى كان كبيرهم “الشيخُ رشاد” يقول لهم أحيانًا: رفقًا بالإمام.

ولي مع الشيخ رشاد رحمه الله ذكرياتٌ لا تُنْسى، فقد كانَ نجَّارًا نيَّف على السبعين، وكان حافظًا، وقد اعتادَ الإمامةَ في ذلك المسجدِ لسنواتٍ، وكأنَّما كَبُرَ عليه أنْ يحلَّ محلَّهُ شابٌّ من عُمْرِ أحفادِهِ، فكان أكثرَهمْ مُسارعةً إلى الردِّ، حتَّى إنَّني كنتُ إذا أطلْتُ السَّكتةَ بعد الفاتحةِ يظنُّ أنَّني أفكِّرُ فيما أقرأ، فيفتحُ عليَّ قبلَ أنْ أبدأَ، وإذا تركْتُ بينَ الرَّكْعتَيْنِ آيةً أو آيتَيْنِ سَهوًا يردُّني لإعادتِي إلى الآية المتروكةِ، وكانَ أحيانًا يردُّنِي خَطأً، فلا أُطاوعِه وأمضِي، وبعد التسليمِ يعتذرُ بقوله: معذرةً، أو عذرًا، لكنَّ الموقفَ الذي لا أنساهُ ما حَيِيتُ أنَّني كنتُ أقرأُ في سورة الفرقان: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا)، فردَّ الشَّيخُ رشاد: ما لا يضرُّهم ولا ينفعُهم، وأنا أعلم أنَّ الضرَّ مُقدَّمٌ على النَّفعِ في يونس، والعكسُ في الفرقان، فأعدتُها على الصَّوابِ الذي قرأْتُ، فأعادَ الردَّ مُشَدِّدًا على تقديم الضرِّ على النفعِ، ولا أدري ما الذي دارَ في نفسي ساعتَها، هل اهتزَّتْ ثقتي فيما أعرفُ يقينًا، أو أنَّني أردْتُ إحراجَهُ، فأعدْتُها مُقَدِّمًا الضُّرَّ على النفعِ، فردِّني الأستاذُ محروس الشَّهاوي المحامي الذي كان يفتحُ المصحفَ ورائي دائمًا، وطالما طالبْتُ باقتصارِ الردِّ عليه، فأعدتُها مرةً أخرى على الصَّوابِ الذي قرأتُ بدايةً، فتلك سبع مرَّات تكرَّرتْ فيها الآية!!!

وكان قدرًا مقدورًا أنْ أنتقلَ بعد ثلاث سنوات إلى مسجد “البرِّ بالوالدين” بمدينة نصر، بنفحةٍ قدريَّةٍ لا تكادُ تُصدَّقُ، فكانتْ نقلةً كبيرةً من بيئةٍ في غايةِ الفقرِ وجُلُّ جمهورها من العمَّال الفقراء، إلى بيئةٍ في غايةِ الغِنى وجُلُّ جُمهورِها من رجالِ الأعمالِ واللواءاتِ والوزراءِ، ونقلةً من الأسئلةِ عن مُحَلِّلٍ لامرأةٍ طلَّقها زوجها ثلاثًا؛ لأنَّه كان غائبًا عن الوعي تحت تأثيرِ شُرْبِهِ ثلاثَ زجاجات من دواء الكُحّةِ دفعةً واحدةً إلى بيئة تسألكُ عن العمل في المُشْتقَّاتِ الماليَّة والتَّسويق الشَّبكيّ والتجارةِ الإلكترونيَّةِ، ونقلةً من بيئةٍ تتمَلْمَلُ من الإطالةِ إلى بيئةٍ تريدُ المزيدَ، وأذكرُ أنَّ أطول صلاةٍ صلَّيْتُها في حياتي كانتْ هناك؛ إذْ صليَّتُ أربعَ ركعاتٍ من صلاة التهجُّدِ وراء الحاج أحمد أبو شادي رحمه الله، وكان في الثمانين من عمره أو نيف عليها، ومع ذلك قرأ في الركعة الأولى بالشُّعراء كاملةً، وفي الثانية بالنمل، وفي الثالثة بالقصص، وفي الرابعة بالعنكبوت. والمفارقةُ أنَّ أكثرَ ما كان يؤرقنا هناكَ سرقةُ الأحذيةِ، فلا تكاد تخلو منها جمعةٌ؛ لأنَّ مُعْظَمها بأسعارٍ باهظةٍ كانتْ بمثابةِ صَدمةً لي أولَ الأمر، وممَّا أذكرُ يومًا أثناءَ صلاةِ التَّراويحِ أنَّ العاملَ قبضَ على أحدِ اللُّصوصِ مُتَلَبِّسًا بالسَّرقةِ، وقد همَّ الناسُ بضربه، فنهَيْتُهم، وسلَّمْتُهُ إلى قسمِ الشَّرطةِ، وتمَّمْتُ عليه كافَّةَ أركانِ الجَريمةِ، وتابعَ بعضُ الكبارِ القضيَّة، فحُكِمَ عليه سريعًا بالسجن لمدة ستة أشهر، لم يخرجْ حتَّى قضاها، وإنْ تعجبْ فعجبٌ أنَّ الحذاءَ المسروقَ كان لفتًى في المرحلةِ الإعداديَّةِ، وهو اليوم ضابطٌ في الشُّرطةِ، بقطاعِ المَباحثِ؟!!

ذِكْرَيَاتِ التَّرَاوِيحِ 3 مِنْ ذِكْرَيَاتِ التراويح

ونعودُ إلى التَّراويحِ التي صلَّيْتُها هناك لمدةِ عشرينَ سنةً، كانتْ من أثرى أيامِ عُمْري، وقد كانت الأمورُ في الفتحِ على الإمامِ بعيدةً عن الغَوْغائيَّةِ إلى حدٍّ ما، لا أذكرُ من نَوادِرها إلَّا أنني قرأت يومًا قوله تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، فردَّ أحدُهم: وإسحاقَ ويعقوبَ، فأوسَعْتُهُ تقريعًا علانيةً بعد الصَّلاة، وقلتُ: إنَّ المُتكلِّمَ هو يعقوب، فكيف يكونُ ابنًا وأبًا في آن معًا، وشفعْتُ الكلامَ بنادرةٍ لأحدِ الأئمَّةِ في السُّعوديَّة إذ قرأَ: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ تَحْتِهِمْ)، فقال له أحدُ المُصلِّين: “حِفْظ ما في، عَقْل ما في”؟ وفي مرَّةٍ أُخْرى قرأتُ: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) فردَّ أحدُ فاتِحي المَصاحِف: إنَّ صَلَوَاتك، فأعدْتُها ثانيةً مُشَدِّدًا على القراءةِ الصَّحيحةِ، فسكتَ ومضَيْتُ، ولكنِّي لمْ أقمْ بتقريعِهِ بعد الصلاةِ؛ لأدَبِهِ الذي أعرفُهُ، لا لأنَّهُ عَمِيدٌ في القضاءِ العَسكريّ؟!

وقد قام بدورِ “الشيخ رشاد” في المسجد الأولِ المهندسُ محمد عبد الله الأقرع في المسجد الثاني، رحمه اللهُ حيًّا أو ميتًا فقد انقطعتْ عنِّي أخباره، وهو من الرَّعيلِ الأول لقسم هندسة البترول بجامعة القاهرة، وقد عمل في “أبو ظبي” قرابةَ ثلاثين سنةً، وبنى عمارةً مقاربةً للمسجد، وكان حريصًا على صلاة الجماعة دومًا مع التَّطويلِ الشَّديدِ، فسألتُهُ عن سببِ ذلك فقال: أنا أراجعُ الوِرْدَ اليوميّ في الصلاةِ، فأقرأُ بالترتيبِ في كافَّة الصلواتِ سريَّةً أو جهريَّةً، وهو ما تعلمْتُهُ منه، ومِنْ أعظمِ ما انتفعْتُ به، ولا زلْتُ آخذُ به نفسي حتَّى اليوم.

وقد كان حفظُهُ متينًا، لكنَّ مشكلته أنَّ صَوْتَه منخفضٌ جدًّا وغيرُ واضحٍ، فلا تكادُ تسْمَعُ إلا “بُرُرُمْ”، كما أنَّه لمَّا جاوز السبعين بدأتْ ذاكرتُهُ تضعُفُ، فكانَ يُخْطِئُ في الردِّ أحيانًا، وأحيانًا كان يتأخَّرُ كثيرًا، فقد تسقطُ منِّي كلمةٌ أو يقعُ خطأٌ يسيرٌ وأتجاوَزُه، وأمضي، وبعد آيتينِ أو ثلاثٍ يأتيك الردُّ، كأنَّهُ يُعيدُكَ خطواتٍ إلى الخلفِ، ممَّا يسبِّبُ إرباكًا شديدًا.

وختامًا، فهذا غيضٌ من فيضِ ما عانيْتُ، ولكنَّها كانتْ مرحلةً حياتيَّةً ثريَّةً، انتقلتُ فيها من درجة “معيد” إلى درجة “أستاذ”، وفتحَ له لي فيها منْ أبوابِ فضلِهِ ما لَسْتُ له أهلًا، وما أرى ذلك إلَّا ببركةِ القرآنِ، وبركةِ البِرِّ بالوالدين، وإنِّي لأحلمُ بيومٍ تُغَلُّ فيهِ يدُ الأحقافِ، لأعوَد إلى حِبِّي الأثيرِ، وأقضي ما بقي من عُمري بين المنبرِ والمِحرابِ، وما ذلكَ على اللهِ بعزيزٍ.

د. مصطفى السواحلي

د. مصطفى السواحلي أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية، سلطنة بروناي دار السلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى