
في التاسع عشر من مارس 2011، شنّ الحوثيون هجوماً على مدينة صعدة، لتبدأ معارك ضارية بينهم وبين مسلحي قبيلة “العبدين” الموالية للحكومة بقيادة البرلماني الشيخ عثمان مجلي. استمر القتال أياماً، مخلّفاً 45 قتيلاً ودمار 13 منزلاً. وبحلول الرابع والعشرين من مارس، أحكم الحوثيون سيطرتهم الكاملة على المدينة؛ فدُمّر منزل مجلي، وفرّ المحافظ طه هاجر إلى صنعاء على متن مروحية، في حين سلّمت قيادات الجيش معداتها وقواعدها العسكرية. وفي السادس والعشرين من الشهر ذاته، عُيّن فارس مناع محافظاً، وأعلن الحوثيون تسيير إدارة مستقلة تماماً عن سلطة صنعاء. للناظر من الخارج، بدا وكأن صعدة قد سقطت في غضون أسبوع، غير أن من يقرأ المدينة من الداخل يدرك أن ما جرى لم يكن “سقوطاً”، بل انتقالاً لشبكة نفوذ من نظام إلى آخر، دون أن يتغير شيء جوهري في بنيتها.
لا يهدف هذا المقال إلى سرد سيرة فارس مناع، رغم طابعها الاستثنائي، بل نتخذه عدسةً تحليلية لفهم آليات اشتغال النفوذ القبلي في صعدة. وتستند مقاربتنا إلى فرضية مركزية مفادها: أن القبيلة هنا لا تستمد هيمنتها من “أصالة” متخيّلة أو أيديولوجيا عقائدية صلبة، بل من براغماتية فائقة في إعادة نسج أربع مسارات حيوية (القرابة، الاقتصاد، الوساطة، ومؤسسات الدولة) لتوائم أي تحول سياسي. ومسار فارس مناع هو التجسيد الأبرز لهذه الديناميكية؛ فقد عرّى طبيعة هذه الشبكة حين تحول بانسيابية تامة من “رجل نظام صالح” إلى “محافظ سلطة الحوثيين”، محتفظاً بوزنه القبلي دون أن يفقد منه قيد أنملة. ولكي نفهم تعقيدات هذه الشبكة وكيف تعمل، علينا أولاً العودة إلى اللحظة التأسيسية، وهي بداية الجمهورية الوليدة.
الفراغ التأسيسي: الجمهورية وإزاحة الإمامة
تكشف القراءة المتأنية للتاريخ السياسي اليمني ما قبل ثورة 1962، عن هيمنة مطلقة لنخبة السادة الزيديين على مقاليد السلطتين الزمنية والرمزية في شمال اليمن؛ استناداً إلى شرعية النسب النبوي، كما تؤكد الأنثروبولوجية “غابرييل فوم بروك”. وقد تجذرت هذه السلطة تاريخياً في صعدة، بوصفها أول “هجرة” زيدية أسسها الإمام يحيى بن الحسين (الهادي) في القرن التاسع الميلادي ليكون وسيطاً بين القبائل المتناحرة؛ في مفارقة عجيبة تجعل من مدينة تأسست على “الوساطة”، مهداً لوسطاء الحروب المعاصرة أمثال فارس مناع.
لكن مع اندلاع ثورة سبتمبر 1962 شكّل قطيعة حاسمة مع هذا الإرث، حيث جُرّدت طبقة السادة من سلطتها السياسية ومكانتها الاجتماعية، وصودرت ممتلكاتها، لتتحول من نخبة حاكمة إلى خصم للعهد الجديد. وقد ولّد هذا الإقصاء فراغاً سياسياً وتأسيسياً ضخماً: من سيملأ الفراغ ويرث التركة؟
لكن سرعان ما قدم النظام الجمهوري إجابته البديلة بتصعيد “شيوخ القبائل” لملء هذا الفراغ. وهو تحوّل لم يكن ضمنياً، بل برز بوضوح لاحقا حيث تحدث علي عبد الله صالح عام 1986 لمجلة المجلة بأن “الدولة جزء من القبائل”، وصولاً إلى تأكيد الشيخ عبد الله الأحمر عام 2000 بأن “القبيلة هي الأساس وفوق كل شيء عدا الدين”. عبر هذا المسار، أُعيد إنتاج “القبيلة”، لتنتقل من مجرد تنظيم اجتماعي في العهد الإمامي، إلى عمود فقري تنهض عليها مؤسسات الجمهورية.
“التوازن المعارض” وحدود الدولة الضعيفة
لفهم آليات الحكم في اليمن الجمهوري، تقدم الباحثة ماريكا براندت (Marika Brandt) مقاربة نظرية شديدة الأهمية، تستلهم فيها مفهوم “التوازن المعارض” (Balanced opposition) للأنثروبولوجي “إدوارد إيفانز-بريتشارد”. تجادل براندت بأن الجمهورية اليمنية لم تكن سوى منظومة معقدة من التحالفات المتقلبة والمحكومة بدوافع محلية؛ فقد أرسى علاقات زبائنية (محسوبية) طويلة الأمد مع النخب القبلية، حيث عقدت الدولة تسوية أنتجت عقوداً من الاستقرار النسبي: رعاية شبكات محسوبية ممتدة مع النخب القبلية وضمان بقاء نفوذها في الريف الشمالي، مقابل تعاون الشيوخ مع الحكومة المركزية.
ويُعزى ذلك، بحسب براندت، إلى ضعف الدولة وهشاشتها إلى حدٍ استحالت معه المواجهة المباشرة مع القبائل المدججة بالسلاح. لذا، لجأت السلطة إلى ترسانة كاملة من الوسائل غير العسكرية لإدارة الحكم، شملت: الاستيعاب، وتكريس شبكات المحسوبية، وتسييس مشاريع التنمية (عبر المنح أو الحرمان)، فضلاً عن إثارة النزاعات بين الخصوم واستثمارها. وهذا ما يجسد جوهر “التوازن المعارض”؛ فلا غلبة لطرف على آخر، بل قبول متبادل، وتوترات مضبوطة بإيقاع التوازن.
أما حين يقرر أحدهم التمرد على قواعد هذه اللعبة ورفض الانصياع لها، فإن العواقب قد تكون كارثية. ولعل الحادثة الأبرز في هذا السياق ــ وإن لم تكن بالضرورة المثال الأدق من الناحية النموذجية، هي مأساة الشيخ ناجي الغادر، شيخ مشايخ “خولان الطيال”، إثر رفضه للمصالحة عام 1970. فقد تجلت ضريبة هذا التمرد بوضوح في “مجزرة بيحان” عام 1972، والتي أُغتيل فيها أكثر من 65 شيخاً من خولان إثر تواطؤ صامت جمع بين صنعاء والجبهة القومية في عدن. وقد كان الدرس الدموي المستخلص من بيحان شديد الوضوح لمشايخ القبائل. وفي خضم هذا الإطار المعقد، برزت عشيرة “مناع” كلاعب نموذجي؛ لا لكونها تمردت على اللعبة، بل لأنها أتقنت قواعدها ببراعة.

خريطة التحالفات: قبائل صعدة من الستينات إلى اليوم
تتشكل محافظة صعدة، كما توثّق الباحثة ماريكا براندت، من خمس قبائل رئيسية تنضوي تحت لواء اتحاد “خولان بن عامر”، وهي: سحار، خولان، رازح، منبه، وجماعة؛ وذلك إلى جانب قبائل بكيلية كبرى تقطن شرق المحافظة، أبرزها وائلة، ودهم، وسفيان. وتشير براندت إلى أن اندلاع الحرب الأهلية في الستينيات قد حطم الصورة الذهنية النمطية التي لطالما صوّرت صعدة كـ”حصن ملكي” متجانس. إذ كشفت تلك الحقبة عن مجتمع قبلي منقسم بحدة، ليس فقط على مستوى القبائل المتجاورة، بل أحياناً في صميم القبيلة أو العشيرة الواحدة.
توزعت ولاءات القبائل بشكل متباين؛ ففي حين كانت قبيلة “وائلة” في الشرق الحليف الأبرز للملكيين، حيث آوت الأمير حسن بن يحيى ووفرت قواعد حيوية لمدفعية الإمامة بالقرب من نجران. انحاز أيضاً شيخ خولان الأكبر، حسين روكان، إلى المعسكر الملكي (وهو اصطفاف أدى إلى اغتيال الزعيم الجمهوري في القبيلة، محمد غتاية، على يد رجال خولان الملكيين). أما قبيلة “رازح”، التي عُدت تاريخياً معقلاً للمصالح الزيدية، فقد شهدت بدورها انقساماً داخلياً لافتاً. ففي حين اصطف معظم أبنائها مع المعسكر الملكي، مدفوعين بالقناعة والولاء التعاقدي، وبقيادة شيخ مشايخها آنذاك علي أحمد العزّام والعديد من الزعماء الآخرين. برزت أقلية ساندت الجمهوريين بفعالية وعلانية، ناهيك عن المتعاطفين معهم سراً. ولم يكن انحياز هذه الأقلية للجمهورية عبثياً، بل تغذى على الاستياء العميق من سلطة “السادة” وامتيازاتهم الحصرية، والتذمر من قصور الإمام محمد البدر، فضلاً عن التوق إلى وعود التنمية التي رفعها العهد الجديد. وقد تجسد هذا الانقسام العضوي حتى داخل العشيرة الواحدة؛ فبينما أيد بعض شيوخ رازح الثورة علناً، مثل “شيخ الأزد” وسليمان الفرح من عشيرة المشيخة في “النظير”، كانت أسرة “آل فرح” ذاتها تضم بين صفوفها أنصاراً نشطين للملكيين في الوقت نفسه.
في المقابل، شكلت قبيلتا سحار ومنبه (تحديداً من فرع “فُرود”) دعامة قوية للجمهورية. وحتى داخل “سحار” نفسها، برز الانقسام جلياً؛ فبينما اصطف شيخ المشايخ دردح بن جعفر وناصر بن قرشة مع الملكيين، تكتلت الغالبية بقيادة فايد مجلي وشقيقه حمود وابنه حسين ضمن ما عُرف بـ”لواء صعدة”. تحالف هذا اللواء مع كبار شيوخ حاشد وبكيل الجمهوريين (أمثال عبد الله الأحمر، ومجاهد أبو شوارب، وأمين أبو راس). ومن صميم هذا اللواء تحديداً، برز اسم “عبد الله بن علي مناع” ونجلاه محمد وفيصل، الذين شاركوا في فك “حصار السبعين” عن صنعاء عام 1967، وأُدرجت أسماؤهم ضمن “القائمة البيضاء” للشيخ عبد الله بن حسين الأحمر.[1]
أما بعد عام 1970، أي بعد حدوث المصالحة بين النظام الجمهوري والملكيين فتصفها براندت بمرحلة “تحولات النخبة”، فقد تميزت هذه الحقبة بصعود طبقة جديدة من الشيوخ التجّار، الذين غدوا “أكثر نفوذاً من أي وقت مضى.”
وتوازى هذا الصعود مع ترسيخ سياسة رعاية وزبائنية (محسوبية) سعودية، تعود جذورها إلى معاهدة الطائف عام 1934، لكنها تعمقت وتُمأسست في السبعينيات عبر “اللجنة الخاصة” برئاسة الأمير سلطان بن عبد العزيز. تكفلت هذه اللجنة بضخ رواتب وامتيازات لشيوخ المناطق الحدودية لضمان استقرارها. وتمثل عشائر مثل مناع ومجلي وشويط (من سحار)، وأبو راس (من ذو محمد)، هذا الجيل البارز الذي وُلد من رحم تقلبات الستينيات وتضخم نفوذه السياسي والاقتصادي في السبعينيات والثمانينيات.
ورغم هذا النفوذ، ومع توالي العقود، اتسعت فجوة عميقة وتولّدت حالة من “الاغتراب” بين الشيوخ وقواعدهم القبلية. إذ لم تؤدِ المحسوبية الحكومية إلى رعاية “النظام القبلي” بمجمله، بل اقتصرت مفاعيلها على دمج بضعة آلاف من المقربين للشيوخ في مؤسسات الجيش والإدارة، تاركةً السواد الأعظم من أبناء القبائل فريسةً للفقر وانعدام الفرص.
ومع انتقال الشيوخ للإقامة الدائمة في العاصمة صنعاء، وانسلاخهم التدريجي عن التزاماتهم القبلية المباشرة، بالتزامن مع سياسة الدولة في محاباة شيوخ معينين لتهميش قبائل منافسة؛ تخلّقت بيئة شديدة الخصوبة لنمو حركة الحوثيين، حيث لم يقوموا بتدمير “النظام القبلي” من الخارج، بل استثمروا بذكاء في ذلك الشرخ الداخلي المتسع بين نخبة “الشيوخ التجّار” والقواعد القبلية المُهمّشة.
وحين انفجرت حروب صعدة (2004-2010)، كان أعداء الحوثيين الأساسيون هم أحفاد لواء صعدة أنفسهم. عثمان مجلي(عضو مجلس القيادة الرئاسي حالياً) ـ حفيد فايد مجلي، حيث أضحى من أشد المعادين للحوثيين، حتى أن أحد إخوته يصف ما جرى عام 2011، حين طُرد عثمان من صعدة إلى السعودية، بأنه “إعادة لما حدث لوالدي وأخي في ثورة سبتمبر 1962، بالعقليات والأفكار نفسها”. في المقابل، نجحت حركة الحوثيين، كما توثّق براندت، في حشد قطاعات واسعة من قبائل خولان ورازح وجماعة وسحار ووائلة قبل اندلاع الحرب أصلاً. أي أن الحرب لم تكن “حكومة ضد متمرّدين” فقط، بل تصفية حسابات قبلية مؤجّلة منذ نصف قرن. ووسط تقاطعات هذه الخريطة المعقدة، وعلى رقعة شطرنج تحركها صراعات الماضي والتحالفات السياسية، تبرز عائلة مناع نموذج الدراسة عبر أربع محاور توضح شبكة التحالفات وتحولاته البراغماتية.

المحور الأول: الحرب الأهلية كمصنع للنخبة
على الرغم من أن أسرة “منّاع” لا تُعدّ الأسرة التجارية الأكبر في صعدة، إذ تنحدر كفرع من سلالة مشيخة “الطلح” التابعة لقبيلة “مالك سحار”، وتتمركز على بُعد نحو عشرة كيلومترات شمال مدينة صعدة، إلا أنها لم تكن قط لاعباً ثانوياً داخل ما عُرف بـ”لواء صعدة”. فعبد الله بن علي مناع، الذي أسهم في فك حصار صنعاء (حصار السبعين) عام 1967، وفي ذات العام كان واحداً من وفدٍ ضم عشرة من مشايخ صعدة سافروا إلى القاهرة للقاء الرئيس جمال عبد الناصر.
لم تكن تلك الزيارة مجرد زيارة بروتوكولية؛ فقد كان الوفد يسعى لانتزاع دعم مصري مكثف للجبهة الجمهورية في الشمال. ووجود عبد الله مناع ضمن هؤلاء العشرة، يعني بوضوح ولوج عائلته في شبكة الزبائنية (المحسوبية) الجمهورية من أوسع أبوابها. وهو اصطفافٌ دفع السعوديين في تلك الفترة لردٍ قاسٍ تمثّل في اعتقال ابنه “فيصل” والزج به في سجن جيزان، حيث تعرّض لإصابات جسدية دائمة؛ خلّفت ندوباً أبقت علاقة العائلة بالرياض محكومة بالتوتر والشكوك لعقود طويلة، حتى بعد إعلان المصالحة بين “الجمهوريين والملكيين”.
وفي عام 1982، حين انضم الشيخ “فيصل مناع” إلى صفوف المؤسسين لحزب المؤتمر الشعبي العام، ودخل مجلس الشورى، ثم انتُخب لاحقاً نائباً برلمانياً عن دائرة “سحار” في دورتي 1993 و1997؛ لم يكن يؤسس الشيخ فيصل لنفوذ جديد، وإنما كان يجني ثمار تموضع قبلي وسياسي استمر لعشرين عاماً. لقد استقر فيصل كواجهة سياسية رسمية للعائلة، بينما تولّى قريبه “فارس مناع” قيادة الجناح التجاري. هذا التقسيم البراغماتي للأدوار، بين “واجهة سياسية” و”ذراع اقتصادي”، هو السر الذي سيمنح شبكة آل مناع مرونة عالية لاحقاً.
وفي الجيل التالي، شهد الجناح الاقتصادي تقسيماً وظيفياً أعمق من الداخل. فقد كان والد فارس، “محمد حسن مناع”، شيخاً قبلياً وأحد أبرز تجار السلاح من الرعيل الأول في سوق “الطلح”، قبل أن يلقى مصرعه في ظروف غامضة على يد أحد شركائه إثر خلاف على صفقة، وفقاً لرواية أوردتها صحيفة “العرب” اللندنية. أدى هذا الرحيل المبكر للأب إلى توريث الأبناء قاعدة اقتصادية صلبة بدلاً من زعامة قبلية أحادية، ما دفعهم لاقتسام الأدوار بذكاء: استحوذ فارس ــ الابن الأكبر ــ على تجارة السلاح، والوساطة القبلية، وهندسة العلاقات مع الدولة، في حين سلك شقيقه الأصغر “حسن” مساراً إدارياً داخل أروقة الدولة نفسها، ليتوج صعوده بانتخابه محافظاً لصعدة عام 2008.
المحور الثاني: من سوق قبلي إلى عاصمة السلاح
كان سوق الطلح تاريخياً سوقاً قبلياً بحتاً لقبيلة سحار. إذ لم يكن يُسمح لأبناء القبائل الأخرى بحضوره. لكن في سبعينيات القرن الماضي، بدأت هذه القاعدة تتراخى. ومع كل عقد، تحوّل سوق الطلح من سوق قبلي مغلق إلى أحد أكبر أسواق البضائع المهرّبة في شبه الجزيرة العربية. ثم إلى أكبر سوق سلاح فيها. هذا التحول كان بسبب الانفتاح الذي حدث في السبعينات، وتدفقات التهريب عبر الحدود السعودية، وتراجع قدرة الدولة على ضبط الحدود.
وقد برز اسم فارس مناع في هذه الفترة، وهو المولود في صعدة عام 1965م، خرّيج كلية الاقتصاد والتجارة في صنعاء كما درس بعض دورات الإدارة واللغة في بريطانيا بحسب ما يذكر في إحدى مقابلاته الصحفية. أجاد التفاوض مع موردين من أوروبا الشرقية، وإيران والصين وفرنسا. وتحت إدارته، أصبح سوق الطلح ـ بحسب توصيف لجنة عقوبات مجلس الأمن لاحقاً ـ “سوقا عالمياً” للسلاح، حتى أن فارس امتلك في فترة من الفترات مكتباً رسمياً في مركز التجارة العالمي في نيويورك قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. فالسلاح المتدفّق من سوق الطلح كان يصدُر إلى منطقة القرن الأفريقي المُمزّقة بالحروب، وبسبب تورّطه في توريد السلاح إلى حركة الشباب الصومالية، قاد إلى عقوبات في مجلس الأمن في أبريل 2010 بموجب قرار 1844 (2008)، والتي على إثرها جمّدت أصوله خارج اليمن وحظر من السفر. وفي ذروة الحرب السادسة، نهاية ديسمبر 2009، قصف الطيران الحربي منزله في الطلح، باعتباره يحتوي على “مخازن هائلة للأسلحة”، بحسب صحيفة “الاتحاد” الإماراتية.
المحور الثالث: الوساطة ـ “الوسيط الداخلي ذو الانحياز“
تقسم الدراسات الأنثروبولوجية الوسطاء إلى فئتين: “الوسيط الخارجي المحايد” (outsider-neutral) مثل الأمم المتحدة والدول كقطر، و”الوسيط الداخلي المُنحاز” (insider-partial).، وتضع الباحثة ماريكا براندت فارس مناع ضمن الفئة الثانية؛ فهو وسيط يتحرك من داخل الشبكة نفسها وانحيازه لجهة معينة معروف للجميع. وهذا الانحياز يُعد شرطاً أساسياً لنجاحه وفعاليته، وليس نقطة ضعف. وتوضح براندت في دراستها عن الوساطة في حروب صعدة أن الوسيط الداخلي يتمتع بمرونة تفوق الوسطاء الرسميين؛ إذ يمتلك مساحة واسعة للمناورة، كونه متحرراً من الروتين، وسلسلة القيادة الطويلة، والقيود التي تفرضها الحكومات والمنظمات الدولية.
تقدم ماريكا براندت وصفاً دقيقاً ونادراً لفارس مناع، قائلة: “إلى جانب كونه من أكبر تجار السلاح في المنطقة، كان وسيطاً قبلياً ماهراً يحظى بهيبة (Prestige) ونفوذ (Influence) واسعين بين قبائل صعدة”. والسر وراء قوة فارس في الوساطة يكمن في ممارسته لـ”الحياد التجاري”. فهو يبيع الأسلحة لجميع أطراف الصراع مما منحه قبولاً مزدوجاً لديهم. فمن جهة، كانت الحكومة تعتمد عليه في صفقات التسليح وشخصية مقربة من الرئيس صالح منذ بداية التسعينيات. ومن جهة أخرى، يحصل الحوثيون على السلاح من سوقه بطرق مباشرة أو غير مباشرة.
في شهر يونيو من عام 2008، وخلال الحرب الخامسة، وقع “اللواء 17 مشاة” تحت حصار خانق في جبال مران وأصبح على وشك الاستسلام للحوثيين. كانت هذه النتيجة لتشكل كارثة عسكرية يصعب على الجيش اليمني التعافي منها. أمام هذا المأزق، اضطر الرئيس صالح إلى الموافقة على تدخل لجنة وساطة محلية برئاسة فارس مناع. ونجح مناع وفريقه بالفعل في إبرام هدنة عاجلة ضمنت انسحاب اللواء بأمان.
في المقابل، وجهت الحكومة انتقادات حادة لمناع؛ واعتبرت أنه “ألزم القوات المسلحة بالانسحاب من مران، وتغاضى عن إلزام الحوثيين بانسحاب مماثل، مما منحهم فرصة السيطرة الكاملة على المنطقة”. تُبرز هذه الحادثة المعضلة الحقيقية لـ”الوسيط الداخلي”؛ فنجاحه السريع في إيقاف نزيف الدم وإنقاذ الأرواح يأتي غالباً على حساب التوازن العسكري والنتائج الميدانية على الأرض.
وخلال الحرب السادسة، تدخل فارس مناع مجدداً كوسيط لإنقاذ لواء عسكري آخر وقع تحت الحصار في منطقة مران. انتهت الوساطة بانسحاب الجنود بأسلحتهم الشخصية فقط، في حين استحوذ الحوثيون على الأسلحة الثقيلة التابعة للواء. وبعد أيام قليلة من هذه الحادثة، سقطت طائرتان حربيتان يمنيتان. وقد رجحت برقيات السفارة الأمريكية (المسربة عبر موقع ويكيليكس) احتمالية استخدام الحوثيين لمضادات طيران حصلوا عليها كنتيجة مباشرة لتلك التسوية. إلى جانب ذلك، يرى البعض بأن تدهور العلاقة بين الرئيس صالح وفارس مناع يعود فعلياً إلى عامي 2006 و2007 إثر اتهامات بوجود روابط بين فارس مناع والزعيم الليبي معمر القذافي. وهذا يصحح الاعتقاد الشائع بأن القطيعة بدأت عام 2009 مع إعلان “القائمة السوداء” لتجار السلاح، ويؤكد أن انهيار الثقة بين الرجلين حدث قبل ذلك.
حسن مناع: بين الدولة والقبيلة
يوضح ما سبق الجانب غير الرسمي لشبكة نفوذ آل مناع. ومع ذلك، كان للأسرة تواجد رسمي في جهاز الدولة “حسن مناع”، الشقيق الأصغر لفارس. يُعد حسن نموذجاً مثالياً يشرح كيف تكتمل دائرة النفوذ؛ ففي الوقت الذي يدير فيه الأخ الأكبر تجارة السلاح ويقود الوساطات القبلية، يتولى الأخ الأصغر إدارة شؤون المحافظة بصفة حكومية رسمية. وبفضل هذا التقسيم الدقيق للأدوار، أصبحت عائلة مناع طرفاً مؤثراً في الحرب وجزءاً من إدارة الدولة في اللحظة ذاتها. بدأ حسن مناع مسيرته بصفة نائب محافظ صعدة وأميناً عاماً للمجلس المحلي، قبل أن يخوض في 2008 انتخابات المحافظ المباشرة من قِبل المجلس المحلي ـ وفقاً لقانون السلطة المحلية اليمني الذي أتاح لأول مرة انتخاب المحافظين شعبياً. وقد جاءت هذه المعركة في سياق صراع قبلي سياسي ضارٍ داخل صعدة بين كتلتين: كتلة مناع المرتبطة بصالح والمنخرطة في الوساطة مع الحوثيين، وكتلة عثمان مجلي، حفيد فايد مجلي زعيم “لواء صعدة” التاريخي ـ التي تمثّل الخط الصلب المعادي للحوثيين والمدعوم سعودياً. حسم حسن مناع المعركة لصالحه، ليجمع تحت يديه السلطة الإدارية والقبلية في المحافظة، فيما ظل عثمان مجلي نائباً في البرلمان وزعيماً لمعارضة محلية.
حين اعتُقل فارس في 28 يناير 2010، انفجرت ازدواجية حسن. أعلن المحافظ علناً انتقاده لاعتقال شقيقه ـ وهو تصرف غير مسبوق من محافظ ضد قرار الحكومة. أُقيل حسن من منصبه قبل أيام من إعلان صالح وقف الحرب السادسة في 12 فبراير 2010، وعُيّن طه هاجر مكانه بقرار جمهوري يخالف قانون السلطة المحلية الذي ينص على انتخاب المحافظ من المجلس المحلي. لكن حديث فارس مناع لإيلاف (أغسطس 2010) وضح قائلاً: “حسن لم تتم إقالته، بل هو استقال حين علم باحتجازي ورفض أن يستمر في العمل… لكن احتراماً لأخينا الرئيس حفظه الله، وتقديراً لما بيننا وبينه من علاقات، لم نُعلن استقالتنا حباً ووفاءً من شقيقي للأخ الرئيس”.
تطورت الأحداث لاحقاً لتأخذ منحى آخر. ففي مايو 2010، حاول أنصار فارس تحريره بالقوة أثناء موكب نقله إلى المحكمة، مما أدى إلى سقوط قتيل وعدد من الجرحى. إثر ذلك، ردت قوات الأمن بشن حملة اعتقالات واسعة استهدفت منزل “حسن مناع” شخصياً، وهو المحافظ السابق لصعدة. وهناك، اندلعت اشتباكات عنيفة استمرت لساعات بين قوات الأمن ومسلحين تحصنوا داخل المنزل، وانتهت باعتقال عشرين شخصاً من أنصار العائلة، من بينهم نجلا فارس وحسن. في تلك الأثناء، تمكن حسن من الفرار من قبضة الأجهزة الأمنية، ولجأ طالباً الحماية من الشيخ “صادق الأحمر”، زعيم قبيلة حاشد، الذي آواه في منزله الواقع بالقرب من مقر وزارة الداخلية.
تحمل هذه اللحظة دلالات سياسية واجتماعية عميقة؛ فمحافظ سابق فقد للتو حصانته الحكومية يجد نفسه محتمياً بأقوى زعيم قبلي في اليمن، هرباً من أجهزة الدولة التي كان يمثلها قبل أشهر قليلة. هذا الموقف لا يعبر أبداً عن هزيمة لشبكة آل مناع، هو في الواقع كشف صريح لطبيعة تكوينها: بمجرد انقطاع الخيط الذي يربط العائلة بالدولة، تعود فوراً للاحتماء بموقعها القبلي بكل سلاسة. فالانتماء القبلي كان دائماً هو الأساس الثابت، والمناصب الحكومية كانت مجرد أدوات إضافية ومؤقتة.
وحين انقلب المشهد رأساً على عقب بعد عشرة أشهر، وتحديداً في مارس 2011، تراجع دور حسن القيادي المباشر، ليحل محله شقيقه فارس في المنصب ذاته. يبدو وكأن العائلة أدركت أن المرحلة الجديدة تتطلب الاعتماد على الجناح الاقتصادي المتمرس في الوساطة، متجاوزة الحاجة إلى الجناح الإداري البحت. لقد كان حسن يمثل وجه الشبكة في عهد صالح، في حين أصبح فارس وجهها الجديد في عهد الحوثيين. المنصب هو نفسه، والعائلة هي نفسها، والشبكة تعمل بالآليات ذاتها؛ ما تغير فقط هو الشخص الذي يتصدر الواجهة.

المحور الرابع: من رجل نظام صالح إلى محافظ الحوثيين
شهدت الفترة الممتدة من أواخر 2009 إلى منتصف 2010 تدهوراً متسارعاً ودرامياً في علاقة فارس مناع بالسلطة. بدأت سلسلة الانهيار في أكتوبر 2009 حين صادرت الحكومة شحنة أسلحة صينية ضخمة في ميناء الحديدة، نُسبت ملكيتها لفارس. وبعد يومين فقط، أعلنت السلطات رسمياً عن “القائمة السوداء” لتجار السلاح، ليحتل مناع صدارتها. توالت الضربات في شهر ديسمبر؛ إذ تعرض مخزنه الرئيسي في “سوق الطلح” للنهب على يد الحوثيين. ولأنه تأخر في الإبلاغ عن الحادثة ليومين كاملين، تشككت الحكومة في نواياه وردت بتوجيه ضربات جوية استهدفت ممتلكاته. وتُوج هذا التصعيد بحملة أمنية أسفرت عن اعتقاله في العاصمة صنعاء بتاريخ 28 يناير 2010.
امتدت التداعيات سريعاً لتضرب الجناح الإداري للعائلة؛ ففي شهر فبراير، صدر قرار جمهوري أطاح بشقيقه “حسن” من منصب محافظ صعدة وعيّن “طه هاجر” بديلاً عنه، في إجراء تجاوز قانون السلطة المحلية صراحةً. وتصاعد التوتر حين نظم أنصار العائلة اعتصاماً احتجاجياً أمام القصر الجمهوري، واجهته قوات الحرس الجمهوري بالتفريق العنيف باستخدام الهراوات.
بالتوازي مع هذا الخناق المحلي، اكتملت دائرة الحصار دولياً بصدور عقوبات من مجلس الأمن في أبريل، لحقتها عقوبات مماثلة من الخزانة الأمريكية. ورغم قسوة هذا الضغط المزدوج، داخلياً وخارجياً، أُسدل الستار على هذه المرحلة العاصفة بالإفراج عنه أخيراً في 4 يونيو 2010.
تُعد الفترة الفاصلة بين خروج فارس مناع من السجن واندلاع ثورة فبراير 2011 اللحظة المفصلية التي أعاد فيها نسج خيوط شبكته من جديد. ففي شهر أغسطس 2010، عقد مؤتمراً صحفياً في صنعاء أعلن عبره تأسيس “مؤتمر السلام الوطني” لإرساء الاستقرار في صعدة، داعياً السعودية وقطر لدعم مشاريع إعادة الإعمار. وفي مسعى لتغيير صورته النمطية، صرح لموقع “إيلاف” في أول حوار له مع وسيلة إعلام دولية، قائلاً: “أنا تاجر سلام، ولست تاجر سلاح”.
بالتوازي مع هذا التوجه، أعلن مناع تحالفه الصريح مع الشيخ “حسين الأحمر”. والمثير للانتباه أن الأحمر كان، قبل أشهر قليلة من هذا التحالف، يُصنف كـ “أبرز المتحمسين لإراقة الدماء على سفوح جبال صعدة”، وفقاً لتحليل نشره موقع “المصدر أونلاين”. لقد التقطت القراءات المحلية دلالة هذا المشهد بدقة تامة؛ فالرجلان توصلا إلى قناعة راسخة، إثر إخفاق الحرب السادسة، بأن خيار “استئصال الحوثي” عسكرياً أصبح مستحيلاً. بناءً على ذلك، لم تكن هذه الخطوات بمثابة انتقال حقيقي من حالة الحرب إلى حالة السلام، بقدر ما كانت مجرد عملية “إعادة معايرة” ذكية للمواقع، واستعداداً مبكراً للتعامل مع التحول السياسي الكبير الذي كان يلوح في الأفق.
وفي أواخر عام 2010، توّج فارس مناع استراتيجيته الجديدة بخطوة بالغة الجرأة؛ حيث سافر إلى ليبيا للقاء العقيد معمر القذافي، مصطحباً معه العشرات من شيوخ قبائل حاشد وصعدة تحت غطاء “مؤتمر السلام الوطني”. مثّلت هذه الزيارة إعلاناً صريحاً للقطيعة مع الرياض، خصوصاً أنها جاءت في ذروة العداء المفتوح بين السعودية وليبيا. ومع سقوط نظام القذافي لاحقاً، اكتشف الثوار الليبيون وثائق سرية داخل أروقة المخابرات الليبية. أثبتت هذه الوثائق، وفقاً لتقارير إعلامية سعودية، تلقي مناع وعدد من الزعماء القبليين اليمنيين تمويلاً مالياً ضخماً من طرابلس بهدف استهداف وزعزعة استقرار المملكة. وتكمن المفارقة في أن انكشاف هذه الوثائق تزامن تماماً مع قرار الحوثيين تنصيب مناع محافظاً لصعدة. وهكذا اكتملت ملامح المشهد الإقليمي والمحلي المعقد: غضب سعودي يتصاعد، وسلطة مركزية في صنعاء تنهار، وحركة حوثية تستثمر هذه التناقضات والانهيارات لصالحها ببراعة.
وبعد تعيينه محافظاً في مارس 2011م أجرى فارس مناع سلسلة من الاجتماعات التشاورية شملت القائد الميداني الحوثي عبد الله الحاكم (أبو علي الحاكم)، وأعضاء السلطة المحلية، والقيادات الأمنية. كانت الرسالة الرسمية من هذه التحركات واضحة ومباشرة: عجلة الإدارة مستمرة في العمل، والشيء الوحيد الذي تغير هو شخص الحاكم. غير أن “مركز مكافحة الإرهاب” في الأكاديمية العسكرية الأمريكية “ويست بوينت” (CTC) قدم في تحليله الصادر عام 2012 قراءة أدق للواقع الميداني؛ إذ أشار إلى أن “صعدة تخضع من الناحية الاسمية للمحافظ فارس مناع، في حين تؤكد التقارير أن القائد الميداني الحوثي أبو علي الحاكم هو صانع القرار النهائي في عاصمة المحافظة”.
يتطابق هذا التحليل تماماً مع ما أوضحه الباحث اليمني فارع المسلمي في مقاله بمجلة “نيو لاينز” (New Lines) ، حيث أشار إلى أن الحوثيين “عمدوا إلى تعيين تاجر السلاح المدرج على قائمة عقوبات الأمم المتحدة، فارس مناع، محافظاً لصعدة ليكون مجرد واجهة تمثلهم”. وهكذا، تلخص الدور الحقيقي لفارس مناع بعد عام 2011 في كونه واجهة مدنية لسلطة عسكرية، وأداة إدارية بيد قوة سيطرة تسعى لتجنب الظهور المباشر بمظهر المحتل. واستمر مناع في تأدية هذا الدور في منصب المحافظ حتى ديسمبر 2014، ليعاد تعيينه لاحقاً في عام 2016 في منصب “وزير دولة” ضمن حكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً.
وفي كواليس هذه الأحداث، ظهرت قضية شركة “تورس” البرازيلية للأسلحة تتكشف للعلن. فقد نجح فارس مناع عام 2013 في التفاوض لتمرير شحنة تضم 8 آلاف مسدس عبر جيبوتي، وتلتها محاولة أخرى عام 2015 لشحن 11 ألف قطعة إضافية، قبل أن تحبطها الشرطة البرازيلية. وخلال مقابلة هاتفية مع صحيفة “الشرق الأوسط” عام 2016، اكتفى فارس بنفي اتهامه بزيارة البرازيل بهوية مزورة، وتجنب تماماً نفي تورطه في استيراد تلك الأسلحة.
وفي يناير 2017، قدم تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية باليمن (S/2017/81) توصيفاً دقيقاً لحالة مناع. وأشار التقرير إلى أنه، وعقب تعيينه “وزير دولة” في حكومة صنعاء أواخر 2016، أصبح “يتنقل بحرية مستخدماً جواز سفر دبلوماسياً يمنياً، حتى داخل منطقة شنغن الأوروبية”. واعتبر الخبراء قضيته “مثالاً يوضح كيف يستغل رجال الأعمال الانتهازيون والكيانات الإجرامية بيئة النزاع، ويوظفون الامتيازات والحصانات الحكومية لخدمة مصالحهم الخاصة، مما يجعل إحباط أي تسوية سلمية هدفاً يصب في صميم مصلحتهم”. هذا التوصيف الأممي يتجاوز شخص فارس مناع بمفرده، ليُشخّص نمطاً متكاملاً من النفوذ الذي يتغذى بشكل أساسي على استمرار الفوضى.
وما يثير الانتباه حقاً هو استمرار نشاط مناع حتى وقت قريب؛ إذ تشير تقارير تعود لعامي 2024 و2025 إلى تردده المستمر على مدينة عدن ونشاطه المتواصل ضمن شبكات تجارة السلاح الممتدة عبر القرن الأفريقي. وفي الوقت ذاته، برز دور نجله “رشيد” الذي يقود قسماً في جهاز الأمن والاستخبارات التابع للحوثيين، ويدير شركة استيراد تُرجح التقارير ــ وتحديداً موقع “ديفانس لاين” في مايو 2025 أنها تعمل كواجهة تجارية لصالح الجماعة. وهكذا، يثبت الجيل الثالث من عائلة مناع أنه أصبح جزءاً عضوياً داخل هيكل النظام الحوثي، وتجاوز كونه مجرد حليف قد يتبدل في أي لحظة.
ما الذي تغير في بنية شبكة مناع بعد عام 2011؟
خلال عهد الرئيس صالح، اعتمدت شبكة مناع على مفارقة تتمثل في ممارسة التجارة مع جميع الأطراف. هذا التوجه منحها حياداً عملياً شكّل رأس مالها الحقيقي للقيام بدور الوساطة. غير أن هذا النموذج بُني على افتراض وجود طرفين متكافئين يحتاجان إلى وسيط بينهما. وبمجرد أن قضى الحوثيون على هذا التوازن وانفردوا بالسيطرة على صعدة، انتفت الحاجة إلى الوساطة بمفهومها الكلاسيكي.
ونتيجة لذلك، تحول نموذج النفوذ من دور “الوسيط الداخلي” إلى المفهوم الذي أطلق عليه “مركز مكافحة الإرهاب” في أكاديمية ويست بوينت (CTC)، في تحليله الصادر في مارس 2026، اسم “النخبة القبلية المتوافقة” (Compliant tribal elite)يشرح التقرير هذا التحول بدقة، مشيراً إلى أن الحوثيين أعادوا توظيف الكثير من شبكات المحسوبية التي كانت سائدة في عهد صالح. وبفضل تعاونها، حصدت النخب القبلية عوائد مالية من عمليات التهريب، وتلقت رواتب حكومية، وحصلت على رخص استيراد، إلى جانب تقلدها مناصب مهمة داخل المؤسسات البيروقراطية والعسكرية التابعة للحوثيين. وحظيت الفئة الأكثر تفضيلاً بامتيازات أكبر، شملت حصصاً في استيراد الوقود، وإدارة شبكات توزيع القات، فضلاً عن منحها صلاحية فرض ضرائب على البضائع المارة عبر مناطق سيطرة الجماعة. أسفرت هذه الامتيازات عن تطويق تلك النخب مالياً وربط مصالحها بقاءً ووجوداً بمنظومة الحوثيين، مما جعل خيار الانشقاق مكلفاً ومديناً للغاية. ويختتم التقرير بعبارة مهمة وهي: “معظم النخب القبلية لم تتبنَّ عقيدة الحوثيين ولا مفهوم سيادة الهاشميين؛ لقد تم شراؤها بالمال، أو إخضاعها بالإكراه، أو ببساطة لم يُترك أمامها أي خيار بديل”.
ينطبق هذا التوصيف بشكل تام على شبكة آل مناع. والشبكات القبلية الأخرى، فلم يعتنق فارس الأيديولوجيا الحوثية، غير أنه أرسى مكانته كلاعب قوي داخل هذه المنظومة محتفظاً بأوراقه ومصالحه الخاصة. فالجواز الدبلوماسي، وتجارة السلاح المستمرة، وشركة الاستيراد التي يديرها نجله “رشيد”، تمثل جميعها أدوات لامتيازات حصرية داخل نظام لم يعد يسمح بالحياد الحقيقي.

خاتمة: ما الذي يخبرنا به نموذج مناع؟
عندما نقرأ مسار فارس مناع بهذه الطريقة ــ ليس بوصفه مجرد سيرة فردية، وإنما كنموذج بارز للمشايخ التجار ــ تتكشف لنا أربع حقائق جوهرية حول طبيعة السياسة والقبيلة في صعدة:
الحقيقة الأولى: “القبيلة” ليست بنية جامدة، وإنما شبكة مرنة تعيد ربط خيوطها باستمرار. فالقرابة وحدها لا تصنع النفوذ، والاقتصاد بمفرده لا يوفر الحماية، والوساطة لا تكفي لضمان البقاء، كما أن القرب من الدولة يجعل هذا النفوذ هشاً إذا اعتمد عليها حصراً. ومع ذلك، عندما تتشابك هذه العناصر الأربعة داخل عائلة واحدة على مدار جيلين، تتشكل طبقة قوية تستعصي على الإزاحة، مهما تغير النظام الحاكم.
الحقيقة الثانية: النفوذ القبلي في صعدة المعاصرة هو منتج جمهوري بامتياز. فثورة 1962 التي أزاحت طبقة السادة الزيديين، لم تلغِ البنية الهرمية للمجتمع، وإنما أعادت تركيبها على أساس قبلي. في المقابل، يحمل دخول الحوثيين إلى صعدة عام 2011 دلالة معاكسة؛ فهو يمثل عودة لهيمنة “السادة” الذين أُزيحوا قبل نصف قرن، تحت راية جديدة. وتكمن المفارقة في أن هذه العودة لم تقضِ على شبكة مناع، وإنما وجدت نفسها في حاجة ماسة إليها.
الحقيقة الثالثة: نظام “التوازن المعارض” الذي أرساه النظام الجمهوري كان يحمل بذور فنائه في داخله. فقد استثمر الحوثيون بذكاء في الفجوة وحالة الاغتراب (Alienation) التي نشأت بين الشيوخ التجار وقواعدهم القبلية المهمشة؛ وهي فجوة خلقتها سياسات المحسوبية الحكومية نفسها. وعليه، فإن صعود الحوثيين لا يُعد تدميراً للنظام القبلي، بقدر ما يمثل استغلالاً وقراءة دقيقة لتصدعاته الداخلية. وقد تفوقت أسرة مناع هنا لأنها أدركت حجم هذا التصدع مبكراً، واستوعبت أن ضمان البقاء يتطلب القفز سريعاً نحو الطرف الصاعد، لتجنب الغرق في الموجة القادمة.
الحقيقة الرابعة: لم يؤدِ سقوط نظام صالح إلى انهيار شبكة النفوذ التي تشكلت في عهده. وبالمثل، فإن سيطرة الحوثيين لم تدمر هذه الشبكة، وإنما أعادت توظيفها واستثمارها بصيغة مختلفة. ففي فترة صالح، اعتمدت الشبكة على أسلوب “الوسيط الداخلي”؛ حيث كانت تبيع السلاح للجميع وتتوسط بينهم. ومع مجيء الحوثيين، غيرت شكلها لتصبح “نخبة متوافقة”، تجني ثمار المنظومة الجديدة وتحافظ على مسافة تمنع ذوبانها الكامل فيها.
المنطق الحاكم في المرحلتين يظل ثابتاً: البقاء يجب أن يكون دائماً من داخل الشبكة، وليس خارجها. فعشيرة مناع التي دعمت الجمهورية في الستينيات، وتغلغلت في مؤسسات الرئاسة خلال التسعينيات، ولعبت دور الوسيط في العقد الأول من الألفية، لتعود كمحافظ للحوثيين بعد عام 2011، وتُصدر جيلها الثالث اليوم ليقود جهازاً أمنياً واستخباراتياً حوثياً. هذه العائلة لم تتخلَّ عن ولاءاتها لسبب بسيط؛ وهو أنها لم تمتلك من الأساس ولاءً عقائدياً ثابتاً لتغيّره. جل ما امتلكته هو شبكة نفوذ مرنة، تعيد ضبط إعداداتها وتوجهاتها لتتأقلم مع أي تحول سياسي.
وبناءً على ما تقدم، تصبح أي محاولة لفهم “النظام القبلي” في صعدة قراءة قاصرة، إذا لم تأخذ في الحسبان التأثير المتبادل بين الاقتصاد العابر للحدود، وأدوار الوساطة الداخلية، وشبكات المحسوبية المرتبطة بالدولة، والأيديولوجيا التي منحت هذا النظام شرعيته. فالقبيلة في صعدة ليست كياناً متخلفاً ينتمي لعصور ما قبل الحداثة، إنما هي نتاج عصري وحديث لتتفاعل هذه العناصر الأربعة معاً، في بيئة تتسم بضعف الدولة، وحدود يسهل اختراقها، وأسواق سلاح إقليمية نشطة، وذاكرة سياسية دائمة التحول. وفي النهاية، لا يمثل فارس مناع حالة استثنائية؛ هو ببساطة النموذج المثالي الذي تفرزه هذه البنية المعقدة.
المصادر
أولاً: الكتب والدراسات الأكاديمية
- Brandt, Marieke. Tribes and Politics in Yemen: A History of the Houthi Conflict. London: Hurst; New York: Oxford University Press, 2017. [النسخة العربية: القبائل والسياسة في اليمن: تاريخ الصراع الحوثي، ترجمة حسام الدين خضور. الفلق للنشر.]
- Vom Bruck, Gabriele. Islam, Memory, and Morality in Yemen: Ruling Families in Transition. New York: Palgrave Macmillan, 2005.
ثانياً: المقالات الأكاديمية والأوراق البحثية
- Al-Muslimi, Farea. “The Changing Face of the Houthis.” New Lines Magazine, January 2025. https://newlinesmag.com/argument/the-changing-face-of-the-houthis/
- Brandt, Marieke. “A Tribe and Its States: Yemen’s 1972 Bayḥān Massacre Revisited.” Middle Eastern Studies 55, no. 4 (2019).
- Brandt, Marieke. “The War in Yemen, Bottom-up: Tribal Politics in Depth and in Motion.” British-Yemeni Society Journal 27 (2019).
- Brandt, Marieke. “Twelve Years of Shifting Sands: Conflict Mediation with Yemen’s Ḥūthīs (2004–2016).” Jemen-Report 49, no. 1/2 (2018).
- Combating Terrorism Center (CTC), West Point. “Will the Center Hold? The Houthis’ Fraying Tribal Alliances.” March 2026. https://ctc.westpoint.edu/will-the-center-hold-the-houthis-fraying-tribal-alliances/
- Combating Terrorism Center (CTC), West Point. “Yemen’s Huthi Movement in the Wake of the Arab Spring.” 2012. https://ctc.westpoint.edu/yemens-huthi-movement-in-the-wake-of-the-arab-spring/
- ثالثاً: تقارير ووثائق رسمية
- United Nations Panel of Experts on Yemen. Final Report, S/2017/81. January 2017. https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/%7B65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9%7D/s_2017_81.pdf
- United Nations Security Council. Somalia Sanctions List (Resolution 1844), Narrative Summary: Fares Mohammed Mana’a (SOi.008). April 12, 2010. https://main.un.org/securitycouncil/en/sanctions/751/materials/summaries/individual/fares-mohammed-mana’a
- U.S. Diplomatic Cables (WikiLeaks), 09SANAA1599, 09SANAA1870, 08SANAA1973 (2008–2009). https://wikileaks.org/plusd/cables/09STATE118371_a.html
- رابعاً: التقارير الصحفية الاستقصائية
- Reuters / The Wire. “Brazilian Guns May Have Entered Yemen via Djibouti: Forjas Taurus Investigation.” September 2016.
- خامساً: المقابلات والحوارات الصحفية
- صالح، علي عبد الله. “نعم، كلنا قبائل.” حوار في المجلة، أكتوبر 1986.
- الأحمر، عبد الله. حوار في صحيفة الثورة، 3 مايو 2000. وكذلك مذكراته: قضايا ومواقف. صنعاء: مكتبة الميثاق، 2008.
- مناع، فارس. “ملتزمون بإحياء السلام بصعدة ونأمل مساهمة الرياض والدوحة.” حوار مع إيلاف، أغسطس 2010. [النص الكامل أعاد نشره: “نشوان نيوز”، https://nashwannews.com/132671]
- مناع، فارس. “تاجر السلاح اليمني مناع: لم أزر البرازيل بهوية مزورة.” مقابلة هاتفية مع صحيفة الشرق الأوسط، سبتمبر 2016. https://aawsat.com/home/article/733761
- سادساً: تقارير ومقالات صحفية عربية
- البيضاني، صالح. “فارس مناع لاعب على كل الحبال يبيع الموت لليمنيين.” صحيفة العرب (لندن). https://alarab.co.uk/فارس-مناع-لاعب-على-كل-الحبال
- صحيفة الاتحاد (أبوظبي). “الجيش اليمني يعلن سيطرته التامة على حرف سفيان.” ديسمبر 2009.
- صحيفة الاتحاد (أبوظبي). “صنعاء: اعتقال 20 مشتبهاً في اعتداء الموكب الأمني.” مايو 2010.
- المصدر أونلاين. “مناع والأحمر.. من دعاة حرب إلى رواد سلام.” أغسطس 2010.
- “نشوان نيوز”. “مناع تاجر السلاح يحمل الحكومة مسؤولية انتشاره.” نص الحوار الكامل. https://nashwannews.com/132671
- ديفانس لاين. “رشيد فارس مناع.. واجهة حوثية لإرث عائلي.” مايو 2025. https://defenseliney.com/posts/217
- عين عدن. “الشيخ بن فدغم يطالب قبائل سحار وخولان بإحضار فارس مناع للاحتكام القبلي.” 2026. https://ainaden.com/details-content/150931
[1] “القائمة البيضاء” للشيخ الأحمر هي قائمة تضم أسماء الشيوخ الذين انحازوا إلى الجمهورية خلال الحرب الأهلية في ستينيات القرن الماضي، كانت تتضمن مزايا مادية ومكانة مباشرة لهؤلاء الشيوخ. انظر إلى مذكرات الشيخ عبدا لله الأحمر المنشورة عام 2007م.
