كان يعقوب عليه السلام يعيش في غيمة الحب اليوسفي قرير العين، ينعم تحت ظلها البارد بالسعادة التي تضفي على قلبه الطاهر حلاوة الحياة، وتنشر أمام عينيه ثوب جمالها الأنيق.
وكان يعلم أن كدراً ما يعكر صفو تلك الحياة الندية بالحب.
غير أنه ما كان يدور في خلده أن ذلك الكدر سيتسع مداه حتى يطفئ شمعة ابتسامته المتلألئة، ويغدو في حالك من الظُلَم يطارد شعاع كل نور يوصله إلى بلاد الضياء.
لكن الرؤيا أشرقت في خيال يوسف عليه السلام لترسم دربًا جديداً على متن الحياة مفعَمًا بالمفاجآت والكريهات التي ستمتد عُقدُها إلى أن تشتد فتنقطع بعد ذلك.
يا يوسف: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ هكذا قال الأب الشفيق وقلبه قد استقر فيه أن نيوب العداوة الأخوية قد كشرت، ويوشك أن تقرض يوسفه الحبيب.
وقلب يوسف آنئذ في كنف طهارته وغفلة ظنونه الحسنة لا يدري ماذا تخبئ له القلوب الممتلئة بداء الكراهية الحاسدة التي لم تلبث أن أعلنت قرار القطيعة ملخصًا في هذه الجملة: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ من أجل غاية: ﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ على عزم: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ اعترافًا منهم بأنهم سيكونون بهذا الجرم طالحين.
لكن لسان القدر السابق ينطق على لسانِ واحد من عصبة المؤامرة بتغييبه عن وجه أبيه لإخفائه في بطن جب﴿ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
هكذا بلا رحمة بالطفل الصغير، ولا بر بالوالد الكبير، ولا تأمل بالعواقب الوخيمة لجريرة اليد الظالمة.
لم يكن انتزاع يوسف من قلب أبيه، وإبعاده عن ناظريه بالأمر اليسير، ولكن على مركب خديعة: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ﴾ وعبر نافذة كذبة: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وعلى تباهي الواعد الخاتل: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾؛ تم لهم ما أرادوا.
سلّم يعقوب قلبه إليهم، وانتظر العودة وقد انشرح قلب قلبه باللعب والفسحة، ولم يدر أن الأمر سيكون على خلاف ما كان ينتظر.
فلما ظفرت أطراف المؤامرة بالجوهرة اليوسفية كأن لسان حالهم غدا يقول: الآن نشتفي، ونخمد جمرات قلوبنا الملتهبة التي ظل لهبها يعذبنا أمداً غير قليل.
أخذوا الطفل الصغير الذي كان قلبه يتراقص فرحًا برحلة يرتع فيها ويلعب، وخياله يرسم له فرح تلك الملاعب باستقبال سروره بها، غير أن براعم جذله لم تلبث إلا قليلاً حتى ذبلت على طريق الجب ودفنت في قعره.
لقد تخلص إخوة يوسف منه بكف القسوة والخديعة والكذب والعقوق والحنق التي جمعت قلوب تسعتهم، ولم يكونوا يفكرون بالمآلات التي لا تخطها على دروب العزائم إلا أقلام العقول النقية، وأنى لهم ذلك ورهجُ الحسد قد غشى عقولهم فلم تعد ترى المستقبل.
ألقوه في غيابة الجب قاصدين أن يبدؤوا مع أبيهم حياة جديدة ليس فيها يوسف المكدر صفوها بتبوئه عرش قلب أبيهم.
ولا أدري أهو الغباء-في ذلك الوقت-،أم ظلام المعصية، أم هما معًا قد جعلهم يظنون أن أباهم سيزيد حبه لهم، ويمتلئ فؤاده بودهم وقد كانوا سبب فقد يوسف من بين يديه؟!.
ولم يدروا أن حياة يوسف المشرقة بـ: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ والمتوّجة بـ: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ والموشاة بـ: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾؛ ستبدأ من الجب.
مرت الساعات طويلة على يعقوب على غير العادة وهو ينتظر رجوع يوسف في عنفوان فرحه، غير أن أولاده رجعوا يجرون أذيال الجريمة المغطاة بالدموع الكاذبة، متكئين على عكاز الكذبة الثانية: ﴿ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ شاهدين على أنفسهم بفقد الثقة الأبوية بهم؛ لما عهده منهم: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾.
وهنا لتذهب الأذهان كل مذهب في تصوير حال يعقوب وهو يتلقى النبأ الفادح عن يوسف الحب، إنها حال تهبط فيها الأحزان من كل أفق، وتتقاطر فيها الشجون من كل حدب وصوب، وتطوِّق أغلال الفجائع أعناق الانتظار الطويل.
لكن قلب يعقوب المعمور بالإيمان الراسخ ثبت في وجه عاصفة الخبر الأليم ثابتًا شامخًا رغم القصف العنيف والجرح العميق الذي خلفه هذا الخبر الذي لم يكن يتوقع حصوله.
فأعلم النبي الكريم سالبي فرحته بأنهم كاذبون جانون، ليتشبث في عاصفة حزنه الجليل بعرى الصبر الجميل.
أما يوسف المجني عليه فقد ظل في جبه يسيح في عالم جرحه متذكراً حر هذه الجناية الأخوية الغادرة التي لم يكن يظن أن يصل عبرها إلى هذا المكان الموحش، وأمسى يفكر في حال أبيه حين يصله خبر فقده_ وهو الذي يعز عليه فراق يوسف لحظات- فكيف بفراقٍ لا يُدرى متى ينتهي أمده؟
وبينا هو يتقلب بين أمواج غمه وهمه أرسل الله إليه دلو الوارد ليسمع عبر حبله صوت البشرى.
لم تكن تعلم تلك السيارة أي جوهرة وصلت إلى أيديهم، وأي نسمة كريمة صارت إليهم، وأي نفس نفيسة باعوها : ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴾.
أخذت السيارة الثمن وراحوا إلى سبيلهم، ولم يشعروا أن الله قد أرسلهم دون غيرهم لتسليم وديعته -التي حفظها في الجب-إلى الدرجة الثانية في معراج عز يوسف المنشود.
أما العزيز فقد أخذ المثمَن الغالي، وأصدر قرار الإكرام على وجه الإلزام: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ ونظر بعين فراسته التي لم تخطئ: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
وفي بيت العزيز- في ناءٍ من الأرض، وبُعدٍ عن الوالد الحدِب، ونزوحٍ عن الوطن وملاعب الصِّبَا، وشتات عن الأقارب، ومعاناة من جرح الغدر الأخوي، وقيود الرق الأليم، وضعفٍ يطوِّق الطفولة الغضة-؛ عاش يوسف عليه السلام مرافقًا للكمد الجاثم على صدره الصغير.
لكن تلك الأجواء المظلمة بدخان الجروح المتعددة كانت تشرق فيها إضاءات متجددة من الإكرام والاحتفال الذي كان يلقاه في ذلك البيت الذي اختاره الله له ليكون البوابة إلى بلوغ آماله التي كان ينتظرها عبر نافذة الرؤيا الصادقة.
غير أن سنوات العمر التي تلهث وراء يوسف قد صيرته شابًا مجتمع الحسن، وألقت عليه حلل جمالها الفاتن، ورونق بهائها المتأنق، فأصبح قمراً يمشي بلا غياب في باحات ذلك القصر الرحيب الذي كانت تسكن فيه امرأة لم تستطع أن تغمض ناظري قلبها عن ذلك النور المتقلب أمام عينيها الظامئتين.
أيام طويلة ظلت فيها تلك المرأة تعاني صراعًا نفسيًا معذبًا؛ ففي فؤادها ظمأ يرنو إلى ذلك المعين الرقراق، متعطشًا إلى بلال منه يطفئ لهيب أوامها.
بقيت بين جحيم إقدامها وعذاب إحجامها حتى انتصرت فطرتها الطامعة ونادته: ﴿ هَيْتَ لَكَ﴾، بعد أن احتاطت من مفاجأة الطارقين المعكِّرين بـ : ﴿ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾، ظانة أن هذا الشاب الذي يتفجر شبابًا وهو تحت ظلال رقها بعيداً عن الرقباء، في حال احتشاد رغبة الأنوثة المتعطشة؛ سيلبي لها طلبتها بكل سرور، وما درت أن وراء هذا الجمال الباهر إيمانًا كالجبال الرواسي التي لا تميده عواصف الشهوات، ولا توهي صلابته كثرة المحاولات، ومعه بنيان وفاءٍ سامق منه لذي النعمة عليه لا تهدمه معاول الحاجة المتقدة.
حاولت وحاولت خدش عفافه الكثيف، لكنها لم تظفر منه بطائل.
وبينا هي تتلظى في شدة الطلب التي يواجهها عتو التمنع والاعتصام بـ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾؛ إذ بزوجها يفجؤها داخلاً فبادرته بكيدها بتهمة يوسف بمراودتها، ولكن الله برأ يوسف بشواهد عدل لا ترد.
طوت المرأة حر شررها المشتعل استعداداً لتأجيجه في جولة قادمة، اعتماداً على الغيرة الباردة التي كان يتصف بها زوجها.
لم يبق خبر الحادثة رهين بيت العزيز، بل تلقته ألسنة نساء المدينة وأصبحت تلوكه في المجالس على عادة النساء، حتى فطنت امرأة العزيز، وأطمعت نفسها بأن موعد الجولة الثانية قد آن أوانه.
وبذكائه المفرط رسمت الخطة وأحكمت نسجها، فدعت النسوة اللاتي لم يكن يعلمن عظمة حسن ذلك البدر المنير الذي يعيش في القصر الكبير، فلما رأينه ذهلت عقولهن لحسنه، حتى انفصلت الجوارح عن الإحساس فأصبحت المدى تعمل التقطيع في الأكف، حتى آبت العقول، فتشاغلن عن ألم الأيدي بألم القلوب فقلن بألسنة الحيرة والدهش: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾[يوسف:31].
وهنا رقص قلب امرأة العزيز طربًا، فدفعها دفعًا لتعلن على الملأ رغبتها الجامحة من غير تلجلج ولا تورية: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾، حتى جهرت بالقرار الختامي لهذه المأدبة: ﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.
ويوسف في تلك الملمة العصيبة لا يملك من أمره شيئًا إلا الاعتصام بذي الجلال، مفضلاً سجن البدن على سجن الإيمان والعفة المصونة.
أُمر بيوسف إلى السجن الذي سيكون الحلقة الأخيرة من سلسلة عنائه، والدرجة المتبقية لبلوغه المنزلة السامية الموعود بها.
وما كان يوسف يدري أن سجنه بوابة فرجه، ولكن الله قد يقدر على عبده المؤمن عبور طريق الأوجاع التي يعافيه فيها-ولو تألم- حتى يصل إلى غاية الآمال.
بقي يوسف في السجن بضع سنين، ابتهل في ذلك المكان ودعا الله حتى انعقد له هناك حبل الوصول إلى الأمر المحبوب عبر خيوط الإحسان وتأويل الأحاديث.
ويرسل الله تعالى إلى ملك مصر رؤيا لم يدر أهل التعبير تعبيرها؛ ليخص الله بذلك يوسف الصديق؛ لتكون يد الإنقاذ التي هيأها لخروج يوسف إلى خزائن الأرض.
فعبرها يوسف تعبيراً أدخل إلى قلب الملك حب يوسف وتعظيمه ومعرفة عظيم علمه، فسرعان ما جاء إلى السجين الكريم شرفُ: ﴿ ائْتُونِي بِهِ﴾، ثم تعالى الشرف إلى: ﴿ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، فلما كلمه الملك وعرف عقله وعلمه أصدر قرار: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، ولما سمع الصديق هذا القرار الملكي عرض على الملك نفسه لتولي وظيفة يعظم بها الصالح العام على يديه فقال: ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ طارحًا بين يدي الملك شهادة: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾.
وهكذا طوى يوسف سنوات العناء والرق، وفصول التهمة، وتسلط الحكم الأنثوي الطامح إلى تكدير صفاء عفافه، وأصبح عزيزَ مصر الحاكمَ على اقتصادها، والقائم على شؤونها المالية.
غير أن صفحة واحدة من العناء اليوسفي لم تطو بعد، فما زالت مفتوحة أمام عيني يوسف وهي تنزف حزنًا وهمّاً، يقرأها بألم شديد، ينتظر زمان طيها بلا عودة.
وتمضي السنون على حكم الرؤيا مرحلة فمرحلة، حتى تأتي الحاجة والقحط العام فيجيء إخوة يوسف محتاجين ممتارين.
فلما رآهم أحاطت به الدهشة، وشرع في طي أول الصفحة الحزينة المتبقية، ولكن حلمه المعهود أمهله عن التعرف عليهم حتى تتم مراحل الترتيب الإلهي للقاء السعيد.
فأحسن إلى إخوته -الذين جنوا عليه-وأكرم نزلهم، وطلب رجوعهم صحبة بنيامين.
فرجعوا إلى أبيهم حاملين كرامة: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ على إطماع: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ مصحوب بوعد: ﴿ وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ على إغراء: ﴿ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
ويعقوب المكلوم يسمع ترغيبهم متذكراً جنايتهم على يوسف، فيوصيه تذكره الجريح بعدم تسليم سلوته الأخيرة إلى من خانوه في أخيه.
ولكن شدة السنة، وتغير حال أبنائه إلى البر والصلاح، وأخذ ميثاق الحفظ عليهم؛ حمله على القبول بالعرض.
فدخل إخوة يوسف مصر مرة ثانية، فاجتمع يوسف ببنيامين، وتعرف إليه دون علم إخوته؛ ليطوي بذلك سطوراً أخرى من تلك الصفحة الأخيرة، فجعله عنده واستطعمه أخبار السنين الخوالي، ورجع إخوته-كارهين- بدون بنيامين.
ليصلوا إلى أبيهم بالخبر الأليم مرة أخرى، فأثاروا الجرح القديم، وبعثوا آلام أبيهم من جديد.
وآهٍ على ذلك الأب الكريم الذي تراكمت على قلبه الأحزان حتى امتد شواظها ليطفئ نور العينين، ويستولي البث على ما تبقى من نواحي الفؤاد.
وكل هذا بوحي من الله تعالى حتى تعلو الدرجة، ويغدو مثلَ صدقٍ في طريق الصبر على البلاء.
لكن يعقوب النبي لم يُسلمْه حزنه إلى يد اليأس، بل أصبح بعد اشتداد عُقد الوجع أكثر تفاؤلاً، حتى برهن على ذلك بقوله: ﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ ﴾[يوسف:87].
فذهبوا كما أمرهم أبوهم فدخلوا على يوسف على أقدام ذل: ﴿ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ ﴿معلنين حاجة: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴾.
وهنا أذن الوحي بعد نفاد الصبر اليوسفي عن احتمال التنكر فأعلن: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴾[يوسف:89].
فلما سمعوا تلك الكلمات استولى عليهم العجب، وحاصرهم الذهول، وحضرهم الحياء والخجل، وخالط قلوبهم الخوف والوجل، ودار بهم التفكير في المصير المنتظر.
فلم يكن منهم إلا الاعتراف بالجناية والتوسل بـ: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾.
وفي هذه اللحظة التاريخية يسطر كرم يوسف، وسمو أخلاقه على بساط القدرة تلك الكلمات الخالدة التي لا يقدر عليها إلا أفراد سمت نفوسهم على انتصارٍ لها، فأهدى لهم هدية: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾.
لم يتريث يوسف هذه المرة، بل على الفور أرسلهم بقميص الفرح بعد أن حملوا قميص الحزن إلى أبيه؛ ليبشره ببشراه التي كان ينتظرها منذ يوم الفقد الأليم.
فلما خرج القميص اليوسفي من مصر لم يصبر ريحه على البقاء فيه، بل سبق الركبَ والقميصَ ممتطيًا صهوة الريح المرسلة، ليصل إلى أنف يعقوب الذي لم يتمالك نفسه حتى صاح بلسان الشوق: ﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾، ولم يملك لسان الجناية، أو لسان اليأس، أو لسان قلة التعظيم للنبي الكريم إلا أن يقول: ﴿ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾.
وما هي إلا مسافة الطريق التي كانت تطوى طيًا بين يدي القميص، حتى وصل البشير به فألقاه على وجه الأب الثكلان، فلما مسّ العين انجلى ظلامها، وانقشعت سحابة الحزن المسيطر على القلب الأبوي سنوات مديدة.
لم يتبق إلا اللقاء السعيد، بين الولد الفقيد، وقلب الوالد العميد.
كان ذلك اللقاء لقاء تشرئب إليه الأعناق، وتتزاحم لبلوغه الأشواق، وبحمد الله اقترب الوعد الحق فتصافحت القلوب قبل الأيدي، واختلطت الدموع وتعانقت الأفراح والأرواح.
وقدّم يوسف من أعمال البر بأبويه: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾، وأعلن بشرى تحقيق الرؤيا التي ما نسيها في خضم بلائه المتنوع الممتد: ﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾، وصدع بلسان الشكر معترفًا: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ وتواضع وبلغ غاية الكرم، ورعاية المشاعر حتى قال: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾.
وهنا يسدل الستار على قصة يوسف عليه السلام بعد الحزن الطويل الذي خُتم باللقاء السعيد الذي عصف بغبار الحزن فبدت مرآة الحياة الأسرية اليعقوبية مجلوة من كل كدر.
غير أن القصة لم تحدثنا عن فصول حياة السرور بعد الاجتماع الأسري في ظل العز والحب، ليوحي لنا ذلك الطي الحكيم بهذا الاكتفاء المعجز:
– بأن الحياة الدنيا طريق طويلة مأهولة بالمكاره.
– وأن أيام السرور عليها قليلة لا تستحق الذكر إلا على سبيل الشكر.
– وأن العِبر والدروس المفيدة لا تلقيها إلينا أفواه المسرات، بل ألسنة المضرات.
-وأن المحاب من العظات عقيمة ، ولكن المكاره ولود بها.
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾[يوسف:111].