
تصرخ الريح الباردة من النافذة ويصل بعضها إلى جسدي المتدثر بلحافه. لا تنسى شعب الخيام. أريد تذكيرك فقط بالنعمة التي تتقلب فيها، وبعدها أدلف لما أريد الحديث عنه.
يجلس عبد الله على مذكراته في عصر يوم صيفي ثقيل يحاول إتمام دوارسه المتراكمة، لديه امتحان يطلبه في الصباح ولم يكمل بعد نصف المنهج. في تلك اللحظات الباردة والمملة تسللت إليه خاطره، عبرت من خياله كومضة برق لكنه تركت شرخًا عانى منه إحدى عشر سنة قادمة.
تلك الخاطرة كانت عن شيء اسمه “العادة السرية” سمع صديقه يتكلم عنها. غريزة الفضول لديه عميقة، تحت سياط دعاوى التجربة، فعل تلك العادة، وليته ما فكر.
تطور الفعل المنفرد مع الأيام “عادة” فعل له نمط متكرر لا يستطيع التحكم به، وبشكل قهري. مع سنوات أخرى أصبح الأمر “إدمان”.
تقول منظمة الصحة العالمية “يمكن التعبير عن اضطراب السلوك الجنسي القهري في مجموعة متنوعة من السلوكيات ، بما في ذلك السلوك الجنسي مع الآخرين ، والاستمناء ، واستخدام المواد الإباحية ، والجنس عبر الإنترنت ، والجنس عبر الهاتف ، وأشكال أخرى من الجنس المتكرر السلوك.”
لستَ فاسق، أنت مريض
عبد الله شخصية رمزية، من خلاله يمكننا الحديث بشكل أوسع، وأعمق عن هذا الإدمان. ولكن من جانب آخر، جانب لا يكاد يطرق والتعب على ضفافه بيّن، ومصابيه لا يجدون من يواسيهم بكلمة عابرة، أو حضن خفيف.
هناك فئة من المدمنين يعانون لوحدهم في زوايا مظلمة من هذا العالم، يبكون ألمًا، ويصرخون الوجع ساعات وساعات دون همس أو صوت، وتراهم في الحياة العامة ولا يساروك شك أن بهم لبس، ولكن الله يعلم.
“الملتزم” أو المتدين، لا أمزح هناك شباب كثر عليهم سيماء الالتزام والتدين، ويسيرون في طلب العلم، ولديهم هم بالأمة وقضاياه ونصرتها، أخذهم الإدمان ووقعوا في شباكه اللزجة.
هؤلاء مشكلتهم مع الإدمان أصعب من غيرهم، لأسباب أفصّل في أهمها، وصمة العار التي ربما تلحقه إذا اعترف أنه مدمن. لنعد إلى نموذج عبد لله لفتل الإشكال أكثر.
عبد الله من عائلة متدينة، الحد الأدنى من التدين. يصلي ومحافظ على الفروض، يحفظ شيء من القرآن، وربما بدأ في طريق طلب العلم الشرعي. بدافع الفضول، أو لفراغ لا يعرف كيف يملأه، يجلس وحيدًا ووقع في مشاهدة بعض الفيديوهات والتي كانت بداية السقوط. لم يعترف بوجود شيء مجرد ذنب يقع فيه، يصلي ركعتين يبكي ويتوب وتعود الحياة إلى طبيعتها.
مع تكرار هذا النمط، شعر بالنفاق والفسق قبل معرفة أنه مدمن، لم يتحدث لأحد. لم يطلب المساعدة. مرت عدة سنوات على نفس الحال، بدأت خسائر الإدمان في حياته تزيد وتصبح أكثر وضوحًا من ذي قبل، لا يزال صامتًا يغلبه الإدمان في كل مرة، يشعر بالسوء، يجلد ذاته، لأنه ضعيف الإرادة وفاسق وفي قلبه نفاق “تصلي بالناس، وتقرأ القرآن، وتذهب للشيوخ، وتسمع المحاضرات، وتفعل هذا الشيء، واحسرتاه” وتعود الدائرة من جديد ليقع مرة أخرى. ولم يعرف بعد أنه مريض وليس فاسقًا.
مشكلة عبد الله وكثير غيره هي خوفه من الاعتراف بالمشكلة. لا يزال في اعتقاده أنه قادر، ذنب بسيط وقادر على تركه “أﻋﺘﺮﻓﻨﺎ أﻧﻨﺎ ﺑﻼ ﻗﻮة ﺗﺠﺎه إدﻣﺎﻧﻨﺎ، وأن ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ أﺻﺒﺤﺖ ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻺدارة” هذه الخطوة رقم واحد من إثنى عشر خطوة للتعافي من الإدمان. وهذه الخطوات قد غيرت حياة الكثير.
حالة عبد الله التي وصفتها تحتاج إلى كثير من التفكيك، ولكن ما يهمني الآن هو أن كثير من الشباب الملتزم المدمن لا يريد الاعتراف بأنه مدمن، ولديه كِبر رابض خلف قوله “ذنب بسيط ويمكن التخلص منه” كذلك سبب آخر لتكريس هذه الحالة بين الملتزمين ممن بلعهم الإدمان، ولا أنوي التفصيل فيه ولكن يجب وضع المجهر عليه نوعية التعاطي والتعامل مع من أصاب هذا “الذنب” في الوسط الشرعي سواء المشائخ أو طلاب العلم الكبار وحتى الصغار منهم. ابن القيم ألف مجلدًا لسؤال يتعلق بذنب أصله شهوة!
الأمر يحتاج إلى تفكيك معاني كثيرة للتعافي، ولكن أهم معنى يجب أن يدركه كل شخص أبتلاه الله بهذا الذنب أن يعترف أنه واقع في إدمان ولا يستطيع التخلص منه لوحده، فيذهب ليتعلم عن هذا الإدمان وكيف طريق التعافي، ويتذكر أنه يعاني من مرض وليس فاسق، أو فاسد أخلاقيًا، ويعترف بذلك.

جزيت خيراً ، هل توجد مقالات أخرى مكملة لهذا المقال ؟!