
هذه وقفة مع الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الصاعدي صاحب (فوائت المَعاجم)، تلك الفوائت التي غُذّيَتْ جَهلًا وامتلأتْ هَلهَلةً، ها هو يطلّ علينا بـ(تغريدةٍ!) يرمي فيها إمامين من أئمّة العربية: سيبويه وعبد القاهر الجرجاني، بـ(الْتواءٍ في الأسلوب وبقايا عجمةٍ في التعبير). والناظرُ في هذه المقولة بعينِ البصيرةِ يجدها دعوى أُرسلت إرسالًا، لم يسندها دليل ولا برهان، فجاءت عارِضَ رأيٍ أُطلق إطلاقًا، شابَهُ التعجُّل، وغاب عنه التروِّي، والله أعلم بحقيقة الدافع!
والحقُّ أنّ ما ظنَّه هذا القائلُ الْتواءً في نصوصهما إنما هو الْتواءٌ في ميزانِ نَظَره، وما رماهما به من عُجمةٍ إنما هو قصورٌ فيهِ عن إدراكِ كنهِ العبارة المُنشَأة في باب تقعيد العلوم.
فأما إمام النحاة سيبويه، فإنما كان جُلُّ كلامه، وغالبُ عباراته وتقعيداته، منقولةً عن شيوخه، ومقتَبَسةً من أساتذته، جمعًا وترتيبًا وتقريبًا. فمَن كان ناقلًا كيف يُطعَن في لغته وأسلوبه؟! ألا يُعَدُّ هذا طعنًا في الخليل بن أحمد الفراهيدي وغيره من أساتذته؟!
ثُم لو فرضنا أنّ الكتاب كلّه من إنشاء سيبويه؛ فإنّ الذي يؤسس بنيانًا ويشيد أركانًا، ويضعُ الأصولَ ويبتكرُ القواعدَ، محتاجٌ إلى شِدّةِ الأسرِ وإحكامِ القيد. ومَن رام طراوةَ اللفظِ ورقةَ الحاشيةِ في متونٍ عُقدت لضبطِ اللسانِ وتقنينِ الأقيسة، فقد حاد عن الجادة، وجهل طبائع العلوم؛ فإن المعاني الأبكار في لحظة التأسيس تأتي مستغلِقةً لِعِظَم الأمانة، وتتطلّب من العبارة حزمًا، ومن الدلالة صرامةً، فذلك تعقيدُ المَتانةِ والاحتراز، وقوةُ التأسيسِ والارتكاز.
وأما عبد القاهر الجرجاني، فقد رام الغوصَ في بواطنِ النظم، والانتقالَ بالعقولِ من قشورِ الألفاظِ إلى حقائقِ المعاني، واستخراجَ أسرارِ التراكيبِ من مكامنها. ومثلُ هذا الغوصِ يقتضي لغةً حصيفةً، وعبارةً دقيقةً، ومسلكًا في البيانِ محكمًا تأبى طبيعتُه الترسّلَ المكشوفَ الساذَج. فمَن حسبَ هذه الدقةَ الْتواءً، والمبالَغةَ في الاحترازِ تعقِيدًا، فقد جنَى على العِلم، وصيّرَ فضيلةَ الإحكامِ مَثلبةً تُرَدّ.
ومما يدعو إلى العجبِ رَميُ هذين الإمامين ببقايا العجمة، وهو قولٌ تهدمه آثارُهما التي أرسَت قواعدَ اللسانِ وكشفَت عن أسرارِ البيان -باعتراف الطاعِن نفسِه-. والعجمةُ تُدرَك بـ(فسادِ التركيبِ واختلالِ النظم)، ومحالٌ أن تثبتَ بظنونٍ تُرسل على عواهنها، فمَن كان له دليل على وقوع سيبويه والجرجاني في هذا الخلل، فليكشف عنه، وليبرئ ساحته -إن استطاع-.
ومعلوم أن العربيّةَ لسانٌ قبل أن تكون عِرقًا، ولهذا فإنّ هذين الإمامين إن كانت أصولهما من غيرِ العرب، فإن تلك الدخيلةَ أورثتهما شغفًا بالاستقصاء، وعينًا بصيرةً تتأمَّلُ النسيجَ اللُّغويَّ تأمُّلَ الخبيرِ الفاحِص، متعنّيًا في طلبِ العِلَل، ومبايِنًا نظرة المعتادِ الآلِف.
وها هنا مزلةُ أقدامٍ ومضلةُ أفهام، أعني خلطَ الناقدِ بين عسرِ الفهمِ الناشئِ عن جلالةِ المعنى، وبين اختلالِ المبنى؛ فالعسيرُ من القولِ قد يكون لسموِّ مطلبه، وضيقِ دائرته عن مداركِ العوام. والنصُّ متى غاص في الدقائق، استوجب قارئًا يرقى إلى سماوته، متكبّدًا مشقةَ النظر. ومَن قصُر باعُه عن دَرْكِ الغاية، ألقَى باللائمةِ على النّصِّ، مُتوهّمًا قُصورَ العبارة، وما القصورُ إلا في آلته!
فمثل هذه الأحكام مردودة في سوق العلم، وساقطة في محكمة العدل، لأنها مفتقرة إلى المنهج السليم، والدافع الشريف، والبرهان المبين، والاستنتاج النافع. ولكن قد يُقبَل رأي مَن أراد أن يناقش تقعيدات سيبويه، ونظريات الجرجاني، بميزان العلم، كما فعل العلماء على مر التاريخ، فمنهم مَن ناقش سيبويه في إدخال المنطق -زعموا-، ومنهم مَن ناقشَ الجرجاني في أساس نظريته، كعبد الحميد الفراهي الذي رأى أنّ الصواب في إرجَاع الأمر إلى النظام لا إلى النظم.
ولو أُحكم الميزانُ، وأُعطي النَّصَف، لكان الاعتبارُ بما خلّفه سيبويه والجرجاني من تراثٍ عظيمٍ غدا عمدةً وموئلًا؛ فمقامُ التقييمِ منوطٌ بجلالِ الصنيع، ومستغنٍ عما يعتري ذائقةَ القارئِ المتعجّلِ من استثقالٍ ونفورٍ، حتّى لَيَكاد صاحبنا الصاعدي يكون كأحَد العوام، الذين يستثقلون الجليلَ مِن تَعابير الكلام.
وجماعُ القولِ أنّ ما سُمّي الْتواءً إنّما هو أثرٌ من آثارِ التعمُّق، وما نُسب إلى العُجمةِ إنّما هو محضُ توهُّمٍ أورثَه استعجالُ الفَهم. والحقُّ أبلج لا تعوزه الإشارة، فنصوصُ الأئمّةِ بريئةٌ من عوجِ العبارة، وإنما يعرضُ العوجُ لعينٍ كليلةٍ عن إبصارِ الشمس الظاهرة، وذوقٍ لم تروِّضه مشاقُّ الغوصِ على الدرر الباهرة.
