
لعلَّ أبينَ ما يتَّسم به شعرُ بدويِّ الجبل؛ نداوةُ حرفه، واخضِلالُه؛ أيًّا كان مداره، وأيًّا كان باعثه! فإذا كان من الشعر ما تصطكُّ ألفاظُه كأنَّها خشبٌ قديم؛ فإنَّ نبعًا خفيًّا لا يزال ينتظمُ لفظَ البدويِّ ومعناه!
نشأ محمدُ سليمان الأحمد (بدوي الجبل) في بيتِ أدب، ودين، ووطنيةٍ صادقة؛ وقد كان بيتُه يُعلي شأنَ الوطن، ويجعله قبل كلِّ الشؤون، وينشِّئ أبناءَه على حسنِ محبَّته؛ فلا غرو أن يشبَّ محمدٌ على تلك المحبة، وأن يكتويَ بنارها.
كانت البلادُ العربية، يوم نشأ، تحت سلطان الدولة العثمانية، تريد لها أن تنأى عن عروبتها؛ لغةً، وأدبًا، وأن تُشيع فيها لغتها؛ غير أنَّ حواضر العلم والمعرفة كانت تزيد من تمسُّكها بالعربية، وما يتصل بها، وتسعى أن تحفظ على الأمة أدبها. ولقد كان، مع تلك الحواضر، من يسعى أن يغادر سلطةَ الخلافة العثمانية، وأن يُرجع حكمَ البلاد العربية إلى أهلها، وقد التقت تلك المساعي عند الشريف حسين وثورته، وعقدت آمالَها عليه. وقد رأى بدويُّ الجبل في الشريف ملكًا منقذًا، فأصفاه محبته، وآثره بشعره؛ وقال فيه في سنة 1923:
ألف أهــلاً بأميـر المؤمنيـنْ
سيّد البطحـاءِ والبيتِ الأمينْ
مرحباً بالتاج مرموقَ السنى
وبربّ التاج والعرشِ المكينْ
بربيب المــروتيـن المنتقــى
وفتــى زمزم والركن الركين ْ
وهو فتى في صدر حياته، أدرك العقد الثالث من عمره، أو يكاد؛ وليس قليلًا على من في عمره أن يقول مثلها، وإن تردّد فيها نغم نونيّة شوقيّ:
ارفعي الستر وحيّي بالجبينْ
وأرينا فلـقَ الصبح المبيــنْ;
وقفـــي الهودجَ فينــا ساعةً
نقتبسْ من نور أمّ المحسنينْ
لقد كانت الثورة العربيّة الكبرى، وقائدها الشريف، طريقه إلى مزاولة السياسة، والتعبير عنها، وقد بقي يُصفي الملك حسين وأبناءه المودّة، ويقول فيهم الشعر، ولا سيّما من حكم العراق منهم .
قال الشعر في فيصل الأوّل، ورثى غازي في قصيدة من جياد قصائده؛ وسمَها بـ (مصرع الشمس)؛ يقول في مطلعها:
زهوةُ الفتحِ والشبابِ النجيدِ
من سقى الفجرَ من دماء الشهيدِ
خَضَبتْ غــرّةَ الصبـاح فقد
نــمّ عليــها بالعطـــرِ والتوريـد ِ
قدرٌ أنزل الكمــيّ عن السر
جِ وألــوى بالفــارسِ المــعدودِ
وظلَّ مع البيتِ الهاشميِّ، لا يُغفلُ أمرًا من أموره؛ يُقيم قصيده صادحًا في المسرَّات والأحزان؛ فلمَّا كان يومُ تتويجِ الملك فيصل الثانيِّ في سنة 1953، أنشأ قصيدةً عامرةً فرِحةً، عنوانها (يا وحشةَ الثأر)، استعاد فيها، وهو منتشٍ، ما كان بينه وبين أسرة الشريف، وما كان لهم عليه من يد؛ يقول في مطلعها:
شادٍ علـــى الأيك غنّانا فأشجانا
تبـــارك الشـــعرُ أطيــاباً وألحــانا
ترنّح البـــانُ واخضلّت شمائلُـه
فهل سقى الشعرُ من صهبائه البانا
هل كنتُ أملك لولا عطر نعمته
قلبــاً علــــى الوهج القدسيّ نَدْيـانا
وقد كانت للجواهريّ في حفل التتويج نفسه، قصيدةٌ فرِحةٌ أيضًا، عامرة، مستعيدة في مورد منها ما كان لجدّ المتوّج، ولأبيه، من يد على الشاعر؛ يقول في مطلعها:
ته ياربيعُ بزهرك العطر الندي
وبصنوك الزاهي ربيعِ المولدِ
باهِ السمــا ونجومَــها بمشعشعٍ
عريان مـن نجم الربى المتوقّدِ
وإذا رمتــــك بـفرقد فتحّدهـــا
مـــن طلعة الملكِ الأغــر بفرقدِ
لكنَّ الجواهريَّ ما أسرع ما ندِم عليها، وأسقطها من ديوانه، وصارت عنده مبعثَ غصَّةٍ لا تفارقه، ولعلَّها كانت في صميم بواعث قصيدته: (كفَّارة وندم)، ولعلَّها كانت تملأ عليه نفسَه، وهو يقول، من بعد سنين:
وحسبك ركعةٌ عرضتْ
وكم من راكعٍ سجدا
بل إنّها في نسيج الندم الذي لا يفتأ يعاوده؛ فيقول فيه:
ندمٌ في إثره ندمٌ
عظُمتْ كفّارةُ الندمِ
حتّى لكأنَّه لم يقل، من قبل، شيئًا في أحدٍ من الملوك، أو لن يقول، من بعد، في ملكٍ هاشميٍّ؛ وذلك من عجيب أمره!
غير أنَّ بدويَّ الجبل لم يندم على قصيدته، ولم يُسقطها من ديوانه؛ بل إنَّها، في سياق تجربته، لا ينبو بها مكان!
وشعرُ البدويِّ لا ندامة فيه، ولا تبكيتَ ضمير؛ وإنَّما هو الصفاء الذي لا يُنكر آخرُه أوَّله! أيرجع ذلك إلى ما بين بيئتي الشام والعراق من تفاوت، أم يرجع إلى تباين فكر الشاعرين؟!
لقد زاول محمدُ سليمان الأحمد السياسة على نهجٍ وطنيٍّ؛ يريد سيادةَ الوطن، ويأبى الاستعمار، وما يتصل به، فولِيَ النيابة، وتقلَّد الوزارة، واضطرَّ، في زمنٍ آخر، إلى المنفى؛ لكنَّه، في كلِّ أحواله، ظلَّ لا يقول الشعر إلا نقيًّا صافيًا، في طبقةٍ رفيعة، معربًا عن أصدق ما لديه. وهو، من بعد، من أقدر الشعراء على جعل حوادث السياسة، وما يكون منها بسبب، شعرًا خصبَ الخيال، متدفِّقَ العاطفة، متينَ اللغة. وكأيِّن من شاعرٍ برد قصيده، وتفكَّك نسيجه، إذا ما رام القول في شأنٍ عام! يقول في مقام التحنُّن إلى الشام، وهو مغتربٌ ناءٍ قد تقطَّعت به الأسباب:
يا شامُ يـا لدةَ الخلــو
د وضمّ مجدكما انتسابُ
من لي بنزر من ثرا
ك وقد ألحّ بــي اغترابُ
فـــأشمّـــه وكـــأنّــه
لُعسُ النـــواهد والملابُ
وأضمّه فترى الجوا
هر كيــف يكتنز التـرابُ
هذا الأديــم شمـــائل
غــرٌّ وأحــــلامٌ عـــذابُ
وأمـــومةٌ وطفـــولةٌ
ورؤى كما عبر السحابُ
وهو جهير الصوت في مقام الجهارة ؛ يجهر، ويدنو من التصريح إذا ما مسّه طغيان، وحسبك منه قصيدتاه: (كافور) و(فرعون)؛ ومتّكؤه ثقته بنفسه وبشعره؛ يقول:
كافــورُ قد جنّ الزمانُ
وإليك آل الصولجــانُ
خجِل السرير من الدعــيّ وكاد يبكي الأرجوانُ
ويختمها ، وهي طويلة ، بقوله :
كافـــورُ عـــرشك للفنــــاء وربّمــــا آنَ الأوانُ
الخالدانِ – ولا أعدّ الشمس – شعري والزمانُ
وإنّه لقادر على أن يُدني البعيد، ويجعله ممازجًا نفسه، منبثقًا عنها، وأن يقول في القضيّة العامّة قوله في القضيّة الخاصّة، من دون أن تهي عنده متون القول؛ يقول في مقام الرثاء متذكّرًا أصحابه في قضيّة الوطن وتمام استقلاله:
لا تسلها فلــن تجيب الطلولُ
المغــاويرُ مثــخنٌ أو قتيــــلُ
موحشاتٌ يطوف في صمتها الدهـ
رُ، فللدهر وحشةٌ وذهولُ
غاب عند الثرى أحبّاء قلبي
فالثرى وحده الحبيبُ الخليـلُ
وكلُّ شعره، أيًّا كان مبعثُه، ندٍ، خضل، يتخلله ضياء ينفي وحشة الحزن، ويخفّف وطأة الأسى؛ يقول، وأشباح الغربة مطلّة عليه:
سلي الجمر هل غالى وجُنّ وعذّبا
كفرتُ بـــه حتّــى يشوق ويعذُبا
ولا تحرمينــي جُذوةً بعد جُـذوةٍ
فما اخضلّ هذا القلبُ حتّى تلهّبا
إنّ منافذ الماء والضياء إلى شعره لتزيد في رونق ديباجته، وقلّما خلت قصيدة له منهما، وهما مادّته في مواطن الثناء؛ يقول في أبي العلاء، مهوّنًا من العمى:
أعمى تلفّتتِ العصورُ فما رأت
عند الشموس كنوره اللمّاحِ
نفذت بصيرته لأسرار الدجـى
فتبرّجت منــها بألف صباحِ
من راح يحمل في جوانحه الضحى
هانت عليه أشعّةُ المصباحِ
ويقول في قبور أحبّته :
ظمأى ويندى ثراها لوعةً وهوىً
إذا ألـمّ بها مــن غربتي خبرُ
تلك المصارعُ ردّ الموتُ نجدتَها
عنّي فكاد الأديمُ السمح يعتذرُ
وكثير من أشباه ذلك ممّا جعل الماء والضياء ، وما يتولّد منهما ، مادّة في نسيجه.
إنّ بدويّ الجبل نبع من الشعر عذب المورد، وإنّ حرفه شاميّ خضل …!
