أشتات

استعادة المعنى في زمن العبور السريع

لم تعد المسافة بين الأمس واليوم كما كانت منذ عهد قريب. إذ عشر سنوات – وهي في حساب التجربة زمنٌ قريب – قد تبدو في وعي بعض الأجيال اليوم دهراً طويلاً، وكأن الزمن لم يعد يُقاس بتعاقب الأيام، بل بسرعة التحولات فيه. وكأننا لا نعيش الزمن، بل نمرّ به مروراً عابرا.

هذه السيولة في إدراك الزمن ليست مجرد ظاهرة نفسية، بل هي انعكاس لتحوّل أعمق: تحوّل في علاقتنا بالأشياء، وبالمفاهيم، وبالمعاني نفسها.

من زمن الفهم إلى زمن العبور

قبل سنوات ليست بعيدة، كان ثمّة حساسية معرفية تجاه المفردة، إذ كان القارئ -لا سيما الشاب- يتوقف عند المصطلح، ويُقلّبه يمنة ويسرة، ويسأل عن جذوره، ويتتبع دلالاته. لم تكن الكلمة تمرّ مروراً عابراً؛ بل كانت تستدعي فهماً، وتفتح باباً، وتُنشئ علاقة.

أما اليوم، فقد تغيّر الإيقاع بشكل لافت وحادّ، فالأشياء تمرّ بسرعة، وتُستهلك على عجل، وتُستبدل بكلّ خفّة، ودون أثر. لم نعد “نقرأ” بالمعنى العميق والحقيقي للقراءة، بل “نمرّ” على النصوص مروراً، ولم نعد “نُفكّك” المفاهيم، بل نتعامل معها بوصفها وحدات جاهزة للاستخدام الفوري.

وهي – في تقديري – نقلة من زمن الفهم إلى زمن العبور.

ولا يعني ذلك أن الجيل الحالي أقلّ قدرة ممّن سبقه، بل لعلّه أكثر مرونة في التكيّف مع عالم متسارع، وهذا يُحسب له بلا شك. غير أن لهذه المرونة ثمناً باهظاً: تراجع في عمق المعنى، وضمور في ملكة التثبّت، وضعف في الحسّ النقدي تجاه ما يُستهلك يوميا.

حين يتحوّل الزمن إلى ضغط

مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، بدأت عملية إعادة تعريف الزمن. فلم يعد مجرد إطار للحياة، بل أصبح مورداً اقتصادياً يُحدّد إيقاعه المصنع وتضبط مستوى إنتاجيته الساعة المُعلّقة على سور المصنع ومكتب المدير، ويُقاس العائد بالثانية والدقيقة. ثم جاءت الثورة الرقمية لتدفع هذا التحوّل إلى أقصاه، ولذلك فإنّنا اليوم لم نعد نعيش تحت ضغط “إدارة الوقت” فحسب، بل تحت ضغط “ملاحقة كل شيء”.

تشير التقديرات إلى أن الفرد يقضي في المتوسط قرابة خمس ساعات يوميا على هاتفه، وقد تتجاوز المدة لدى الشباب إلى سبع ساعات. هذا التدفق المستمر من المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من التطبيقات والمنصّات الافتراضية لم يعد يترك مجالاً كافياً للهضم أو التأمل، بل بات يخلق شعوراً دائماً بالعجلة، وقلقاً خفيّاً يهمس في أذن الجيل قائلاً: إذا لم أتابع، إذا لم أواكب، إذا لم أُنتج… فأنا متأخر.

وهنا تتشكل المفارقة اللافتة: إهدار واسع للوقت، يقابله شعور دائم بندرته.

الوقت: مال… أم حياة؟

في التصور الحديث، يُقال إن “الوقت هو المال”، ويُقال أنّه قول مأثور لبنجامين فرانكلين، وهي عبارة تحمل قدراً من الصحة في سياقها الاقتصادي، لكنها تبقى قاصرة إذا نُزعت من إطارها الأخلاقي والإنساني، فالوقت -في حقيقته الأعمق – ليس مالاً تكسبه أو تخسره، ولا مُجرّد مورد خارجي، بل هو الحياة نفسها، والوعاء الذي تتشكّل فيه الذات، ويُؤكّد هذا المعنى قول الحسن البصري: “يا ابن آدم، إنَّما أنت أيَّام، كلَّما ذهب يومٌ ذهب بعضُك”.

من هنا، فإنّ إهدار الوقت لا يعني فقط خسارة قيمة إنتاجية مُعيّنة، بل يعني استنزافاً صامتاً للحياة ذاتها. ولذلك، فإنّ الاستجابة الناضجة لهذه الحالة ليست في مزيد من السرعة، بل في إعادة ترتيب العلاقة مع الزمن:

كيف نُنظّمه، كيف نُحدّد أولوياته، كيف نتعامل معه بوصفه مجالا للمعنى، لا مجرد مساحة للإنجاز. ويزداد هذا المعنى وضوحاً في الحديث النبوي الذي رواه معاذ بن جبل – رضي الله عنه -: أنَّ رَسُولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره: فيمَ أفناه؟ وعن شبابه: فيم أبلاه؟ وعن مالِه: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعَنْ عِلْمِه: ماذا عمل فيه؟).

العجلة: بين الطيش واضطراب المعنى

مرة أخرى – أيها الكرام – السرعة، حين تنفلت من الضبط، تتحول إلى عجلة، والعجلة ليست مجرد تسريع للإيقاع كما يظنّ البعض، بل خلل في الحكم على الأشياء والأحداث والأفعال. وقد التقط هذا المعنى الأدب الحديث بوضوح، إذ يقول ميلان كونديرا: عندما تمرّ الأشياء بسرعة، لا يمكن لأحد أن يكون واثقا من شيء، حتى من نفسه.”

وقد جاء التحذير من العجلة في تراثنا صريحاً، كما في قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها…” فيما يُلخّصه المثل العربي البليغ: في العجلة الندامة.”

ويذهب ابن القيم إلى أن العجلة خفة وطيش، تضع الشيء في غير موضعه، وتمنع التثبّت والحلم.

إذن، المسألة ليس مجرد سلوك، بل نمط للإدراك الواعي، فحين تُختصر المسافات باندفاع، تختلّ الأحكام، ويضيع المعنى بين البداية والنهاية.

تسارع بلا أخلاق

الأخطر من ذلك كله، ليس السرعة في ذاتها، بل فقدان القدرة على مقاربتها أخلاقيا. فالتغيير السريع، حين لا يُفهم، لا يمكن توجيهه. وهذا ما نراه اليوم بوضوح، كلّ شيء يتسارع: كالوجبات السريعة، والعلاقات الخاطفة، والمعلومات المختصرة، حتى العلاج النفسي بات يُسوّق بوصفه “سريع النتائج”، بل حتى الرسائل الصوتية صارت تُسرّع، والمحتوى يُصنع بشكل عاجل، والانتباه يُجزّأ.

وفي خضمّ هذا كلّه، يبرز سؤال مُلحّ: أين الإنسان في كل هذا؟ أين وعيه؟ أين حضوره؟
وحين يغيب المعنى، تتحول السرعة إلى دوّامة: حركة دائمة، بلا اتجاه واضح.

حين تصبح العودة إلى الوراء خطوة إلى الأمام

ما المطلوب إذن؟

ليس أن نعلن حرباً عالمية جديدة على الزمن، بل المطلوب ابتداءً أن نُعيد ضبط علاقتنا به، وليس المقصود هو التخلّي عن السرعة، بل تهذيبها وتشذيبها. نحتاج إلى مساحة نتراجع فيها قليلا، ليس هروباً أو انهزاماً، بل لمراجعة ما كان، واستعداداً لما سيكون. نُعيد فيها ترتيب الأولويات، ونبني نظاماً متوازناً يناسب سياقنا الخاص، بعيداً عن إيقاع مفروض من الخارج.

نحتاج أيضاً إلى استعادة بعض الممارسات البسيطة والعميقة في آن، كـ:

  • القراءة المتأنية
  • والتفكير في المفاهيم لا استهلاكها
  • وتعميق العلاقات بدل الاكتفاء بالتواصل السطحي
  • والإصغاء.. لأنفسنا ولغيرنا

وقبل ذلك كله، نحتاج إلى إعادة الاعتبار للسؤال:

ماذا يعني هذا؟ وماذا يعني ذاك؟

بين السرعة والمعنى… خيار حضاري

إن البحث عن المعنى ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة إنسانية، وكلما تسارعت وتيرة التغيّرات في هذا العالم، كلما ازدادت الحاجة إليه. فالمشكلة لا تكمن في كثرة ما نرى، بل في قلّة ما نفهم. والمعضلة الحقيقية ليست في وفرة المعلومات، بل في غياب المعنى الذي يربط بعضها ببعض، ويربطها بنا.

يقول كارل أونوريه: لقد تحول حبنا للسرعة إلى إدمان… حتى عندما تبدأ بإعطاء نتائج عكسية، لا نتخلى عنها.”

وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن نتحرر من وهم أن السرعة دائما تقدّم، ونجاح، وتحقيق للطموح. وأن ندرك أن التأنّي -في مواضعه- قد يكون شرطاً للفهم. ختاماً،
ليست المسألة في أن نعيش بوتيرة أسرع أو أبطأ، بل أن نعيش بشكل أعمق.
فما قيمة أن تمرّ الأشياء والأفكار كلها من حولنا .. إن لم يترك شيء منها أثراً فينا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى