فكر

جذور الوعي المنقوص لدى الأشاعرة المعاصرين تُجاه الشيعة الإمامية (ج3)

كتاب مستقبل العلاقة مع الشيعة أنموذجًا

حول مسألة التعايش

تناولنا في الحلقة السابقة الجذور الفكرية للوعي المنقوص لدى الأشاعرة المعاصرين تُجاه الشيعة الإمامية، وتتبعنا انعكاساته في كتاب (مستقبل العلاقة مع الشيعة) لمؤلفه الشيخ الدكتور عبداللطيف فودة، وكان يفترض بالقلم أن يقف عند نهاية الحلقة الثانية، لولا أن المؤلف تناول مسألة التعايش مع الشيعة الإمامية في كتابه آنف الذكر، وسأذكر هنا ثلاثة أسباب دفعتني إلى تناول مسألة التعايش التي تطرق إليها المؤلف، وهي:

أولاً: اجتهد الشيخ فودة في تقديم مقاربة للتعايش مع الشيعة الإمامية، وقد تأملتها فرأيتها مبنية على أمنيات لا سند لها من الواقع، وأيضًا اعتراها القصور من عدة جوانب، أبرزها: عدم التأصيل والتحرير لمفهوم التعايش، وكذا عدم تخليق رؤية يمكن البناء عليها في رسم مسار واقعي للعلاقة بين الأمة المسلمة وديانات الغلو الشيعية، وفي المقدمة منها الإمامية الإثني عشرية، ويمكن القول: إن تلك المقاربة جاءت لتؤكد الوعي المنقوص تجاه المسألة الشيعية برمتها.

ثانيًا: أن الكلام قد كثر حول مسالة التعايش مع الشيعة الإمامية، ولم أر من حرر القول فيها تحريرًا مرضيًا.

ثالثًا: أن البعض تمترس خلف مصطلح التعايش لتمرير أجندات التضليل والتغييب للوعي.

ما المراد بالتعايش؟

 كلمة تعايُش جاءت على وزن تَفاعُل، وهذا الوزن يفيد الاشتراك في وقوع الفعل؛ أي وقوع الفعل من فاعلَين فأكثر،  ومثله: تَعانُق، و تَقاتُل، وتَسابُق … الخ 

وهذا أمر بدهي في التعايش؛ إذ لا تكفي فيه إرادة طرف دون طرف، بل لا بد أن تجتمع إرادة الطرفين أو الأطراف عليه،  وأن يتجسد سلوكًا وممارسة من الأطراف المختلفة، وجوهر التعايش هو القبول بالعيش معًا، وحل الخلافات بالطرق السلمية، ولذا كثيرًا ما يُقرن بالسلم، فيقال: التعايش السلمي.

والتعايش من  القيم الإنسانية الحضارية وقبل ذلك هو عندنا قيمة إسلامية، وفي الإسلام يقوم التعايش على مبادئ أعلاها احترام الحق في الحياة، وأدناها المعاملة بالبر والإحسان.

المعرفة والوعي أولاً:

وإذا كان التعايش فعل تشاركي يقع من كلا الطرفين، أو من أطراف متعددة،  لا من طرف واحد، فإن البدهية الواضحة هنا تقول: إن المعرفة قبل التعايش؛ ذلك أن معرفة الطرف الآخر  هي التي تحدد نوع وحدود التعايش معه؛ ما يعني أن  التعايش له مستويات تتحدد في ضوء الشروط الموضوعية والظروف الواقعية، وبما يتناسب مع الحالات المختلفة، وإذن فنحن بحاجة هنا إلى فهمين: فهم حقيقة ومعنى التعايش، وفهم الطرف الآخر الذي سيجمعنا به العيش المشترك خيارًا بديلاً عن العداوة والتنابذ، وأما القفز إلى الحديث عن التعايش دون المعرفة الكافية والرؤية الواضحة، فقد يكون مدعاة  لكثير من خيبات الأمل.

أسس التعايش:

هنالك أسس للتعايش، وأهمها ثلاثة أسس ضرورية، وهي: 

  ١: الاعتراف بحق الآخر في الاختلاف.

٢: التخلي عن خطاب الحقد والتحريض على الكراهية.

٣: الإيمان بالمواطنة المشتركة.

وهذه الأسس الثلاثة هي المداميك الضرورية التي يقوم عليها التعايش بمختلف أنواعه وصوره.

مبادئ التعايش في الإسلام:

جاء الإسلام بمبادئ عامة تعد أساسًا متينًا للتعايش الإنساني، وعلى هديها تعايش المسلمون مع اتباع الديانات المختلفة، وأهم تلك المبادئ:

أولاً: حرية العقيدة وعدم الإكراه في الدين، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، وكلمة (إكراه) هنا جاءت نكرة في سياق النفي وهو ما يفيد العموم؛ أي انتفاء كل أنواع الإكراه.

ثانيًا: احترام وصون الحق في الحياة،  قال تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] وأخرج الإمام البخاري في الصحيح  (2995) عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة)).

 ثالثًا: إقامة ميزان العدل بين الناس فلا يُظلم أحد بسبب انتمائه الديني أو العرقي، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] نزلت الآية في تبرئة يهودي ودفع الظلم عنه، وإدانة بعض المسلمين الذين حاولوا تلفيق تهمة له هو بريء منها. وقال عليه الصلاة والسلام: ((ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة)) حديث صحيح أخرجه أبوداود (3054) وغيره.

رابعًا: المعاملة بالبر والإحسان، قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

التعايش مع الشيعة الإمامية من وجهة نظر المؤلف:

 تحدث المؤلف عن بعض عقائد الشيعة الإمامية ورأى – وهو مصيب في ذلك- أن تلك العقائد تؤجج العداء والحقد على المسلمين، وتجعل من التعايش أمرًا بعيد المنال، ولكنه مع ذلك لم يغلق  باب الأمل في وجه التعايش بين المسلمين واتباع الملة الإمامية الإثني عشرية، وإن كان قد وضع شرطًا حالمًا لتحقيقه وهو أن يتخلى الشيعة الإمامية عن الطعن في الدين وعن العداء للمسلمين!

وفي هذا السياق طالب المؤلف الشيعة الإمامية بتصحيح موقفهم إزاء بعض القضايا فقال: ((هناك مسائل عظيمة ومواقف خطيرة ما زلنا ننتظر  من الشيعة أن يقفوا منها موقفًا قاطعًا باتًا لا يبقي مجالاً لقيل قائل: منها موقفهم من القرآن وقصة تحريفه زيادة ونقصانًا…. ومنها موقفهم من الأحداث التاريخية التي تعلقوا بها قديمًا، وما يزالون يتعلقون بها حتى الآن، فإن عليهم إعادة النظر في تفسيرها لأتباعهم، والإعلان أنها مجرد مواقف تاريخية ولا تمثل ديانة لهم، ولا تشير إلى قدح في الصحابة، ولا إنقاص في الدين بسبب  ما يزعمونه من اغتصاب الإمامة من علي رضي الله عنه، ولا نحو ذلك مما يقررونه)) (ص٧٣-٧٤).

ولا أظن المؤلف يجهل أن مطالبة الشيعة الإمامية بذلك يعني مطالبتهم بالتخلي عن مقومات بعضها – إن لم يكن كلها – أساسي وجوهري في دينهم، وإن كانت بعض تلك المقومات في نظره وفي نظر سائر العقلاء لا تعدو كونها حوادث تاريخية عفى عليها الزمن.

بين التاريخي والعقدي:

أبدى المؤلف – في أكثر من موضع – استغرابه من تحويل الشيعة الإمامية للحوادث التاريخية إلى قضايا عقائدية،  مطالبًا إياهم بإعادة تلك الحوادث  التاريخية إلى موضعها وحجمها الحقيقي، وعدم الغلو في تفسيرها واتخاذها دينًا، وذريعة لإثارة العداوات واجترار الأحقاد.

والحقيقة أن تحويل التاريخي إلى عقائدي هو إحدى السمات الأساسية المشتركة بين الملتين اليهودية والرافضية، وإن كان الرافضة قد توسعوا أكثر من اليهود في تعميد العقائد المستمدة من الأحداث التاريخية بالطقوس والاحتفالات الموسمية لتأكيد مسار الانشقاق عن الأمة، ولضمان الشحن المستمر لنفوس الأتباع بالحقد والكراهية، ولإبقاء جذوة الثأر والانتقام متقدة ومتوارثة في نفوس أبناء الملة الشيعية  جيلاً بعد جيل.

والنظر التحليلي في منشأ ومسار الملة الإثني عشرية يُظهر بوضوح دور الأصابع الخفية الحاقدة في بلورة عقائد الملة على نحو عدائي تجاه الإسلام وأهله، وفي هذا السياق تم تحريف بعض الأحداث والوقائع التاريخية، واختلاق أحداث ووقائع لم تكن، لتستغل بعد ذلك من خلال تحويلها إلى عقائد هدامة ومقولات مسيئة لرموز الإسلام، في واحدة من أخطر عمليات التسميم الثقافي، ونعني بالتسميم الثقافي تلك المحاولات الموجهة والمقصودة لهدم نظام القيم والرموز في الإسلام، وإظهار الجيل التأسيسي في أمة الإسلام (جيل الصحابة رضي الله عنهم) في صورة مجافية للحقيقة، واختزالهم في مجموعة من النقائص والسلبيات.

حتى لا تنطفئ الدنيا جذور الوعي المنقوص لدى الأشاعرة المعاصرين تُجاه الشيعة الإمامية (ج3)

عقيدة مختلفة أم عقدة متجذرة؟

من المعلوم بداهة أن التعايش بين المسلمين وغيرهم لا يتوقف على التوافق العقدي، فالمسلمون تعايشوا مع أهل الذمة يهودًا ونصارى، بل حينما ضاقت أوروبا باليهود وجدوا الملاذ الآمن في بلاد المسلمين، وبالتالي حينما نتحدث عن التعايش مع الشيعة الإمامية الإثني عشرية فليس من شرط ذلك التعايش حصول التوافق العقدي؛ ولا جوهر المشكلة يكمن في وجود الاختلاف العقدي بين الملة الإسلامية التوحيدية والملة الإثني عشرية الغنوصية الشركية، ولكن الجذر الحقيقي للمشكلة يكمن في أن الملة الشيعية الإمامية بعقائدها وطقوسها لا تعبر عن رؤية عقدية وفكرية مختلفة فحسب، وإنما تعبر عن  منظومة متكاملة وبنية مرصوصة من الأحقاد والضغائن والطعون في الإسلام، وتحريف مبادئه وتشويه تعاليمه، والإساءة إلى رموزه، مع اعتقاد وجوب  الثأر والانتقام من المسلمين – الجبهة اليزيدية حسب التصور الشيعي الدوغمائي- متى ما سنحت لهم الفرصة، مع اعتمادهم استراتيجية التلون حال الضعف، والانقضاض حال القوة، والتي يعيرون عنها بالتَّقِيَّة، ومن يمعن النظر في هذه الأزمة المركبة من العقدي والنفسي قد يتساءل عن مدى معقولية الحديث عن التعايش مع الشيعة؟ وهل ذلك الحديث داخل في حيز الإمكان؟ أم هو مجرد فرضية تجول في الأذهان؟!

غيلان متعطشة للدماء

في كتابه صحوة الشيعة ينقل المؤلف عن مسؤول أميركي كبير في البنتاغون قوله: ((الشيعة غيلان متعطشة للدماء)) [1].

كان ذلك المسؤول الأميركي قد استمع كثيرًا للسردية الشيعية حول المظلومية والثأر والانتقام، والتحريض على أهل السنة والتخويف منهم باعتبارهم الخطر القادم على الغرب!

أدرك الأميركيون الوحش الكامن في النفسية الشيعية فأطلقوا العنان للغيلان المتعطشة للدماء، ومكنوا لها في العراق، ثم غضوا الطرف عن تمددها في سوريا ولبنان واليمن، ضمن مخطط (الفوضى الخلاقة) لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد.

هل يمكن أن يتخلى الشيعة الإمامية عن أحقادهم العقائدية؟

 التعايش – كما أسلفنا – قيمة إنسانية وحضارية وإسلامية، وهو قيمة تشاركية تتوقف على مدى قناعة ورغبة ومصداقية الطرفين أو الأطراف المختلفة في تبنيه فكرةً، وتجسيده ممارسة.

ومما تقضي به بدائه العقول أن التعايش وثقافة الكراهية والتحريض على العنف نقيضان لا يجتمعان، ولما كانت ثقافة الحقد والكراهية والتحريض على الثأر والانتقام من أهل الإسلام هي المبادئ الأساسية الفاعلة والروح السارية في  الملة الإمامية الإثني عشرية، فإن العقلاء من أهل الإسلام لم يرتضوا لأنفسهم أن يدسوا رؤوسهم في الرمال، بل صدعوا بالحقيقة التي لا مناص من الصدع بها، وهي أنه لا تعايش حتى تتغير تلك الأفكار والمعتقدات القائمة على الطعن في الدين، والمؤججة لثقافة الحقد والكراهية والثأر والانتقام من المسلمين.

وهذا المسلك هو الذي سلكه الشيخ فودة في كتابه (مستقبل العلاقة مع الشيعة) وهذا مما يُحمد له، وهو خير من مسلك أولئك المضللين الذين يدعون إلى التعايش دون أن ينبسوا ببنت شفة عن ثقافة العداء والحقد والكراهية التي تقوم عليها الملة الشيعية بمختلف تفرعاتها وأطيافها ومنها: الشيعة الإمامية الإثني عشرية.

والسؤال المهم هنا: هل يمكن للملة الشيعية أن تنسلخ عن روحها العدائية تجاه المسلمين؟!

بحثت عن بصيص أملٍ يجعلني أقول نعم،  أو لعلّ، فلم أجد.. ولأن الرائد لا يكذب أهله، فلا مناص من القول: إن النظرة الموضوعية الفاحصة  لمنشأ ومسار عقائد وأفكار التشيع تجعلنا ندرك بوضوح أن الحالة الشيعية هي حالة اختطاف فكري، تم ويتم من خلالها  تحويل أفراد يعيشون في الأمة ويشكلون جزءًا من نسيجها إلى  أعداء ألداء للأمة، ومن خلال التنشئة العقدية والطقوسية المتمحورة حول المظلومية والثأر تنشأ الأجيال في الحاضنة الشيعية على عُقد الحقد والثأر والانتقام.

وقد أدت تلك التنشئة إلى أن يتموضع الفرد الشيعي  عقائديًا وفكريًا ونفسيًا في موضع القطيعة مع الأمة، والشعور بالاغتراب عنها؛ وهو ما يفسر ما ذكره بعض علماء الإسلام من أن الرافضة كانوا على الدوام  مع كل غازٍ لأرض الإسلام؛ ذلك أن الأمة في المخيال الشيعي قد جرى تنميطها في صورة العدو الأبدي لما يسمى (آل البيت) وحقوقهم المزعومة في السيادة والتأله، والاستعلاء الطبقي والعنصري، واحتكار السلطة السياسية، والسيادة الروحية، والمعرفة الكهنوتية.

وأما التعويل على دور المرجعيات الشيعية في إحداث تغيير جوهري في الأفكار التأسيسية الشيعية، فهو تعويل في غير محله، وينطلق من الجهل بالحالة الشيعية عمومًا، وبحال المرجعيات الشيعية على وجه الخصوص، ومن أراد معرفة عميقة بواقع حال المرجعيات الشيعية وأنها عاجزة كل العجز عن أن تقود عملية إصلاح من الداخل الشيعي لأسباب كثيرة ذاتية وموضوعية، فليعد إلى كتاب (جولة في دهاليز مظلمة) للمعمم الشيعي محمد حسن الكشميري، ولا ينبئك مثل خبير.

وقديمًا قال الشاعر:

ومكلف الأيام ضد طباعها
متطلب في الماء جذوة نار

ولعل قائلاً يقول: إننا نجد أفرادًا من الشيعة الإمامية يبدون قدرًا من التسامح والقبول بالتعايش مع الآخر، بل يصرحون برفضهم للأفكار والمقولات المسيئة ولخطاب الكراهية… فكيف خرج أولئك الأفراد من براثن التنشئة الشيعية المتشبعة بالكراهية والأحقاد؟!

هنا احتمالان: الأول: أن ذلك الفرد الشيعي يمارس التَّقِية، ولا يعبر عن قناعات حقيقية. والثاني: أن ذلك الفرد الشيعي انخلع عن الإيمان بالمنطلقات الفكرية والعقدية التي تقوم عليها الملة الشيعية الإمامية، وبالتالي لم يعد شيعيًا إماميًا، وإن زعم أنه شيعي، فهو هنا يتحدث عن انتماء عاطفي نحو ما يسمى (آل البيت)، ومثل هذا الانتماء العاطفي الدوغمائي نجده لدى كثيرين من أهل السنة: أشاعرة وماتريدية وسلفيين.

ماذا يقول التاريخ والواقع عن تعايش المسلمين (أهل السنة) مع الشيعة الإمامية؟

الواقع التاريخي والمعاصر يقول إن المسلمين أبدوا تساهلاً وتسامحًا كبيرًا مع الهرطقات والإساءات الشيعية، وأنه على الرغم من غفلة  وتغافل  كثير من المسلمين عن الأحقاد والإساءات الشيعية سعيًا منهم وراء التعايش، فقد جاءت كل الانعطافات والتحولات التاريخية التي نتج عنها نوع تمكين لأتباع الملة الشيعية الإمامية، لتظهر من بغيهم وعدوانهم وإجرامهم في حق المسلمين ما هو معلوم ومعروف ومسطور في كتب التاريخ، ومنه ما شاهدناه بأم أعيننا في واقعنا المعاصر، وتلك نتيجة طبيعية لثقافة  الحقد والكراهية والثأر المقدس التي يتربى عليها الشيعي منذ نعومة أظفاره، وبالتالي فلن يمنعه من التنفيس عن أحقاده وضغائنه إلا ضعف قوته وقلة حيلته!

وفي هذا السياق غير المنفصل عن الجذور العقائدية والفكرية حصل ما حصل من عدوان وبغي وإجرام معاصر في حق المسلمين (أهل السنة) في العراق وسورية ولبنان واليمن، وذلك الإجرام ليس حالة جديدة أو معزولة، كما يحاول المضلِلون والمغيَبون تصويره، ولكنه يعبر عن حالة ممتدة، لها  سوابق تاريخية معلومة، وكلها انبثقت عن مقررات عقدية ومنظور فكري واحد، وكلها أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن حالات القوة والمقدرة الشيعية في كل زمان ومكان لا يمكنها إلا أن تعبر عن نفسها بإعلان الحرب على المسلمين تحت شعار الانتقام من (النواصب) والثأر من (أتباع يزيد) و(بني أمية)!

أكثر من نموذج للتعايش:

ولعل سؤالاً يبرز هنا: إذا كان التعايش من جهة، وثقافة الحقد والكراهية التي يقوم عليها دين الشيعة الإمامية من جهة أخرى: نقيضان لا يجتمعان،  فما الحل إذن؟ وما البديل للتعايش؟! هل إعلان الحرب التي لا تبقي ولا تذر؟

هذا السؤال كثيرًا ما نسمعه وهو يتضمن مغالطة واضحة؛ لأنه يحصر ذهن السامع بين خيارين لا ثالث لهما: التعايش الموهوم، أو الحرب والاقتتال!

وبطبيعة الحال يتجاهل من يطرح هذا السؤال أن التعايش الموهوم لم ينتج عنه سلام حقيقي، ولا أمان داخلي في الأمة لا في القرون الماضية، ولا في واقعنا المعاصر، ومن المؤكد أنه لن ينتج عنه سلام وأمان في المستقبل..

وإذن فنحن بحاجة إلى مقاربة أعمق لمسألة التعايش.. مقاربة تضع النقاط على الحروف..

إن المبادئ العامة – ومنها مبدأ التعايش – تتعدد نماذجها التطبيقية عند السعي لتجسيدها في الواقع تبعًا للحالة الموضوعية والظروف الواقعية، وبالتالي لا يصح الحديث عن أنموذج واحد صالح لكل البيئات ولجميع الحالات، ولا يصح الوقوف عند أكمل النماذج فقط وإلغاء ما عداه، والمتأمل في التجربة والخبرة الحضارية الإنسانية يجدها تسعى نحو تخليق نماذج متعددة تتجسد فيها المبادئ العامة في الواقع بما يتناسب مع الحالات والظروف المختلفة، ومن ذلك مبدأ التعايش الذي يمكن الحديث هنا عن نموذجين من نماذجه هما:

١/ تعايش التوافق والانسجام:

وهو التعايش القائم على التوافق والانسجام في الأفكار والمعتقدات والثقافة والعادات والتقاليد، وهذا النوع من التعايش أساسه التوافق  والانسجام الموجود بين أبناء المجتمع، لا قوة السلطة وهيبة القانون.

٢/ تعايش القانون والنظام:

وهو التعايش القائم على تنظيم وضبط الخلاف من خلال دولة ضامنة للحقوق والحريات، والمواطنة المتساوية، دولة تطبق قانونًا يحمي السلم الاجتماعي، ويمنع خطاب التحريض على الكراهية.

 وفي ضوء فهم هذين النوعين من التعايش يمكن القول: إن الحديث عن تعايش انسجامي بين اتباع الملة الإمامية الإثني عشرية وأتباع الملة الإسلامية هو نوع من التضليل وبيع الوهم، وأما التعايش التنظيمي فهو ممكن، ولكنه يحتاج إلى دولة قوية تقوم عليه وتفرضه.. دولة تطبق مبدأ العدالة على الجميع دون تمييز، وتجرم خطاب التحريض على الكراهية والعنف وتعاقب عليه، وتعمل على تعزيز وترسيخ الهوية الوطنية المشتركة بحيث يشعر الجميع أنهم شركاء في الوطن، لهم نفس الحقوق، وعليهم نفس الواجبات، مع التأكيد على قيم التسامح والتعايش عبر مناهج التعليم ومختلف وسائل الإعلام.

لكن تبقى نقطة ضعف هذا التعايش أن بقاءه – في الغالب – مرهون ببقاء الدولة الضامنة له، ولا يمكن أن يصبح تعايشًا حقيقيًا ومستدامًا مالم يتم استئصال ثقافة الحقد وخطاب الكراهية.

وإذن فالتعايش التنظيمي ممكن إذا توفرت شروطه الموضوعية، وأما التعايش الانسجامي مع ثقافة قائمة على الحقد والكراهية كالثقافة التي تقوم عليها الملة الإمامية الإثني عشرية فهو طلب للجمع بين النقيضين،  وجعل هذا التعايش مشروطًا بتخلي الشيعة الإمامية عن مقومات ملتهم العقدية ومبانيها الفكرية الأساسية؛ هو من باب تعليق الوجود على الشرط المستحيل؛ ولذلك فبدلاً من ملاحقة السراب والعيش في الأوهام، يجب أن نتحدث عما هو ممكن فعلاً، وهو التعايش التنظيمي.

إن المتأمل في واقع الشيعة الإمامية يرى عقائد وأفكارًا وطقوسًا كلها تدور حول الكراهية والحقد والثأر والانتقام، يتربى عليها الصغير ويهرم في مستنقعها الكبير، وفي ظل هذا الواقع يعد الحديث عن التعايش الانسجامي ضربًا من ضروب الوهم لا ينبغي لعاقل أن يقع فيه، ولكن يمكن الحديث عن تعايش تنظيمي جزئي، تحت سقف دولة تطبق القانون وتضبط السلوك العام وتمنع التحريض على الكراهية.

ويبقى وعي ويقظة النخب المسلمة تجاه الأحقاد الشيعية، و(الغيلان المتعطشة للدماء)، هو صمام الأمان الحقيقي، لكبح جماحها، والحيلولة بينها وبين ترجمة أحقادها إلى ممارسات تتجسد  بغيًا وطغيانًا وإجرامًا وإفسادًا في الأرض كما حدث في دورات متكررة من التاريخ القديم والمعاصر.

دور النخبة بناء الوعي لا تسويق الوهم:

لا شك أن أمة الإسلام تواجه مشكلة عميقة ومتجذرة، مشكلة اختلقت لأهداف وغايات خطيرة، وتبلورت في ظاهرة التشيع، ومما يزيد هذه المشكلة استفحالاً وخطرًا غياب الفهم الصحيح لها، وعدم وضوح الرؤية في التعامل معها..

إن معركتنا اليوم هي معركة بناء الوعي في الأمة، الوعي القائم على الحقائق الموضوعية، ومواجهة تزييف الوعي، وتخدير العقول، وكشف وتعرية الأوهام المنمقة، والأماني الكاذبة.. هذا هو واجب النخبة تجاه الجماهير، والبداية لذلك من بناء الوعي لدى النخبة نفسها؛ إذ فاقد الشيء لا يعطيه.

يقول أحمد شوقي:

إن الشجاعةَ في القلوب كثيرةٌ
ووجدت شجعانَ العقولِ قليلا
إن الذي خلق الحقيقة علقمًا
لم يُخلِ من أهل الحقيقة جيلا

والشجاعة العقلية تعني أن يواجه المرء الحقيقة كما هي دون هروب، وأن ينظر للواقع كما هو دون مغالطة للنفس، وهذا ما ينطبق على المسألة الشيعية التي يجب أن ننظر إليها بعمق وواقعية، فما أضر بأمتنا شيء كالتسطيح  الفكري، والوهن المعرفي..

وإن كنا قد سلطنا الضوء هنا على جذور الوعي المنقوص لدى الأشاعرة تجاه الملة الإمامية الإثني عشرية فلا يعني ذلك تبرئة باقي المذاهب السنية من قصور الوعي بالحالة الشيعية، وأذكر هنا كلمة للعلامة يوسف القرضاوي رحمه الله في حوار له مع الدكتور عزام التميمي على قناة الحوار ضمن سلسلة المراجعات  يقول فيها: ((مشكلة أهل السنة أنهم لا يعرفون الشيعة، ولذلك فالواجب علينا الآن أن نتبنى فكرة جديدة نعلن فيها المعرفة بالشيعة)) والحلقة متاحة على اليوتيوب وهذا رابطها:

وهي حلقة مهمة سجلت مع الشيخ القرضاوي في آخر عمره، وأظهر فيها الشيخ وعيًا متقدمًا بحقيقة الملة الإمامية الإثني عشرية حتى أنه كان يعبر عن الخلاف مع  الشيعة الإمامية بأنه خلاف بين المسلمين وغير المسلمين، الأمر الذي أربك المحاور وجعله يقول له: ((أنت تقصد إنه سنة وشيعة، أنت بتقول مسلم وغير مسلم))! فقال الشيخ: نعم.. أقصد سنة وشيعة! لكن الشيخ كرر بعد ذلك أن إسلام الشيعة الإمامية هو غير إسلام المسلمين.

وذكر الشيخ القرضاوي في ذلك الحوار أنه يعكف على تأليف كتاب علمي يذكر فيه موقف الشيعة الإمامية من القرآن ومن السنة ومن الصحابة ومن الإمامة ومسائل أخرى عقدية وفقهية وقال: ((أرجو أن يوفقني الله حتى أتم هذا الكتاب وأخرجه للناس ، من حق الناس أن يعرفوا الأمور كما هي، لا نزيد ولا نُنقص، الواجب على العلماء أن يظهروا الحقائق  للناس غير مزيد فيها، أو منقوص منها)).

ونحن نأمل من القائمين على تراث الشيخ القرضاوي البحث عن  مسودة هذا الكتاب في مكتبة الشيخ وإخراجه للناس.

إن جوهر المشكلة الشيعية يكمن في أنها تأسست على العداء للأمة، فكانت ولا زالت انشقاقًا معاديًا لا اختلافًا مشروعًا في وجهات النظر.

وجذر المشكلة الشيعية وأساسها يكمن في العقائد الغنوصية (الباطنية) المتمظهرة بالإسلام، والمتلفعة بخرافة (آل البيت) الشيعية، أخطر خرافة لهدم الإسلام وتقويض بنيانه من داخله..

لقد تمكنت الحركات الباطنية وتنظيماتها السرية من اختطاف شريحة من المسلمين من خلال تقديم الأفكار والمعتقدات الغنوصية في قالب إسلامي زائف، وواجبنا اليوم هو أن نعمل على استعادة أولئك المسلمين المخطوفين وانقاذهم من براثن الشرك والخرافة، ولا يجوز شرعًا أن نغض الطرف عن الشركيات والخرافات التي تقدم للناس باسم الإسلام بدعوى الحرص على التعايش، ولا أن يتخذ التعايش عنوانًا للتنكر لواجب الهداية وإقامة الحجة وإيضاح المحجة، ولا أن يتخذ مطية للتخدير وتزييف الوعي، والتمكين للداء الباطني  من التغلغل في جسد الأمة.

وختامًا:

إننا نعيش في واقع كثر فيه التدليس، واختلطت فيه المفاهيم، وتشابكت فيه الرؤى، وغابت فيه الرؤية الواضحة عن كثيرين؛ ولذلك فالتحديات خطيرة، والمسؤولية الملقاة على عاتق أهل العلم والبصيرة كبيرة، وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين))[2]، وما أحوجنا في ظل هذه الظروف الحالكة إلى أولئك العلماء العدول، القادرين على إبصار مواضع الخلل وتمييزها، والكشف عن مواطن الغلو والتحريف والانتحال ودحضها {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42].


[1] ولي نصر: صحوة الشيعة. ترجمة: سامي الكعكي.  دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان،ط1، 2007م، ص13.
[2] أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (694) والبزار في مسنده (9423)، وابن وضاح في البدع (1)، والطحاوي في مشكل الآثار (3884)، والآجري في الشريعة (1/268 – 269)، وأبو القاسم تمام في فوائده (899)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (33)، والخطيب في أخلاق الراوي (135)، والطبراني في مسند الشاميين (599). واخرجه لبيهقي في السنن الكبرى (20700). وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (248).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى