
بعد ثلاثة أيام بلياليها من الصداع، راودتني نفسي مراودةً شديدةً أن أَصدَع بحالها، بل بحال كل مَن ذاق الصداع يومًا من بني آدم؛ نسائهم قبل رجالهم، وشبابهم قبل شيوخهم وأطفالهم .. ذلك أن أقلّ من اثنين بالمئة من الناس يزعمون أنهم لم يتعرضوا قطّ للصداع، أمّا معظم الباقين منهم فقد أصيبوا به، ولكن -من حسن حظهم- مرات قليلة.
كان ما أصابني هذه المرة صداعًا خفيض الوطئ والدبيب، ما أثقله على نفسي! في غير اشتداد يغزوني، ولكن ما أقواه على كسر تطاول ذاتي! محتمَلًا موصولَ الوجود، ما أقدره على تغييب بعض وجودي، وتشتيت شمل أفكاري، وتعشية نور تركيزي!
كيف لا يفعل وقد اتخذ الرأسَ له سماءً، والجبينَ له أرضًا، والبالَ له سكنًا! .. وأنّى لمن وقع في قبضته أن ينهض بأعباء يومه، وقد صيّره الصداع نصفَ إنسان أو ربما أقلّ من ذلك!
يا ليتَ شِعري والمُنى لا تَنفعُ
هل أَغْدُوَنْ يومًا وأمري مُجمَعُ
ما الصدع في اللغة وفي الحياة؟ وما العُلقة بين صداعنا وتَصدُّع نفوسنا؟ كيف يصدع الناس بآلام صداعهم؟ وهل هم في ذلك سواء؟ ساءلتني نفسي عن ذلك كله فبحثت وسألتُ بدوري، واستعنتُ بما تيسر لي في السطور والنفوس لأجيبها، وتقصّيتُ تجارب الآخرين عن هذا الداء الوبيل.
الصَّدْعُ في اللغة: الشَّقُّ في الشّيء الصُّلبِ، فمنه ما يتصدّعُ فيفصله الصَّدْعُ نصفَين:
دَعي اللومَ أو بِيني كشِقِّ صَديعِ
فقد لُمتِ قبلَ اليومِ غيرَ مُطيعِ
ومنه ما يَشُقُّ الشيءَ ولم يفترق شِقّاه:
عَشِيّةَ قلبي في المُقيمِ صديعُهُ
وراحَ جَنابَ الظاعنينَ صَديعُ
والصُّداع من النوع الأخير!
يُبِينُ الصداع عن نفسه أيَّة إبانةٍ، ويَصدع بأمره لا لصاحبه فحسب، بل لمن يراه أيضًا؛ ذلك أن ألمه يعيد تشكيل قسمات الوجه، ويُشيخ نظرة العينين، ويُظهر الإعياء حتى كأنّ الجسم ينوء بحَمل رأسه فتراه مطأطئًا له مائلًا به صوب الأرض.. والرأس هو الرئيس، بما يحمله من العقل وعنفوان العلُوِّ والتّحكّم وبديع الأفكار والخواطر.. والرأس موطن البصر والسمع والشمّ والذوق، يكاد الصُّداع يبلوها كلَّها فلا يَلَذُّ لصاحبها منظر ولا نغَم، ولا يطيب له مَطعَمٌ ولا مَشرَب..
ولا يتصدّع من الكائنات إلا عظيمُها، كما لا ينصدع كائن ما -إنسانًا كان أو جمادًا- إلا بالشديد من الأمور، وربما بالرقيق المثابر منها؛ “والأرضِ ذاتِ الصَّدع” حين تشقّقُ بالنّبات.. وقطرات الماء التي تَفلق بِحثيث سعيها كبدَ الصخرة العظيمة.. والكلمة؛ “لو أنزلنا هذا القرآنَ على جبلٍ لرأيتَهُ خاشعًا مُتصدِّعًا مِن خشيةِ الله”. والبَيْنُ صدعٌ في الفؤاد ما أقساه!
ولمّا بدا منها الفِراقُ كما بدا،
بظَهرِ الصَّفا الصَّلدِ الشُّقوقُ الصَّوادِعُ
تمنّيتَ أنْ تَلقى لُبَيناكَ والمُنى
تُعاصيكَ أحيانًا وحينًا تُطاوِعُ
والكبد قد تتصدّع لتداعي ذكريات الأحبة:
وأَذكرُ أيّامَ الحِمى ثمَّ أنثني
على كبدي مِن خشيةٍ أنٍ تَصَدَّعَا
والثقة بمن نحبّ تتصدّع أيضًا على إثر الكذب، وربما لا تعود كما كانت أبدًا!
في لسان العرب: انصدع الصُّبحُ : انشقَّ عنه الليلُ والصَّديع : الفجر، ويوم القيامة ترى الناس “يومئذٍ يصَّدَّعون” فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير.
والصّدعُ: الفَصلُ والإبانة (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) سورة الحِجر94.
هو الخليفةُ فارضَوا ما قضى لكمُ
بالحقِّ يَصدَعُ، ما في قولِهِ جَنَفُ
والصادِعُ القاضي؛ لأنه يَفرُق بين الحق والباطل.

بالعَود إلى الصداع، ذلك الداء الذي لا يُعرف له سبب محدد واضح في غالب أنواعه وأحواله، ويكاد الناس يصيبهم اليأس من إدراك كنهه على ما كان ويكون من أبحاثهم والدراسات والتجارب.. فيكتفون بمُداراته وتسكينه واتقاء شره ما أمكن!
حين سألت الآنسة (أ.م) ذات الخمسة والعشرين ربيعًا عن قصتها مع الصداع، تحدّثت واستفاضت في حديثها؛ كأن جبلًا من المعاناة كان يدفعها ويحثّها، وسيلًا من الذكريات يمدّها.. قالت:
“لقد وعيتُ على الدنيا والصداع صاحبي، لا أعرف له نقطة بدءٍ كأنني خُلقتُ به.. في الحقيقة هو ليس صداعًا واحدًا بل عدة أنواع، أُخبركِ عن أسوئها جميعًا؛ ذلك الذي يصيب ألمه أحد شقَّي رأسي ثم ينصبّ انصبابًا على عين تلك الجهة، وكأن شخصًا يقف خلف كرتها يحمل بيده فأسًا يضرب بها تلك المسكينة لتخرج من محجرها.. فأجدني مدفوعةً لأُمسكها بقوة لأُبقيها في مكانها فإذا بها حارّة حرًّا شديدًا.. وكأنّ ألمَها قلبٌ تداعى له سائر أعضاء ذلك الشق من جسدي بالتشنج والعجز والحمّى؛ أشعر به في أذني وفكّي وساعدي وساقي.. أتعرفين ما أكثر شيءٍ يحرِّض ذلك الألم الفظيع؟ إنه رائحة الدخان الكريهة التي أتنشقها من المدخنين حولي.. ولا أُخفيك أن للفوضى في حياتي -في نومي وطعامي- يدًا طولى في تكرار نوبات ذلك الصداع.. كذلك يفعل عدم التزامي بوضع نظارتي الطبية بشكل دائم كما ينبغي لي خاصة مع طول مدة استعمال هاتفي المحمول”.
تتابع (أ.م) حديثها ذا الشجون: “هناك شكلٌ آخر من الصداع خسيس جدًّا؛ يبدأ أثناء نومي على صورة كابوس أرى فيه شخصًا يهمّ بضرب رأسي بمطرقة في يده فأستيقظ مذعورة لأجد الصداع قد تمكّن من رأسي وأحكَمَ قبضته على يقظتي وحال بيني وبين نومي وهنائي تلك الليلة! الجوع والجو الحار من أقوى مهيّجات الصداع لديّ، وتناول المثلجات يخفف كثيرًا من أثرهما، وكأني حين أتناولها فلا تسلك طريقها المعتاد نزولًا إلى معدتي، بل تصعد إلى رأسي فتبرده! هناك طعام آخر يحسّن حالي، قرأتُ عنه قبل شهور، جرّبتُه فوجدته علاجًا ناجعًا إلى حدٍّ كبير؛ إنه اللوز النيّئ! أتناول منه بضع حبات (حوالي سبع) فيكسر ثورة ذلك الألم المؤذي ويجعلني أقوى على تحمّله. شيء أخير أود إضافته، لا أدري هل هو من حسن حظي أم من سوئه! ذلك أنني صرت -بعد لأيٍ- قادرة أن أتكيف مع وجود الصداع (الذي يمتدّ إلى ثلاثة أيام عادة) في نهاري فأحمله معي، مقاوِمةً حاجتي اللحوح للانزواء في مكان ساكن معتم وحدي نائيةً عن كل شيء وعن كل الناس، وهو أمر غير متاح غالبًا، وأن أقوم بمهامي اليومية خارج البيت على ما يرافق نوباتي من حدّة انفعال؛ بركان من الغضب حينًا وسيل من الدموع حينًا آخر، قد يتفجر مني أحدهما في أي لحظة إثر أضعف سبب.. لقد علّمني الصداع كل ذلك! ونصيحتي الوحيدة التي أقدمها للأشخاص الموجودين حول مريضهم المتصدع: “إذا كنتَ تحبّني فابتعد عني قليلًا!” والسلام. انتهى كلامها.
أما السيدة (ع.ب 37 سنة) فقالت: لا أظن أن هناك أحدًا في هذا الكون يملك تجربة لطيفة مع الصداع.. ومن المؤسف بعد سنوات لي معه أني لا أعرف أسبابًا واضحة لوجوده أو ظهوره.. لقد شَخّص ألمي أحدُ الأطباء -صدفةً- على أنه صداع نصفيّ “الشقيقة” وهكذا كان! ولا يخفى على أكثر الناس طبيعةُ هذا الصداع الذي اتخذَ اسمَه من صفته.. لديّ إيمان بأنّ لكلّ شخصٍ نقطةَ ضعفٍ في جسمه؛ بالنسبة لي، رأسي هو نقطة ضعفي للأسف! فأيّ جهد (جسدي أو نفسي) أقوم به يؤثر على رأسي مباشرة، كما يمكنه إثارة نوبة من الصداع النصفي.. وللأمانة فإني صرتُ أدرك في كثير من الأحيان ما يهيج ألمي قبل بدئه.. وإني موقنة أن بعضَ تعديلٍ في نظام يومي (خاصة الأكل والنوم)، ليكون أقربَ للصحّيّ، قد يجعل الصداع يختفي تمامًا من حياتي! أعترف أنني أقوم أحيانًا ببعض السلوكات التي أعلم مُسبقًا أنها ستؤدي بي إلى الصداع (كالسهر مثلًا أو الجوع لفترة طويلة) لكني أفعل! ومن العجيب أن الصيام الطويل المتواصل لا يسبب لي الصداع (كما في شهر رمضان)، في حين أن تناول لقيمات قليلة غير مشبعة خلال النهار، تُحرض معدتي على الجوع، يتبعها انقطاع عن الطعام لساعات، قد يتسبب بظهور نوبة قاسية من الشقيقة! خاصة إذا ترافق الجوع بالتعب أو الإرهاق”.
وتابعت (ع.ب) قولها: “وخلافًا لكثير من الناس فإن شرب القهوة يزيد حدّة الصداع عندي، في حين أنّ حال معظم الناس تتحسّن باحتساء فنجان من القهوة.. أعتبر نفسي محظوظة -بحمد الله- لأن الصداع لا يتردد لي كثيرًا؛ فقد تمضي أيام أو أسابيع دون ألم.. ومَن يرى مصائب الناس تهون عليه بلواه! وصيتي لمن ابتلاه الله بهذا الداء -وكل إنسان عمومًا- أن يحرص على شرب كمية كافية من الماء وبشكل منتظم يوميًّا، وألا يعرّض نفسه للجوع لساعات طويلة.. والحمد لله رب العالمين”.
وشرحت السيدة (ت.و 42 سنة) تجربتها قائلة: لقد أصبح عندي قناعة غير قابلة للتشكيك مَفادها أنّ كل الأمراض والآلام التي تصيب الإنسان يعود سببها بشكل مباشر أو غير مباشر للضغط النفسي، ذلك أن لا أحد منا ينجو من التعرض لشدة نفسية في مرحلة ما من حياته.. حتى الأمراض الفيروسية التي تنشأ عن نقص في مناعة الجسم، فإن المعاناة النفسية تعد من أكبر مسببات ذلك النقص وبالتالي ضعف مقاومة الجسم للأدواء. فالنوم غير المنتظم مثلًا، أو الطعام السيء، أو قلة الحركة، كلها بالنهاية تؤدي لظهور أحد الأمراض. أما الصداع فأظنه استعدادًا خاصًّا لدى بعض الناس، أو طريقة يعبّر بها الجسم عن وجود خلل ما، بينما يظهر لدى آخرين بصور متباينة وفي مواضع مختلفة في الجسم. أذكر جيّدًا أول تجربة لي مع الصداع؛ كان عمري إحدى عشرة سنة؛ حين خرجتُ مع أهلي إلى متجر كبير ذي أنوارٍ ساطعة، وما إن وقعت عيني على ذلك الضوء القويّ حتى لمعت في رأسي أولُ شرارة للصداع في حياتي.. وكانت بداية تعارفنا.. تتالت نوبات الصداع بعد ذلك كل أسبوعين أو ثلاثة، تسبقها أعراض أو “إرهاصات” واضحة تُنذر باقتراب نوبة صداع حادة كل مرّة”.
وتصف (ت.و) صداعها قائلة: “هو صداع نابض في إحدى جهتي الرأس مع حساسية عالية للضوء والصوت، يلجئني إلى حبسِ نفسي في غرفة مظلمة مع تناول المسكنات.. وقد ظللتُ أعاني منه على الوتيرة نفسها حتى بداية العقد الثالث من عمري، ثم بدأ تواتر النوبات يقلّ تدريجيًّا إلى أن صار بمعدل نوبة شهريًّا. ليبدأ بعد ذلك نوع آخر أشد وأخبث من سابقه؛ هو “الصداع العنقودي” الذي يتمركز حول العين على صورة ضغط شديد يكاد يجعلها تنفجر.. وينتشر ألمه إلى الصدغ المجاور له. يفاجئ هذا الصداع الشخصَ دون علامات أو إنذارات؛ فيوقظه من نومه مثلًا.. وتستمر نوبته من ساعة إلى يوم كامل، مع تفاوت شدة الألم انخفاضًا وارتفاعًا خلال النوبة الواحدة. صاحبتُ هذه الآلام عشر سنوات تقريبًا.. واللافت أن الصداع اختفى مؤخّرًا من حياتي وبشكل نهائي بعد قطعي لعلاقة سامة مع إحدى “الصديقات” دامت عشر سنوات تقريبًا!”
تنصح السيدة (ت.و) صاحب الصداع بمراقبة كل شيء في حياته (طعامه ونومه وعلاقاته) ليكتشف بنفسه مثيرات الألم الخاصة به فيتجنّبها قدر إمكانه.. كما تأمل من المحيطين به الحرص على مداراته جدًّا، وتهيئة أسباب الهدوء والراحة له حتى يشفى من نوبته.
أما السيدة (ز.ع ذات الخمسين عامًا) فقالت: “لا أعلم بالضبط متى بدأ معي هذا الداء.. ولا أذكر أني عانيتُ منه في طفولتي أو بداية شبابي والحمد لله.. ليس ذلك مهمًّا على أي حال؛ فهو ألم قبيح متجبر لا يرضى إلا أن يكون سيّد الموقف! أحسه يعتصر جمجمتي ويكاد يهشّم عظامها.. محتلًّا صفحة جبيني، متمركزًا فوق عينيّ وعلى جانبي أنفي.. إنه يشتدّ مع أي حركة، خاصة بالانحناء نحو الأمام، وكأنه يوعز إليّ بالجمود وإلّا..! علمتُ بعد عدة نوبات أنه يسمّى “صداع احتقان الجيوب الأنفية”. وصرتُ بعد سنوات طويلة من مصاحبة الألم أتنبّأ بقدومه قبل ساعات، وأعرف أن تعرضي المباشر لحرّ الشمس، أو تأخري عدة ساعات في تناول وجبة الفطور، أو سهري لوقت متأخر في الليلة السابقة، أو تنشّقي للغبار أو الروائح القوية، لن يمر بسلام غالبًا! من العجيب ترافق ذلك الصداع دائمًا مع الشعور بالغثيان، وفقدان الشهية للطعام تمامًا، لمدة قد تصل إلى يوم كامل أو يومين! والأعجب من ذلك أنّ تناول المثلجات فقط من دون كل الأطعمة الأخرى يساعد كثيرًا في تخفيف ألمي وتبريد رأسي وتعديل مزاجي” وإذا كان ثمّة شيءٌ أوصي به ذوي المريض فهو الحنوّ عليه، والوجود بقربه في صمت.. وحسبه هو أن يحسّ بذلك! انتهى كلامها.
لقد تبيّن لنا بلا شكّ أن كلّ تجربةِ ألمٍ حالةٌ فريدة لا تشبه الحالات الأخرى، وإنِ اتّحدت الأسماء وتقاطعت الأعراض! فكلُّ جسد عالَم متكامل مغلق على ذاته، يستقبل الإشارات من خارجه فيعالجها وفق ما خبِر في ماضيه قبل أن يمزجها بحاضره ويحملها إلى قابل أيامه..

لكنّ الصداع ليس مجرد ألم عابر؛ إنه رسالة شديدة الإلحاح من الجسد حين يعجز اللسان عن التعبير، أو حين يفيض العقل بما لا يطيق.. أو لِنقل إنّه “الصرخة الصامتة” للأنسجة التي تحيط بمركز قيادتنا.
وهنا يذكر العلماء المفارقة الكبرى في الصداع؛ وهي أن الدماغ نفسه لا يشعر بالألم؛ إذ يفتقر نسيج الدماغ إلى مستقبلات الألم.. لذا، عندما تشعر بالصداع، فأنت لا تشعر بألم في “دماغك” أو “عقلك”، بل في الأنسجة شديدة الحساسية المحيطة به؛ الأوعية الدموية (الشرايين والأوردة) داخل وخارج الجمجمة، أو الأغشية المغلفة للدماغ (السحايا)، أو الأعصاب القحفية (خاصة العصب الثلاثي التوائم)، أو عضلات الرأس والرقبة. حين تتمدد تلك الأنسجة أو تلتهب أوتتشنج، ترسل تنبيهاتٍ عصبية تسرف في استثارة الدماغ، وتفرض سيطرتها على العقل، وتشلّ تدفق الأفكار، معطّلةً سيادة الرأس على الجسد، معلنةً استسلامه وتصدّعه، وحاجته لاعتزال كل شيء.. وانكفاء النفس على نفسها.. إطفاء الأنوار.. والصمت، لعلّ ذلك يساعد في رأب الصدع في ذاتٍ طالما اشتكت ضجيج العالم!
ولا شكّ أنّ مما يؤنس المرء ويهوّن عليه مصابه، وجود من يشتركون معه في الآلام والنوائب في هذه الدنيا.. فلا يكون بِدعًا من الناس في مكابدتها؛ ذلك أن الألم -أيّ ألم- يعزل المتألم في قفص نفسه، فلا يطيب له ما كان يبهجه قبل التألم، ويرجو ممن حوله قُربًا يؤنس وحشته؛ فما دام غير قادرٍ على تجاوز الألم إلى ما وراءه فلعلّه واجدٌ في عطف الأحبّة عليه بعض العِوض .
إنّ صوت الصداع عالٍ يطغى على ما دونه من الأصوات؛ لذا يجدر بمن يواسي مصابًا به أن يصمت في حضرته، ويَدَعَ ليده وعينيه العبارة عن خواطره ومشاعره:
الصّمتُ في حَرَمِ الصُّداعِ مَقالُ
حالُ العليلِ تَطيبُ بهِ والبالُ
يا جابرًا صَدعًا أَقَضَّ حبيبَهِ
يُغنيهِ منكَ عنِ الطّبيبِ سؤالُ
إن الصحة والفراغ اللذين يغبن فيهما كثير من الناس (كما جاء في حديث نبينا -عليه الصلاة والسلام-) يذهبان جميعًا عند الألم؛ ألم الصداع أو أحد إخوانه من بنات الدهر.. فلا يرى المصدوع ولا يرجو من أماني الدنيا غير أمنيّة واحدة، تعدلُها كلَّها بل تعلو عليها مجتمعة!
أليس ألمُ الإنسان علامة ضعفٍ؟!.. والضعف -مهما كان- نداءٌ لِيدِ العون لتمتدّ بين جميع الناس.. فيَسعدَ الأخ بعطف أخيه.. ويرحم بعض الناس بعضًا.. ويدعو بعضهم لبعض: اللهمّ ربَّ الناس.. أذهبِ الباس.. اِشفِ أنت الشافي.. لا شفاءَ إلا شفاؤك.. شفاءً لا يغادر سقمًا.
