المدونة

خواطر قارئ على هامش المعارض الدولية للكتاب

بين رائحة الكتب وضجيج المنصّات.. ماذا بقي من علاقتنا بالقراءة؟

ثمة شيءٌ حميمي يصعب تفسيره في معارض الكتب.
ربما رائحة الورق، أو ازدحام الرفوف، أو تلك الفوضى الهادئة التي يصنعها القرّاء وهم يتجوّلون بين العناوين والأغلفة والأفكار. أو ربما لأنّ الكتاب، رغم كل ما جرى، ما يزال قادراً على منح الإنسان شعوراً خافتاً بأن العالم لم يفقد معناه بالكامل.

ومع ذلك، فإن المتجوّل في معرض الدوحة الدولي للكتاب هذا العام، لا يستطيع أن يتجاهل سؤالاً يتكرّر في داخله بإلحاح:
هل ما نراه اليوم هو احتفاء حقيقي بالقراءة؟ أم احتفاء بصورة القراءة؟

الكتاب في مواجهة السرعة

لم يعد الكتاب يحتلّ المكانة ذاتها التي كان يحتلها قبل سنوات ..
لقد تغيّر العالم سريعاً، وتغيّرت معه أدوات التلقي، وأنماط المعرفة، وإيقاع الحياة نفسه. فبينما كان الكتاب ذات يوم بوابة شبه وحيدة للمعرفة العميقة، بات اليوم ينافس تطبيقات ذكية، ومنصّات مرئية، ومقاطع قصيرة، وكبسولات معرفية سريعة، تُقدَّم للعقل كما تُقدَّم الوجبات السريعة للجسد.

ولعلّ البودكاست هو التعبير الأوضح عن هذا التحوّل.
فهو البديل المعرفي الذي يحاول كثير من الشباب الجاد التشبّث به في عالم لا يمنحهم وقتاً كافياً للقراءة المتأنية. ولا شك أنّ للبودكاست فوائد حقيقية، إذ يخلق مساحة سمعية لطيفة للتعلّم والتأمل، ويُعيد الاعتبار لفكرة الحوار والإنصات. لكنني—وربما بدافع التحيّز القديم—ما زلت أرى في القراءة شيئاً لا يمكن تعويضه بالكامل.

فالقراءة ليست مجرّد تلقٍّ للمعلومة، بل بناء بطيء للعقل، وتشكيل هادئ للوعي، وعلاقة شخصية عميقة بين الإنسان والفكرة.
الكتاب لا يمنحك المعرفة فقط، بل يمنحك طريقة في التفكير، وإيقاعاً داخلياً أكثر هدوءاً، ومساحة للتوقّف والتأمل، وهي أمور يصعب على الوسائط السريعة أن تمنحها بالعمق نفسه.

فسحة ثقافية وسط عالم مضطرب

وككل عام، بدا معرض الدوحة الدولي للكتاب مثالاً واضحاً على حسن التنظيم والترتيب.
المتطوعون حاضرون بابتساماتهم وحماسهم، والممرات واسعة ومريحة، والزوايا موزّعة بعناية بين دور النشر، وأركان الأطفال، وورش العمل، والمقاهي، وقاعات المحاضرات.

ولعلّ ما يلفت النظر حقاً هو هذا التنوع الثقافي والبصري الذي يجعل المعرض أقرب إلى “فسحة حضارية” منه إلى سوق كتب تقليدي. الفنون، والفلكلور، والعروض التراثية، والأنشطة العائلية.. كلها تمنح المكان روحاً إنسانية جميلة، خصوصاً في زمن إقليمي شديد القسوة، تمتلئ نشراته بالحروب، والصواريخ، وأخبار الدم، والعنف.

وفي لحظة عربية مرتبكة ومثقلة بالخراب، تبدو معارض الكتب وكأنها محاولة رمزية للتمسّك بفكرة الثقافة بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة.

المتصفّحون أكثر من القرّاء

لكن خلف هذا المشهد الجميل، يمكن للقارئ المتابع أن يلحظ أزمة حقيقية تعيشها صناعة الكتاب نفسها.

فما أكثر المتجوّلين بين الأجنحة.. وما أقل الذين يشترون.

ثمة أسباب كثيرة لذلك. أولها سهولة الوصول إلى كثير من الكتب بصيغ رقمية مجانية أو منخفضة التكلفة. وثانيها الارتفاع الواضح في أسعار الكتب داخل المعرض مقارنة بأسعارها عبر المنصات الإلكترونية. فخمسة كتب متوسطة الحجم قد تُشكّل عبئاً حقيقياً على ربّ أسرة يحاول الموازنة بين الشغف والقدرة الشرائية.

لكن السبب الأعمق ربما لا يتعلق بالسعر وحده، بل بتراجع قيمة القراءة نفسها في الوعي العام.
لم يعد الكتاب أولوية كما كان، ولم تعد القراءة ممارسة يومية راسخة، بل نشاطاً موسمياً أو نخبوياً أو حتى تجميلياً أحياناً.

خواطر قارئ على هامش المعارض الدولية للكتاب 1 خواطر قارئ على هامش المعارض الدولية للكتاب

أزمة العناوين.. لا أزمة الطباعة فقط

ومن يراقب المشهد عن قرب، يلحظ أيضاً أزمة أخرى لا تقل خطورة: أزمة العناوين.

لقد تغيّرت قواعد النشر كثيراً. لم تعد القيمة الفكرية وحدها هي التي تحدّد ما يُطبع وما يُروَّج له، بل بات المال، والحضور الرقمي، والقدرة على التسويق، عوامل أكثر تأثيراً من جودة المحتوى نفسه.

اليوم، يستطيع كثيرون طباعة كتبهم، وإقامة حفلات توقيع، والحصول على تغطيات إعلامية واسعة، بينما تختفي عناوين أكثر عمقاً وجدية خلف ضعف التمويل وقلة الداعمين.

ولا يمكن بالطبع الحكم على كتاب من غلافه، لكن القارئ الخبير بعالم الكتب يستطيع—بعد سنوات طويلة من القراءة—أن يلتقط إشارات كثيرة من تصفّح سريع: اللغة، والأسلوب، والبناء، وطريقة التفكير، واتساق الفكرة… كلها تمنح انطباعاً أولياً يكشف الكثير.

ولذلك، لم يعد غريباً أن نجد عناوين ضعيفة محمولة على أكتاف دعاية ضخمة، فيما تمرّ كتب أكثر قيمة بهدوء يكاد يشبه العزلة.

شباب كثير.. وقراءة أقل

ومن المشاهد اللافتة في المعرض الحضور الشبابي الكثيف، وهو أمر يبعث على الفرح بلا شك.
رؤية الشباب يتجوّلون بين الكتب، ويتناقشون، ويلتقطون الصور، ويرتشفون القهوة قرب زوايا القراءة.. مشهد يحمل شيئاً من الأمل.

لكنّها فرحة ليست مكتملة تماماً.

لأن العلاقة في كثير من الأحيان تبدو مرتبطة بـ “صورة القراءة” أكثر من القراءة نفسها؛ بالأغلفة الجميلة أكثر من المحتوى، وبأسماء مشاهير المنصّات أكثر من الكتّاب الذين يصنعون أثراً حقيقياً في الفكر والثقافة.

وهكذا، تحوّلت القراءة—في بعض تجلياتها الحديثة—إلى حالة تُوثّق على إنستاغرام، أكثر من كونها رحلة داخل العقل والروح.

الأحاديث الصغيرة التي تصنع الثقافة

ومع ذلك، يبقى في معارض الكتب ما يستحق الحب فعلًا.

أكثر ما يعجبني شخصياً تلك الأحاديث الجانبية الصغيرة التي تنشأ فجأة بين قارئ وبائع كتب، أو بين غريبين جمعهما عنوان واحد.

لماذا هذا الكتاب مهم؟
هل قرأت للمؤلف شيئاً آخر؟
من ناقشه؟ ومن ردّ عليه؟ وهل هناك طبعة أحدث؟

في تقديري، هذه الحوارات لا تقلّ أهمية عن الكتاب نفسه.
لأنها تخلق حالة ثقافية حيّة، تلقائية، وإنسانية، بعيدة عن منطق البيع والشراء المجرد.

فالثقافة لا تُصنع فقط عبر اقتناء الكتب، بل عبر الحوار حولها، والاشتباك معها، وربطها بالحياة والأسئلة الكبرى.

فيسبوك بين الرفوف

وربما من أكثر الظواهر التي تستحق التأمل، انتقال الحالة “الفيسبوكية” إلى داخل أروقة الثقافة نفسها.

الكاميرات لا تتوقف، والهواتف مرفوعة باستمرار، والصور تُلتقط بعناية، وكأن بعض الزوار لا يبحثون عن كتاب ما بقدر ما يبحثون عن “لحظة قابلة للنشر”.

ولست أقول ذلك ازدراءً أو رفضاً كاملاً، فوسائل التواصل أصبحت جزءاً من حياتنا بالفعل، وربما ساهمت في إعادة بعض الاهتمام بالكتاب ولو بصورته الرمزية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الثقافة نفسها إلى جزء من اقتصاد الصورة، وتصبح القراءة “مظهراً اجتماعياً” أكثر من كونها فعلاً معرفياً حقيقياً.

الكتاب.. بوصفه مقاومة هادئة

ورغم كل شيء، يظلّ في معارض الكتب شيء يدعو للأمل.

يكفي أن ترى شاباً يقف طويلاً أمام رفٍّ ما، أو أباً يشتري كتاباً لطفله، أو قارئاً يبحث عن عنوان قديم، لتدرك أن الكتاب لم يُهزم بعد.

ربما تراجع حضوره، وربما تغيّرت مكانته، وربما أصبح يعيش في عالم أكثر قسوة وسرعة… لكنه ما يزال قادراً على منح الإنسان لحظة نادرة من العمق وسط هذا الضجيج كلّه.

ولعلّ هذا وحده سبب كافٍ لأن نتمسّك به..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى